مرّ الشوط الأكثر صخبًا والأشد ضجيجًا فى الانتخابات البرلمانية، بقيت لنا عمليات الإعادة سواء بالنسبة لدوائر المرحلة الأولى، التى ألغت نتائجها المحكمة الإدارية العليا، فضلا عن عمليات الإعادة فى دوائر المرحلة الثانية، وتبقى قضية الطعون التى تنظرها المحكمة الإدارية العليا بالنسبة لدوائر المرحلة الثانية، حوالى 300 طعن، وبالتأكيد سوف تكون هناك طعون بالنسبة لبعض دوائر المرحلة الأولى التى لا تزال مفتوحة، وهناك الطعون التى حوّلتها المحكمة الإدارية العليا إلى محكمة النقض للنظر فيها، باعتبارها من اختصاص النقض، وفى تاريخ الانتخابات فى مصر، ربما تكون هذه الجولة هى الأطول بينها، فقد بدأت من شهر أكتوبر، وقد تنتهى فى شهر يناير، وربما تمتد إلى فبراير، بالنسبة إلى المرحلة الثانية من الانتخابات.
نعرف جيدا أن الانتخابات ليست فقط الصندوق الزجاجى وإعلان النتائج بنزاهة والتزام كافة الإجراءات القانونية لكنها تبدأ قبل ذلك بكثير، من إعداد المرشح وتجهيزه بالتواجد والتأثير فى الشارع وبين المواطنين، إلى مرحلة التقدم للترشيح، سواء فرديا أو من خلال حزب.
ولم يحدث فى أى دولة أن مرت تجربة انتخابية دون تجاوزات أو أقاويل طالت بعض جوانبها الإجرائية أو معايير النزاهة والشفافية، نذكر «جلاوى»، عضو مجلس العموم البريطانى، حين اتُّهم وجرى التحقيق معه بتهمة تلقى أموال من الرئيس العراقى صدام حسين فى معركته الانتخابية فى بريطانيا، وتابعنا جميعا الخلاف الذى دار بين «آل جور» وبوش الابن فى الانتخابات الرئاسية الأمريكية سنة 2000 والحديث عن أصوات احتُسبت خطأ لصالح بوش الابن، وتمت تسوية الأمر باتفاق سياسى بين المرشحين، لم يتم الإفصاح عن مضمونه إلى اليوم، ونذكر جيدًا ما صاحب الانتخابات الرئاسية السابقة فى الولايات المتحدة التى تنافس فيها جو بايدن مع دونالد ترامب، حيث اتهم ترامب منافسه بالتزوير وسرقة النتائج منه، وأحاديث الديمقراطيين التى لم تتوقف عن تدخل روسيا فى الانتخابات الأمريكية سنة 2015، التى تنافس فيها المرشح دونالد ترامب مع المرشحة هيلارى كلينتون.
وقد عرفت مصر الانتخابات والتصويت المباشر مع مطلع القرن العشرين، وإلى يومنا هذا، لم تسلم أى انتخابات من أقاويل حول تجاوزات وقعت هنا أو هناك، سواء فى صناديق الاقتراع أو ما قبلها.
وعادة تصدر الشكوى من المرشحين أو الأحزاب المتنافسة، مواطن الشكوى عديدة، أحيانا تكون الشكوى بمادة وأحيانا تكون لتبرير الهزيمة أو الفشل، ومحاولة ستر العورة السياسية أمام الجمهور وبين الناخبين، حتى انتخابات سنة 1924 والتى أجراها يحيى إبراهيم باشا رئيس الوزراء ورسب هو فى الشرقية كمرشح، أمام أحد الأفندية، لم تسلم من الأقاويل، خلف نزاهة الانتخابات ورئيس الوزراء، قيل إن الهدف كان الدفع بسعد زغلول إلى المقدمة ليواجه الإنجليز، ويتخلص الملك أحمد فؤاد من زعامة سعد زغلول.
فى انتخابات مجلس النواب سنة 1950، التى فاز فيها حزب الوفد باكتساح، لم يتهم أحد عملية التصويت ولا إجراءات الفرز أو الدعاية، لكن الاتهام كان أن حزب الوفد قام بإعادة تقسيم الدوائر أثناء تواجده فى الحكم، بما يضمن منافسة مريحة وأفضل لمرشحيه، بعد سنوات طويلة من هذه المعركة الانتخابية أكد لى أحد رموز الوفد أنهم فعلوا ذلك، واعتبره «ذكاء تكتيكيا» وليس تلاعبا انتخابيا.
