رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

جودة الحياة والشتاء فـي عُمان .. دعامة اقتصادية ووجهة عالمية


8-12-2025 | 14:11

.

طباعة
بقلم/ أحمد تركي ... خبير الشؤون العربية

تتحرك خريطة التَّنافس بَيْنَ الدول في اتِّجاه جديد يضع الإنسان في مركز المعادلة، إذ لم تَعُدِ المقاييس التَّقليديَّة كحجم النَّاتج القومي أو عدد المشاريع الكبرى كافية لتحديد موقع الدول في المشهد العالمي، وأصبحت معايير جديدة على رأسها جودة الحياة من أهمِّ المؤشِّرات، والأكثر تأثيرًا في قراءة قوَّة المُجتمعات وقدرتها على بناء استقرار طويل الأمد، حيثُ يكشف هذا التَّحول عن وعي متنامٍ لدى الشَّعوب والحكومات بأنَّ رفاه الفرد يُمثِّل جوهر التَّنمية الحديثة، وأنَّ قوَّة الدَّولة باتتْ تقاس بقدرتها على خلق بيئة يشعر فيها المواطن والمُقِيم بالأمان والطمأنينة، وتوازن تكاليف الحياة وجودة الخدمات.

ويأتي تصدر سلطنة عُمان المرتبة الثانية آسيوياً في مؤشر جودة الهواء، بحسب تصنيف منصة (نوميبو) الدولية لعام 2025، تتويجًا للجهود الوطنية المتكاملة والمستمرة لتحسين جودة الهواء وحماية البيئة، ويعكس نجاح السياسات البيئية والتشريعات المنظمة للأنشطة الصناعية، إلى جانب التوسع في استخدام التقنيات الحديثة للرقابة البيئية وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الحفاظ على الهواء النظيف، وذلك تماشيًا مع رؤية عُمان 2040، التي جعلت من الاستدامة البيئية ركيزة أساسية للتنمية الشاملة.

تستند استراتيجية سلطنة عُمان لتحقيق هذه النتائج إلى دعامتين أساسيتين: أولاً تعزيز الأطر التشريعية والرقابية حيث تعتمد سلطنة عُمان على منظومة قوية من القوانين لتنظيم الأنشطة الصناعية وحماية الموارد. كما تم مؤخرًا إطلاق برنامج الرقابة البيئية الإلكتروني، الذي يمثل نقلة رقمية نوعية، حيث يمكن المفتشين من إدخال البيانات البيئية من الميدان إلكترونيًا وربطها تلقائيًا بقواعد بيانات الهيئة، مما يزيد من الدقة والشفافية والكفاءة.

وثانياً تبني تقنيات رصد ومراقبة مبتكرة وقد دشنت هيئة البيئة منصة "نقي"، التي توفر بيانات دقيقة ومباشرة للجمهور حول مستويات جودة الهواء في مختلف المحافظات. كما تستخدم سلطنة عُمان تقنيات حديثة مثل الطائرات المسيرة (بدون طيار) مجهزة بأجهزة استشعار لمراقبة الانبعاثات ومراقبة البيئة البحرية والبرية، ومكافحة التصحر. فضلاً عن أن الهيئة تعمل على تطوير مشاريع رائدة باستخدام تقنية سلسلة الكتل (Blockchain) لتتبع ومراقبة المواد المشعة منذ دخولها البلاد وحتى إعادة تصديرها، لضمان أعلى معايير السلامة.

لا تقتصر جهود سلطنة عُمان على تحسين جودة الهواء فحسب، بل تمتد إلى محاور بيئية متعددة ضمن سياسة متكاملة تشمل: تعزيز الطاقة النظيفة عبر تشجيع التحول نحو الطاقة المتجددة والمستدامة لدعم خفض البصمة الكربونية، والتوسع في التشجير من خلال تنفيذ مشاريع إعادة التشجير للمساهمة في تحسين المناخ والمحافظة على التربة، وحماية التنوع البيولوجي عبر استخدام تقنيات مثل الواقع الافتراضي لتجسيد المحميات الطبيعية والتعريف بها، إلى جانب المراقبة المستمرة للحياة البرية، والإدارة المستدامة للنفايات والعمل على تطوير أنظمة متقدمة لإدارة المخلفات بما يضمن بيئة صحية ونظيفة.

