السؤال: إن كان هو نفس الناخب المشارك فى الانتخابات الرئاسية، فلماذا نجد أرقام المشاركة أقل فى الانتخابات البرلمانية؟ والإجابة تطرح تساؤلات عديدة، أهمها هل تعلم الأحزاب الحالية تاريخ الانتخابات النيابية فى مصر ومدى تأثيرها على الناخب على مر العصور؟ هل تعلمت الأحزاب السياسية من تجارب الاتحاد الاشتراكى والحزب الوطنى؟ هل تعى الأحزاب أسباب عزوف نسبة من الشعب عن المشاركة فى الانتخابات البرلمانية؟
تساؤلات عديدة إذا استطاع أى حزب أن يجيب عنها بصراحة وشفافية، وطبق هذه الإجابات على أرض الواقع؛ يستطيع أن يكسب أصوات الناخبين بسهولة ويسر.
القضية ليست مجرد انتخابات نيابية وما حدث بها من تجاوزات أو مخالفات، لأنها فى النهاية سوف تمر بأى شكل، ولكن القضية أكبر من ذلك، وهما قضيتا الوعى والثقة عند الشعب المصرى فى التعامل مع الانتخابات، بمعنى آخر ثقافة المصريين الانتخابية، خاصة التى تشكلت عبر العقود الماضية، فرغم أن مصر عرفت الحياة النيابية فى عهد محمد على باشا بإنشاء «المجلس العالي» عام 1824، لكن لم تكن هناك انتخابات، ولم يختلف الأمر كثيرا عام 1866 مع إنشاء «مجلس شورى النواب» كأول مجلس نيابى منتخب، وهو أول برلمان منتخب من كبار مُلاك الأراضى الزراعية، وشكل وفق النمط الغربى فى إقامة المؤسسات التشريعية، وحظى بصلاحيات واسعة.
وبعد ثورة 19، جاء صدور دستور 1923 الذى أقر نظام المجلس ذى الغرفتين (مجلس الشيوخ ومجلس النواب) وانتخاب أول مجلس نيابى حقيقى فى عام 1924، له سلطة سحب الثقة من الحكومة، واستطاع الشعب المصرى إسقاط رئيس الوزراء يحيى إبراهيم باشا، وحصول الوفد على الأغلبية من مقاعد مجلس النواب 195 مقعدا، وتم تشكيل الوزارة برئاسة سعد زغلول، فكان أول مصرى من أصول ريفية يتولى هذا المنصب، وسُميت وزارته بوزارة الشعب، ولكن علينا أن نعى جيدا أن فى تلك الحقبة الزمنية كان هناك صراع أكبر للسيطرة بين الاحتلال الإنجليزى والملك، وهو الذى يحدد بشكل كبير نتيجة الانتخابات أو تشكيل الحكومات، فمثلا لك أن تتخيل أن فى فترة حكم الملك فاروق الذى استمر لمدة 16 عاما، شهدت مصر تغييرا وزاريا لنحو 24 حكومة نتيجة الصراع بين الاحتلال والملك، وكانت أطول وزارة هى وزارة مصطفى النحاس باشا السادسة (26 مايو 1942 – 8 أكتوبر 1944)، وكانت أقصر وزارة هى حسين سرى باشا الخامسة (2 – 22 يوليو 1952) لمدة عشرين يوما فقط، رغم أنه أعقبها وزارة نجيب الهلالى باشا الثانية والتى لم تستمر 18 ساعة فقط فى يوليو 1952. تم تشكيلها فى 22 يوليو 1952، لكنها استقالت فى الساعات الأولى من اليوم التالى 23 يوليو 1952 بسبب اندلاع ثورة 23 يوليو التى أطاحت بالملك فاروق، وبعد ثورة يوليو وإلغاء الأحزاب وبعد صدور دستور 56 تم إنشاء مجلس الأمة عام 57، وبعد ذلك إنشاء مجلس الشعب عام 71، وبعد ذلك عام 80 إنشاء مجلس الشورى.