وقد تكون انتخابات هذا العام -2025- هى الوحيدة التى يصدر الاعتراض على بعض ما جرى فيها من رئيس الجمهورية شخصيا، فى تدوينه شهيرة يوم الاثنين 17 نوفمبر الماضى، كانت التدوينة واضحة، تؤكد أن الرئيس يتابع ويدرك حجم ما جرى من تجاوزات صارخة فى المرحلة الأولى وحجم المال السياسي الذى صار سيد الموقف فى بعض الحالات وأن أصوات القلق العام وصلت إلى مسامع الرئيس، لم يتوقف الرئيس عند التدوينة، لكنه فى اليوم التالى وفى أكاديمية الشرطة، تحدث عن ما يطلق عليه «المال الفاسد فى الانتخابات» وحذر المواطن من أن يقبل أو يبيع صوته، وفى مرة ثالثة أعاد الرئيس التأكيد على هذه المعانى فى الأكاديمية العسكرية.
لم يصدر حديث الرئيس من فراغ، لكن لأن هناك شكاوى عديدة صدرت عن الجولة الأولى فى الانتخابات، التجاوزات كانت واضحة للعيان، ظهرت فى صبيحة اليوم الأول من انتخابات الجولة، حين أعلنت النائبة نشوى الديب قبل افتتاح التصويت بدقائق انسحابها من العملية الانتخابية فى دائرة إمبابة وذكرت أسبابها، وتتمثل فى عدم وجود منافسة عادلة ولا مناخ يسمح بالتعدد، ولم تكن المرشحة الوحيدة التى اتخذت هذا الموقف ولنفس الأسباب تقريبًا.
قبل الانتخابات وجدنا مع إعلان القوائم استقالات عدة من بعض الأحزاب الكبرى، احتجاجا على ما اعتبروه تجاوزًا وانعدام الشفافية، تردد أن القواعد الحزبية حددت بعض الأسماء، جرى التوافق عليها لكن ساعة التقدم للترشيح، ظهرت أسماء أخرى، غير التى تم التوافق عليها، وتردده فى الأصداء أن الذين ظهروا أو أظهروا فجأة، قدموا أموالا طائلة للحزب الذى دفع بهم، فى بعض الحالات اقتربت المبالغ من مائة مليون جنيه، كل هذا كلام مرسل، قد لا يكون دقيقًا وقد يكون مبالغا فيه، لكن لم يتم نفيه من أى حزب، ولا القول صراحة.. لم يدفع أحد أموالا كى يتم ترشيحه، كان هذا التكاسل من الرد وعدم إعلان الحقيقة، خطأ كبيرا، أو أن ما قيل على لسان القواعد الحزبية لم يكن خطأ كله.
ربما كان ذلك من بين أمور كثيرة، دفعت الرئيس إلى أن يقدم ما أطلق عليه بصدق «فيتو» وقد أوقف ذلك الفيتو أشياء كثيرة وفتح ملفات عديدة، وجعل كل الأطراف تنتبه، فتراجعت الكثير من السلبيات ولكنها لم تختفِ نهائيا فى الجولة الثانية، والدليل أن محكمة فى طنطا أصدرت يوم السبت حكمًا بالسجن لمدة عام على مواطن ضُبط يوزع أموالا على بعض الناخبين فى إحدى دوائر الشرقية، وجد معه كذلك عدة بطاقات شخصية مختلفة لمواطنين آخرين، يوجههم نحو مرشح بعينه.
المشهد فى هذه الانتخابات كان مختلفا عما اعتدناه، وزارة الداخلية تطارد أولئك الذين يحاولون توزيع أموال وأولئك الذين يقفون على أبواب اللجان لممارسة الدعاية بالمخالفة للقانون، وغير ذلك، الهيئة الوطنية للانتخابات تتابع الشكاوى التى تصلها وتتخذ إجراءات فورية لردع المتجاوزين.
المشكلة جاءت من بعض المرشحين وأنصارهم فى العديد من الدوائر، وجاءت كذلك من بعض المخالفات الإدارية، لا نعرف هل وقعت بسبب نقص الكفاءة الإدارية أم لأسباب أخرى، مثل تضارب الأرقام التى صوّت أصحابها بين اللجان الفرعية واللجان العامة، أو مثل ممارسة الدعاية فى حرم بعض اللجان الانتخابية.. ومحاولة التأثير على الناخبين، هذه الجزئية كانت مثار شدّ وجذب بين أطراف الإشراف على اللجان عقب إعلان نتائج الرحلة الأولى.
