«الدبلوماسية الرئاسية».. واحدة من المصطلحات التى غابت عن الإدارة المصرية لسنوات عدة، غير أن الرئيس عبدالفتاح السيسى، استطاع خلال الفترة الماضية إعادة المصطلح إلى الخدمة مجددًا، هذا إلى جانب نجاحه فى عودة «القاهرة» إلى خريطة «الدبلوماسية العالمية»، لتصبح عاصمة من عواصم قلائل تختارها الأطراف الدولية لـ«التفاوض» ومن ثم «الاتفاق»، ولعل الفترة الماضية تكشف هذا الأمر وتؤكده، بدءًا من تعاطى القيادة السياسية المصرية مع الأزمة الطاحنة التى شهدها قطاع غزة، ومرورًا بالصراع «السودانى _ السودانى» الذى أشعل نار الحرب فى ثوب الخرطوم، وصولًا إلى الجارة الغربية، ليبيا، التى تحاول منذ سنوات استعادة توازنها بدعم ومساندة مصرية.
قطعًا.. لم تتوقف عملية استعادة «الدبلوماسية الرئاسية» عند حد ما تشهده القاهرة، بل كانت هناك خطوات أخرى اتخذتها القيادة السياسية، والتى تجلّت فى العديد من الزيارات الخارجية التى أجراها الرئيس عبدالفتاح السيسى خلال السنوات الماضية، سواء على المستوى العربى أو الإفريقى أو الأوروبى، وجميعها زيارات جاءت لتشهد عودة العملاق الدبلوماسى المصرى مرة ثانية، واستعادة القاهرة لدورها التاريخى على الخريطة العالمية.
نجحت مصر - إلى حد كبير- فى إنهاء ملف «العدوان على غزة»، وهو ملف أدارته القاهرة باحترافية شهد بها العدو قبل الصديق، لاسيما وأنها تحمّلت سخافات وتجاوزات عدة، وإن لم تتغاضَ عنها، لكن نظرًا لإدراكها طبيعة الطرف الثانى الذى يجلس على طاولة المفاوضات، والعادة الإسرائيلية فى المماطلة والتشويه وتبديل الحقائق، فإن مصر التزمت بما يمكن وصفه بـ«أقصى درجات ضبط رد الفعل» لتتمكن من تحقيق هدفها الأقرب «إحلال السلام فى غزة» والذى تخطط مصر لأن يصل بها إلى هدفها الأكبر والمتمثل فى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
ليبيا.. ملف لا يقل أهمية عن ملف القضية الفلسطينية، والمتابعة الدقيقة لمجريات الأحداث على الحدود الغربية وتعاطى القيادة السياسية المصرية معها يدرك هذه الأهمية، ليس هذا فحسب، بل إن الجهود المصرية الدافعة لاستقرار ليبيا لم تتوقف عند حد اللقاءات الثنائية التى تشهدها القاهرة كل فترة، بل إنها الملف الليبى الذى سيكون حاضرًا فى المشهد فى غالبية المناسبات، لعل آخرها القمة «المصرية _ الأوروبية» التى انعقدت فى نهاية أكتوبر الماضي، والتى جاء فى بيانها المشترك أنه «ندعم جهود الأمم المتحدة فى ليبيا، وخارطة طريق بعثة الأمم المتحدة للدعم فى ليبيا لضمان السلام والاستقرار والسيادة والوحدة فى البلاد. ينبغى أن تؤدى عملية سياسية بقيادة ليبية وإرادة ليبية إلى إعادة توحيد جميع المؤسسات، وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال إطار زمنى محدد. كما نؤكد على ضرورة إعادة توحيد جميع القوات المسلحة وقوات الأمن الليبية، وانسحاب جميع القوات الأجنبية والمرتزقة والمقاتلين الأجانب من ليبيا".
كذلك، كانت الأزمة الليبية حاضرةً فى كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسى، التى ألقاها خلال المؤتمر الصحفى المشترك الذى جمعه مع رئيس المجلس الأوروبى ورئيسة المفوضية الأوروبية، حيث قال الرئيس السيسي: عاودت التأكيد على الموقف المصرى، الذى يستهدف تحقيق الاستقرار المستدام فى ليبيا، باعتباره يمثل ركيزة أساسية، لأمن منطقة المتوسط بأسرها، ومن هذا المنطلق؛ أكدت دعم مصر الكامل، لجهود تحقيق تسوية سياسية شاملة، بقيادة ومشاركة ليبية خالصة؛ تنهى الانقسام، وتعيد توحيد مؤسسات الدولة، وتهيئ الأجواء لإجراء انتخابات حرة، تعبر عن إرادة الشعب الليبى، كما أعادت التأكيد، على ضرورة خروج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة من أراضى ليبيا، حفاظًا على سيادتها ووحدة ترابها.
ما قاله الرئيس السيسى فى كلمته السابقة كان حاضرًا أيضًا فى اللقاء الأخير الذى جمعه - منتصف الأسبوع الجارى - مع المشير خليفة حفتر، القائد العام للجيش الوطنى الليبى، لأن دعم مصر الكامل لسيادة واستقرار ليبيا ووحدة وسلامة أراضيها، مبدأ مصرى ثابت لا يتغير.