وهنا من حقك عزيزى القارئ أن تسأل: لماذا أسرد هذا التاريخ الآن؟ وما علاقته بالواقع الذى نعيش فيه اليوم؟
هذا سؤال مشروع، والإجابة عليه أننا عندما ندرس التاريخ جيدا بأحداثه سوف نتعرف لماذا لا توجد ثقة فى الانتخابات عند الشعب، خاصة فى حقبتى الاتحاد الاشتراكى أو ما بعدهما من هيمنة الحزب الوطنى على مجريات الانتخابات وتحديد نتائجها مع إتاحة عدد مقاعد معين لبقية الأحزاب تحت مسمى معارضة طبقا للتنسيق والاتفاق المبرم مع قيادات الحزب الوطنى الذى كان يرأسه رئيس الجمهورية بنفسه، وهو الأمر الذى أدى لتعميق غياب الوعى والثقة عند الشعب المصرى، أو بمعنى أدق عزوف الشعب عن المشاركة لعقود، لتأكدهم أن أصواتهم لن تستطيع أن توصل مرشحهم إلى مقعد البرلمان حتى رغم صدور (قرار) من محكمة النقض بأحقيته هذا المرشح بعضوية البرلمان، نظرا لأن ترزية القوانين فى عهد الحزب الوطنى حجّموا من دور محكمة النقض، باعتبار نظرها فى صحة العضوية قرارا وليس حكما ملزما للمجلس، ولا ينسى أبناء جيلى الكلمة الشهيرة (سيد قراره)، ومعناها أن مجلس الشعب هو صاحب القرار الأخير فى قرارات محكمة النقض، وشاهدنا مئات بل آلاف القرارات التى صدرت ضد نواب الحزب الوطنى، ولكن كانوا فى حماية (سيد قراره) وهو آخر خطوط حماية الفساد فى تلك الحقبة، وكانت تسبقه خطوات كثيرة من الفساد سواء الرشاوى الانتخابية للمواطنين أو المال السياسى لراغبى الترشح أو التزوير فى الصناديق، التى كان يتفنن الحزب الوطنى فيها، سواء عن طريقة الورقة الدوارة أو عن طريق الموظفين المشرفين على الانتخابات بملء البطاقات بأنفسهم لصالح رمزى الهلال والجمل المقتصرين فقط على مرشحى الحزب الوطنى على مدار عقود، وغير مسموح لأى مرشح الحصول على أى من هذين الرمزين إلا لمَن يحدده الحزب الوطنى، وهما الرمزان اللذان عاشا عقودًا مع الناخب البسيط الذى لا يعرف القراءة والكتابة وغيرها من الوسائل، مثل منع إصدار توكيلات لمندوبى المرشحين فى اللجان أو القبض عليهم لتسهيل عملية التزوير وغيرها من الوسائل التى لم تتوقف عمليات الابتكار فيها بمشاركة كل أجهزة الدولة، وقد عاصرت مصر تغييرا فى أنظمة الانتخاب، سواء فردى أو قائمة نسبية أو مغلقة وعمال وفلاحين وغيرها من الألاعيب التى كان القضاء يتصدى لها ويتم إلغاؤها وحتى بعد صدور حكم المحكمة الدستورية العليا عام 2000 بالإشراف القضائى الكامل على الانتخابات وتم حل المجلسين وإعادة الانتخابات من جديد، وحتى بعد هذا الحكم لم تتوقف عمليات التزوير بطرق أخرى.
وتكرر نفس أسلوب الحزب الوطنى فى برلمان 2012 مع استبدال أعضاء الحزب الوطنى بأعضاء حزب الحرية والعدالة التابع لجماعة الإخوان الإرهابية.
أنا لا أسرد حكايات قد لا يعلمها بعض أبناء الجيل الحالى، ولكننى أبرهن على سبب العزوف عند أغلبية المواطنين المصريين على مدار عقود طويلة، وبالطبع ليس كل الشعب، فمَن يشارك ستجد أن له أسبابا خاصة مثل القبلية أو الصداقة أو حتى المصلحة التى ستعود عليه من المشاركة، وكانت العملية الانتخابية موسما عند البعض من البسطاء يجنى منها بعض المال والتموين، مثلها مثل الذبح فى العيد الكبير.