ومع قرارات الهيئة الوطنية بإعادة الانتخابات فى 19 دائرة، ثم إبطال القضاء النتائج فى 29 دائرة، أى حوالى 68 فى المائة من دوائر المرحلة الأولى، قفز البعض إلى المطالبة بإبطال الانتخابات برمتها وأن نعود إلى نقطة الصفر، والحق أن إبطال الانتخابات وإعادتها بالكامل لا يتأتى إلا بحكم قضائى نهائى بات، أو أن تتخذه الهيئة الوطنية باعتبارها هيئة مستقلة، ومن ثم لا يتحقق الأمر بالأمنيات ولا برغبات البعض، لأن مثل هذه الخطوة تحتاج إلى أسانيد قانونية.
سياسيا، تبنى الديمقراطية بتراكم الخبرات والتجارب، وكذلك وقوع الأخطاء والتجاوزات على أن تتم مواجهتها بالقانون وبالقضاء إذا اقتضى الأمر ذلك، أما إصدار قرار فورى بالإلغاء التام، فهذا يعنى أنه ليست لدينا القدرة على مواجهة أخطاء التجربة والتعامل معها.
تدوينة وأحاديث الرئيس كانت نداء للإصلاح الجاد، وليس هدم المعبد على كل مَن فيه، تجربة هذا العام بالغة الأهمية إن أجدنا التعامل معها.
وكشفت النتائج العامة حتى الآن، أنه على المواقع الفردية، ليس هناك حزب حاز الأغلبية المطلقة، أو الأغلبية الكاسحة، ليس هناك حزب يمكننا القول إنه اكتسح الانتخابات على طريقة حزب الوفد قبل ثورة يوليو 52 أو الحزب الوطنى قبل يناير 2011، بغضّ النظر عما إذا كانت أغلبيته صحيحة ومعبرة أو مفتعلة وهذا يحسب لوعى الناخب والشارع المصرى، فضلا عن أنه يعنى أن حزبًا بعينه ليس موضع إجماع أو شبه إجماع.. ومن ثم ليت الأحزاب، أو بعضها يتحلى فى خطابها العام بقدر من التواضع، يتناسب مع النتائج المعلنة.
وكشفت العملية الانتخابية وما صاحبها عن ضعف وهشاشة التواجد الحزبى، خارج العاصمة، فى محافظات الوجه القبلى أو البحرى، وهذا ما أتاح لعدد من المستقلين الفوز غير الصعب فى بعض المحافظات.
ومن حق الأحزاب أن تعتمد على بعض الأسماء الكبيرة، والتى استمدت خبرتها، وحققت شهرتها وتواجدها من خلال عمل كل منهم السابق، أقصد محافظا أو وزيرا سابقا، مسئولا كبيرا وهكذا، لكن نجاح هؤلاء يُنسب إلى شخصية وتاريخ كل منهم إلى جوار ذلك ينبغى بناء كوادر حزبية، من المحتكّين بعموم المواطنين فى دوائرهم، ويبدو أن هذا لم يتحقق، بالنسبة لعديد من الأحزاب على الأقل لم يثبت خلال هذه المعركة الانتخابية.
وفى هذا الصدد لا بد من التوقف عند دور بعض الأحزاب، فى الساحة العامة، من الجيد أن تكون هناك أحزاب داعمة لتوجهات الدولة اقتصاديا وسياسيا وثقافيا، يجب أن يذكر الأحزاب التى تتبناه، لكن علينا أن نفرق بين أمرين، الأول: حزب يكون داعما بحق للدولة، يضيف إليها، بالتواجد الفاعل والمؤثر بين المواطنين، (الثانى) أن يصبح الحزب، باسم دعم الدولة، عبئًا على الدولة ذاتها، يأخذ منها ويسحب من رصيدها فى الشارع ولا يضيف إليها، ذلك كان خطأ الحزب الوطنى قبل سنة 2011، أخذ من الدولة الكثير وما أضاف إليها فى النهاية اعتبرت سلبيات الحزب وأخطاؤه أخطاء سلبيات الدولة وحوسب النظام السياسى عليها لدى الرأى العام وفى الشارع.
هذا الخط الفاصل بين دعم الدولة ومساندتها أو أن تصبح عبئًا على الدولة يجب أن يكون راسخًا للجميع، خاصة داخل تلك الأحزاب.
ما نعرفه على وجه اليقين، أن الدولة فى مستوياتها العليا تدرك جيدًا هذا الفارق، وتستوعب التجارب السابقة، ولعل تدخل الرئيس بالفيتو الشهير كان رسالة بهذا المعنى لجميع الأطراف، وإن بدت موجّهة فى المقام الأول إلى المواطنين وإلى الهيئة الوطنية للانتخابات.
من محاسن هذه المرحلة أنه لا يوجد حزب واحد يدعم الدولة، كما كان الحال قبل سنة 2011، ومن ثم فإن استنساخ تجربة الحزب الوطنى الديمقراطى ليس واردًا، والكل لا يريد تكرارها، لكن يجب أن يشعر المواطن بتمايز ما بين هذه الأحزاب، ليس فى قادتها فقط، لكن فى البرامج وفى التحرك بين المواطنين، حتى لا تبدو هذه الأحزاب وكأنها نسخ مكررة.
وأثبتت الانتخابات أن هناك محافظات بها مشكلات أكثر فى العملية الانتخابية وهى قنا وسوهاج والبحيرة، تليها الجيزة والفيوم، وهذا يعنى أن هذه المحافظات بحاجة إلى تكثيف ونشاط للأحزاب بها، حتى لا تترك للنزاعات الفردية أو العائلية فقط، ينبغى التدخل لعقلنة وترشيد تلك النوازع.
فى مجال الدعاية الانتخابية، كشفت تلك الانتخابات حتى الآن بعض الأمور، منها أن المرشحين الذين اعتمدوا على السوشيال ميديا، ولقطات تهز الجمهور الافتراضى؛ لم يحققوا نجاحات فى صناديق الانتخابات، بمعنى أن تواجدهم كان فى الفضاء الاقتراضى وكل مَن فيه، لكن لم يكن هناك وجود لهم فى الشارع وبين الناخبين.
فى المقابل برع عدد من المرشحين فى أساليب وحركة الدعاية، فى إحدى دوائر محافظة سوهاج وجدنا أحد المرشحين يجوب قرية فى سيارته التسلا، وخرج أهالى القرية لمتابعة المشهد، وتبين أن المسألة كانت متعلقة بالسيارة وليست بالمرشح ذاته، وفى المنوفية، وجدنا أحد المرشحين، يؤجر عدة اللودر، تجوب الشوارع بأنصاره وهم مرفوعين فى طبلية اللودار، فى منظر بدا مبهجًا للجمهور رغم خطورته، لكن كما يبدو لم يحقق تصويتا يقود إلى المنافسة، وفى الدقهلية وجدنا مرشحا يعتلى سيارة نقل، فوق الكابينة، يتراقص بالعصا ويحيى الجمهور.. مظاهر مبهجة فى لحظتها، وكأننا فى عرس شعبى أو بلدى.
فى النهاية تجربة غنية وثرية وإن لم تكتمل بقية فصولها بعد وبكل ما فيها تجاوزات وأخطاء واعتراضات أمام القضاء فإنها تضاف إلى مسيرة انتخابية طويلة فى تاريخ الحياة السياسية المصرية.
الأمر المؤكد أن «الفيتو الرئاسى»، الذى اتخذه الرئيس عبدالفتاح السيسى، صوب مسار العملية الانتخابية برمتها، ولم ينتظر أن تتعقد الأمور ويتدخل أخيرًا، لكن تدخل مبكر أو لنقُل فى الوقت المناسب، لكن هذا الفيتو، لا يجب أن يرتبط بإجراء الانتخابات فقط، نتمنى أن يكون فاتحة بعد الانتخابات لأمور عدة، أهمها.. هل الجمع فى الانتخابات بين الفردى والقائمة، ومزاوجة طبقا للمادة (102) من الدستور، هو الأنسب لنا؟ وهل القائمة المطلقة هى الأفضل والأكثر تعبيرا عن واقعنا أم نعود إلى القائمة النسبية؟.. هل الأفضل الاكتفاء بالمواقع الفردية؟ شئون كثيرة تستحق أن تدرس على مهل وتناقش بأريحية من الجميع، طالما أن الهدف النهائى هو بناء الدولة المدنية الحديثة، نظامها ديمقراطى تعددى، كما أكد الدستور فى العديد من مواده الأساسية.