إنَّ التَّصنيف المتقدم الَّذي حقَّقته سلطنة عُمان في جودة الحياة يحمل أثرًا اقتصاديًّا، يتجاوز حدود الصورة الاجتماعيَّة؛ لأنَّ الأسواق العالميَّة باتتْ تنظر إلى رفاه الإنسان باعتباره مؤشِّرًا مباشرًا على جاهزيَّة الدَّولة لاستقبال الاستثمارات طويلة الأمد.

ومن هذا المنطلَق يضع التَّصنيفُ السَّلطنةَ في موقع يمنحها أفضليَّةً واضحة أمام الشَّركات الَّتي تعتمد في نُموِّها على استقرار فِرق العمل وتوافر بيئة معيشيَّة مريحة تدعم الإنتاجيَّة وتقلِّل تكاليف التَّشغيل، وتستفيد القِطاعات الصَّاعدة مثل التَّكنولوجيا والاقتصاد الأخضر والخدمات اللوجستيَّة من هذا المناخ الَّذي يتيح للشَّركات التَّوسع بثقة أعلى، إذ يجد المستثمِر في السَّلطنة مزيجًا من الأمان وتوازن تكاليف الحياة والبنية الأساسيَّة المتماسكة، وهو مزيج يصعب تكراره، لِيتحولَ هذا الواقع إلى رافعة حقيقيَّة تدعم تنفيذ مستهدفات رؤية «عُمان 2040»؛ لأنَّ الدول الَّتي تتمتع بجودة حياة مرتفعة تمتلك قدرة أعلى على تحويل الاستقرار الاجتماعي إلى قِيمة اقتصاديَّة تضيف زخمًا جديدًا للنُّمو وتُعِيد رسم موقعها في الخريطة الإقليميَّة.

وفي ذات السياق الداعم لجودة الحياة والاستمتاع بالعيش في عُمان، تتقدم السياحة في سلطنة عُمان كمجال تنموي واسع يملك القدرة على إعادة توزيع النشاط الاقتصادي على المحافظات، ويمنح كُلَّ منطقة فرصة لصياغة مشروعها الخاص داخل منظومة تنويع تبحث عن أذرع جديدة للنُّمو، وتبرز قيمة القِطاع السياحي عندما يتحول إلى قوَّة تُعِيد تشكيل الأسواق المحليَّة من خلال زيادة الحركة التجاريَّة، ورفع الطلب على الضيافة، وتطوير الخدمات المرتبطة بالنقل والمغامرات والبرامج المُجتمعيَّة.

كما يكتسب المشهد السياحي معنى أكبر حين ننظر إليه كمدخل لتوسيع قاعدة التنمية بعيدًا عن المركزيَّة التقليديَّة؛ لأنَّ المنتجات السياحيَّة في سلطنة عُمان تمتدُّ من الجبال إلى السواحل والصحاري والقُرى التاريخيَّة، ما يخلق هُوِيَّة اقتصاديَّة لكُلِّ محافظة بحسب مواردها وتجاربها الخاصَّة، خصوصًا وأنَّ تلك الصناعة الحيويَّة ترتبط بمجموعة من الصناعات والخدمات الَّتي تعطي زخمًا كبيرًا.

ويُشكِّل التنوع في الفصول السياحيَّة العُمانية المختلفة، الَّتي تبني عليها الدَّولة مواسم متجدِّدة، دفعة تمنح الاقتصاد قدرة أعلى على امتصاص التقلُّبات، وتفتح فرصًا موازية أمام المؤسَّسات الصَّغيرة والمتوسِّطة الَّتي تُشكِّل جزءًا أصيلًا من محرِّكات التنمية في المحافظات.