هذه مجرد نماذج تاريخية لمعرفة أسباب عزوف البعض عن المشاركة فى الانتخابات البرلمانية، وما نحن فيه اليوم من عزوف الناخبين للانتخابات البرلمانية عام 2025.
هل هى أزمة ثقة أم أزمة وعى عند الناخب؟ والإجابة التى أراها أنها أزمة ثقة، والدليل على كلامى الإقبال على انتخابات الرئاسية، وهنا يمكن أن يقول لى أحدهم إن الأحزاب هى التى حشدت الناخبين بها.
هنا ردى عليه إن كانت الأحزاب قادرة على الحشد بهذا العدد فلماذا فشلت فى الحشد لمرشحيها فى انتخابات البرلمان؟
وهنا يجب طرح أسئلة مهمة: هل يرى الناخب أن صوته لن يغير فى النتيجة؟ هل المواطن لا يثق فى الأحزاب؟
هل بسبب أن القيادات المركزية للأحزاب أساءت اختيار المرشحين؟ هل هناك نقص فى المعلومات لقيادات الأحزاب عن الشعبية الحقيقية للمرشحين؟ ما أسس الاختيار فى المجمع الانتخابى للأحزاب إن وجدت؟ هل الأحزاب تجرى مقياسا لاحتياجات الدوائر ومطالبها؟ هل تدرس الأحزاب التاريخ النيابى للدوائر والعائلات بجميع المحافظات؟ أين دور أمانات الأحزاب على مستوى المحافظات والمدن والقرى؟ وعلى أى أساس يتم اختيار كوادر الأحزاب فى المحافظات؟ وما ثقلهم الحقيقى على أرض الواقع ومدى تأثيرهم فى المواطنين؟ هل هم مجرد هيكل حزبى لاستكمال الشكل التنظيمى لكل حزب؟ هل هناك ندوات للتوعية السياسية للمواطن على مدار العام أم الاكتفاء بالمؤتمرات الشعبية أيام الانتخابات؟
التساؤلات كثيرة ومشروعة إن كنا حقا نريد أن نستكمل بناء الجمهورية الجديدة على أسس سليمة تستطيع أن تصمد عقودا طويلة، فإن كان الرئيس السيسى يضع بناء الإنسان المصرى من أهم عناصر الجمهورية الجديدة، وإن كان الرئيس السيسى هو مَن انحاز للمواطن المصرى فيما حدث من تعديات فى الانتخابات، ولم يصدر تعليماته فى الغرف المغلقة، بل أعلنها للجميع على صفحته الرسمية كجرس إنذار عن رفضه ورفض الشعب لتلك الممارسات من البعض والاتجاه إلى الطريق الصحيح لنصرة رأى الناخب، وهنا علينا أن نستمد من انحياز الرئيس السيسى للشعب وتعمل كل أجهزة الدولة على زيادة الوعى السياسى عند الشعب وبناء ثقة فى عملية الانتخابات البرلمانية كما هى موجودة عند الشعب فى الانتخابات الرئاسية، وهذه الثقة تحتاج إلى تربية للأجيال الجديدة لأنها جزء مهم فى بناء الشخصية لكل إنسان، فمثلا أنا من جيل تربى على سماع كلام الأكبر منى والعمل به سواء فى المنزل أو فى المدرسة، وأنهم على صواب حتى لو كنت مختلفا معهم فى الرأى، فعلينا (أن نسمع الكلام وننفذ بدون مناقشة) حتى الانتخابات التى مررنا بها سواء فى الفصل (رائد الفصل) غالبا كانت تذهب لمَن يوجهنا إليه المدرسون، وحتى انتخابات اتحادات الطلاب كانت تعتمد على العلاقات والأصدقاء، وليس هناك أى مقياس أو معيار محدد، فلم نكن نملك الوعى، ولم يمنحنا أحد ذلك الوعى فى تلك السن الصغيرة، فكنا ننتخب بالتوجيه وليس عن اقتناع أو فهم، وحتى فى الجامعة، وفى ظل منع العمل السياسى كانت الانتخابات تسير بأسلوب أقرب إلى أسلوب المدرسة مع التوسع فى اختصاصات شئون الطلاب وعوامل الجذب من بعض الطلاب المرشحين، وهكذا حتى تتخرج من الجامعة وأنت لا تملك أى وعى سياسى، وتُصدم بانتخابات البرلمان التى تجد أن عائلتك هى مَن تحدد لك النائب الذى تختاره، وهكذا تستمر الدائرة فى الحياة، جيل يسلم جيلا، دون أى وعى أو ثقافة سياسية حقيقية وإن كان البعض يعتقد أو يتوهم أن مشاركته فى المؤتمرات الشعبية أو مساندته لأحد المرشحين أو أن ينضم لحزب هو عمل سياسى، ويحاول أن يحصل على منصب على مستوى المدينة أو المحافظة، فهو بذلك وصل لقمة العمل السياسى، وللأسف أستطيع أن أصدمك عزيزى القارئ أن هذا كلام ليس له أى أساس من الصحة.
فهذا مجرد واجهة اجتماعية ليس له علاقة بالسياسة، ولكن يمكن أن نقول إنه أول خطوة فقط لدخول العمل السياسى، ويجب على الأحزاب والحكومة أن تنمى تلك الخطوة وتستفيد من رؤية الرئيس السيسى واهتمامه وحرصه على الاستفادة من الشباب، وهو الأمر الذى ظهر جليا فى مؤتمرات الشباب التى كانت تُعقد، وأسفرت عن العديد من الأفكار والنتائج الإيجابية، ومنها خفض سن الترشح فى المجالس النيابية، وشهدنا نوابا من الشباب ليسوا مجرد ديكور تحت القبة، لكن لهم دورا حقيقيا بالمجلس، بالإضافة إلى وجود نواب ومعاونين للوزراء والمحافظين من الشباب، ولا ننسى تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين أو دور الأكاديمية الوطنية للتدريب، وإذا نظرت عزيزى القارئ ستجد أنها كلها مبادرات شخصية من الرئيس السيسى، وعلى الحكومة والأحزاب السياسية أن تقوم بدورها بتنمية تلك المبادرات وعدم الاكتفاء بتنفيذ توجيهات الرئيس فقط، بل والتوسع فيها والعمل على استمراريتها وتخريج أجيال جديدة منها وعدم الاكتفاء بالأسماء الموجودة على الساحة حاليا، وهنا دور الأحزاب وخاصة أمانة الشباب فى كل حزب، فنحن للأسف نملك أحزابًا كثيرة على الورق وليس لها أى تواجد فى الشارع؛ نملك أحزابا، بعضها ليس له علاقة بالسياسية التى من المفترض أن دورها الأساسى هو العمل السياسى. أعلم أن البعض سيرد علىّ بأن الفترة الماضية كانت هناك تحديات كثيرة ضد مصر، وأن الأحزاب كانت تعمل لتدعيم الوطن أكثر من المكاسب الشخصية لكل حزب.
وقد يكون هذا الكلام صحيحا، ولكن علينا أن نتخطى تلك المرحلة وألا نقف عندها كثيرا لاستكمال بناء الوطن بالتعددية الحزبية السياسية والتنافس الذى يصب فى صالح الوطن والمواطنين، فالحياة السياسية ليست بكثرة الأحزاب ولكن بتوجهاتها ودورها السياسى فى الغرف النيابية ومدى تأثيرها فى الشارع طوال العام، وليس فى وقت الانتخابات فقط، وهنا نصل لنقطة فى غاية الأهمية وهى أهمية عودة انتخابات المجالس المحلية التى كانت مثل ترمومتر لنبض الشارع، ولم يعد هناك داعٍ للخوف من بقايا الحزب الوطنى أو لجماعة الإخوان الإرهابية. اليوم نحن فى أشد الاحتياج للمجالس المحلية لتكون بروفة حقيقية لأهمية المشاركة فى الانتخابات، خاصة أن أغلبية المرشحين معروفون للناخبين وموجودون وسطهم، وهى خطوة مهمة فى خلق أجيال جديدة تملك وعيا سياسيا تخرج من الشارع نفسه وليس مرشحون لا يعرفهم الناخبون، بالإضافة إلى قيام المجالس المحلية بدورها الرقابى والخدمى المفقود منذ سنوات.