ويمتدُّ هذا الحضور التنموي إلى موسم الشتاء الَّذي يُشكِّل إحدى الركائز الأكثر تأثيرًا داخل الخريطة السياحيَّة الوطنيَّة، حيثُ يتحول المناخ المعتدل إلى عنصر جذب يفتح المجال أمام تجارب طبيعيَّة وثقافيَّة تعكس التنوع الَّذي تمتاز به المحافظات، وتتقدم المبادرات الَّتي تطلقها وزارة التراث والسياحة في هذا الموسم لتؤكِّدَ أنَّ الشتاء ليس فترة نشاط عابر، وإنَّما منصَّة اقتصاديَّة تتفاعل فيها المحافظات مع الطلب المتزايد على المغامرات الجبليَّة والرحلات البحريَّة والاستكشافات التراثيَّة، ما يُعزِّز الحركة التجاريَّة ويرفع الإشغال الفندقي ويمنح الأسواق المحليَّة زخمًا إضافيًّا، كما يتَّسع هذا الأثر مع حملات الترويج الرقميَّة وحضور السَّلطنة في المعارض الدوليَّة، حيثُ تتوجَّه الجهود نَحْوَ أسواق متعدِّدة تبحث عن تجارب أصيلة تجمع بَيْنَ الطبيعة الهادئة والضيافة العُمانيَّة وروح المغامرة، فيتحول موسم الشتاء إلى موسم تتكامل فيه المُقوِّمات البيئيَّة والثقافيَّة مع رؤية سياحيَّة تعمل على دفع الاقتصاد نَحْوَ مساحة أوسع من الحيويَّة.

لعلَّ أكثر ما يمنح الموسم الشتوي في سلطنة عُمان قِيمة إضافيَّة ذلك الحراك الاقتصادي المباشر الَّذي تخلقه الفعاليَّات النوعيَّة المنتشرة في المحافظات، حيثُ تتحول المهرجانات الرياضيَّة والبرامج التراثيَّة ومسارات المغامرات إلى منصَّات تحرك الأسواق، وتُعِيد رسم دَوْرة النشاط في قِطاعات النقل والضيافة والمطاعم والتجارة، ويظهر هذا الأثر في الأرقام الَّتي تكشف صعودًا مستمرًّا في أعداد الزوَّار القادمين عَبْرَ الرحلات العارضة، والارتفاع في نِسَب المشاركة في الفعاليَّات المحليَّة الَّتي تجمع بَيْنَ التراث والرياضة والمُجتمع، ما يُعزِّز صورة السياحة العُمانية كقِطاع يضخ عوائد ملموسة ويمنح المؤسَّسات الصَّغيرة والمتوسِّطة فرصة للمشاركة في حركة الاقتصاد الموسمي. كما يتقدم هذا الدَّوْر مع استضافة السَّلطنة لفعاليَّات شتويَّة بحضور جماهيري لافت، لتتحولَ التجربة السياحيَّة من زيارة عابرة إلى نشاط اقتصادي واسع يوفِّر فرص عمل مؤقتة، ويرفع مستوى الدخل المحلِّي، ويمنح المحافظات قدرة أعلى على صياغة خصوصيَّتها السياحيَّة داخل المشهد الوطني.

إنَّ تنامي المؤشِّرات السياحيَّة خلال الموسم الشتوي في عُمان يفتح مجالًا أوسع لقراءة التحوُّل الَّذي تعيشه سلطنة عُمان في تموضعها على خريطة السياحة الدوليَّة؛ فارتفاع أعداد الزوَّار من أسواق أوروبيَّة وآسيويَّة وخليجيَّة يعكس نجاح الرسائل الترويجيَّة في الوصول إلى جمهور يبحث عن وجهة تقدِّم تنوُّعًا حقيقيًّا في التجارب. ويظهر هذا التحوُّل في توسُّع المنتجات السياحيَّة نَحْوَ مجالات أكثر تخصصًا مثل سياحة الجولف والسُّفن السياحيَّة وسياحة الأعراس، ما يمنح القِطاع قدرة أعلى على جذب شرائح مختلفة من المسافرين، ويدعم بناء هُوِيَّة سياحيَّة متجدِّدة تتَّسع لكُلِّ المواسم. وعندما تتحول المحافظات إلى مراكز تجارب متعدِّدة تستقبل الزوَّار عَبْرَ برامج رقميَّة، وشراكات دوليَّة، ومحتوى ترويجي يبرز خصوصيَّة المكان وروح الضيافة العُمانيَّة، تتبلور رؤية سياحيَّة جديدة تعمل على تعزيز الجاذبيَّة الاقتصاديَّة، وترسيخ موقع السَّلطنة كوجهة شتويَّة عالميَّة تتكامل فيها الطبيعة الهادئة مع التجارب الثقافيَّة والمغامرات، وتمنح الاقتصاد مسارًا أوسع للنُّمو المستدام.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة