رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

دانيال دريسكول.. من «رجل المسيّرات» إلى «صانع السلام»


4-12-2025 | 15:10

.

طباعة
تقرير: سلمى أمجد

عندما نطالع قائمة أسماء وزراء الجيش الأمريكيين على مدى العقود الماضية نادرًا ما نجد أسماء معروفة على مستوى العالم. ولا عجب فى ذلك فمهام الوزير تتضمن فى المقام الأول المعدات، والميزانية، وغيرها من الأمور المتعلقة بالجيش الأمريكي. لكن هذا الوضع قد يتغير مع الوزير الحالى دانيال دريسكول، الذى برز اسمه فى الآونة الأخيرة بصفته شخصية محورية فى السياسة الخارجية الأمريكية.

اكتسب «دريسكول» اهتمامًا دوليًا لأول مرة فى 20 نوفمبر الماضى عندما قام بزيارة غير مُعلنة إلى العاصمة الأوكرانية كييف. فى البداية، كان من المفترض أن تكون الزيارة لمناقشة قضايا دفاعية مثل الطائرات المُسيّرة. ولكن بعد ذلك، تلقى الوزير أوامر بتسليم «خطة سلام» من البيت الأبيض من 28 بندًا لإنهاء الصراع إلى الرئيس الأوكرانى فولوديمير زيلينسكي، ليصبح بذلك أعلى مسئول فى إدارة ترامب يقوم بهذه الزيارة. وهو حدث غير معتاد فى الدبلوماسية الأمريكية أن يشارك وزير الجيش ليس فقط فى مفاوضات السلام بل يتصدرها كذلك.

وقد تسربت المقترحات، التى تهدف إلى الضغط على أوكرانيا لتقديم تنازلاتٍ رفضها الرئيس الأوكرانى وحلفاؤه، إلى الرأى العام. وانتقد القادة الأوروبيون هذه الخطة على نطاق واسع، بعد أن تضمنت البنود التنازل عن المزيد من الأراضى لروسيا، والحد من حجم الجيش الأوكراني، واستبعاد عضويتها فى حلف شمال الأطلسى (الناتو).

لكن «دريسكول» واصل مهمته، حيث دبر مكالمة هاتفية بين نائب الرئيس جيه دى فانس، وهو صديق مقرب له، والرئيس زيلينسكي. وتوجه إلى جنيف لإجراء محادثات بمشاركة مسئولين كبار - وزير الخارجية ماركو روبيو ومبعوث ترامب، ستيف ويتكوف - ووفد أوكراني، أسفرت عن تقليص الخطة الأصلية المكونة من 28 بند إلى 19 بند، بعد إزالة بعض البنود التى اعتبرتها كييف غير مقبولة. وبعد يومين من ذلك، كان وزير الجيش يلتقى بوفد روسي، وآخر أوكرانى برئاسة مدير الاستخبارات العسكرية الأوكرانية كيريل بودانوف فى العاصمة الإماراتية أبو ظبى.

وكان من المفترض أن تكون إجراء محادثات وقف إطلاق النار من مهام الجنرال المتقاعد كيث كيلوج، الذى عينه ترامب مبعوثًا خاصًا للولايات المتحدة إلى أوكرانيا بعد انتخابه لولاية ثانية. إلا أنه فشل فى لعب دور حاسم فى إنهاء الحرب، ومن المقرر أن يترك منصبه فى يناير المقبل.

دريسكول، البالغ من العمر 39 عامًا، من مواليد ولاية كارولينا الشمالية، خدم فى العراق عام 2009 قبل أن يلتحق بجامعة ييل، ثم عمل فى مجال المالية. وبعد تعيينه وزيرًا للجيش الأمريكى، ركز على المساهمة فى تطوير الجيش من خلال السعى للتخلص من بعض الأسلحة التقليدية فى الجيش، وإضافة أسلحة جديدة أرخص وأسهل شراءً، وهى خطوات تهدف إلى جعل الجيش أكثر أهمية و«فتكًا»، كما صرح علنًا. يلقب بـ«رجل المسيّرات»؛ لاهتمامه بتكنولوجيا الطائرات المسيرة التى استخدمت بشكل لافت فى الحرب الروسية- الأوكرانية. ورغم صغر سنه وافتقاره للخبرة الدبلوماسية، إلا أن ترامب يعول عليه فى إنهاء أعنف صراع فى أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، فهل ينجح فى ذلك؟

 

تعليقًا على ما سبق، أوضح الدكتور أديب السيد، الخبير فى الشئون الروسية والعلاقات الدولية، أن تعيين دانيال دريسكول مبعوثًا أمريكيًا خاصًا لأوكرانيا يأتى بدلًا لكيث كيلودج الذى لم يكن يتمتع بقبول لدى الجانب الروسي؛ لانحيازه لأوكرانيا فى الصراع. فضلًا عن أن تقييماته ونصائحه للأوكران لم تكن موضوعية وحيادية. لهذا السبب وقع اختيار الرئيس ترامب على دريسكول بهدف العمل على تحفيز الجانب الأوكرانى للقبول بالخطة الأمريكية للتسوية مع روسيا. إضافةً إلى أن دريسكول مقتنع تمامًا بصحة الخطوات التى حددها ترامب للتسوية مثله فى ذلك مثل المبعوث الأمريكى الخاص لروسيا، ستيف ويتكوف، الذى لا يزال يحظى بثقة ترامب بالرغم من الحملات الإعلامية الأوروبية والأمريكية التى حاولت تشويه سمعته على ضوء كشف النقاب عن الحديث الهاتفى الذى أجراه مع مساعد الرئيس الروسى يورى اوشاكوف.

وعن خطة ترامب لإنهاء الحرب، أكد «أديب» أن الخطة الأمريكية تتمازج كثيرًا مع الرؤية الروسية لمبادئ التسوية مع كييف. ومع ذلك يجب النظر إلى هذه الخطة على أنها أفكار عامة للتسوية، وليس نصًا يجب القبول به أو رفضه. ومن الطبيعى أن تجرى مباحثات تفصيلية روسية أمريكية من جهة، وأمريكية أوكرانية من جهة أخرى من أجل وضع تفاصيل لكل بند فى هذه الخطة. فروسيا مثلًا توافق تمامًا على تضمين الخطة بندًا يتحدث حول التزام موسكو بعدم مهاجمة أوروبا؛ وذلك لأنها لا تخطط لمهاجمة أوروبا بل العكس تمامًا تريد أن تعود الأمور إلى مجاريها السياسية والاستثمارية. إضافة إلى مسألة رفع العقوبات المفروضة عليها.

كما أشار «أديب» إلى أن الخطة الأمريكية سوف تتأثر سلبًا أو إيجابًا بالتطورات الجارية على جبهات القتال. موضحًا أنه كلما طال أمد الحرب، حققت القوات الروسية مزيدًا من التقدم خاصةً بعد فرض السيطرة على مدينة «بكروفسك» وغيرها من المدن، وإحكام الحصار حول قوات أوكرانية يزيد عددها على أربعة آلاف عسكري. وهذا من شأنه أن يدفع القيادة الروسية للتشدد فى مطالبها ورفض أى مطالب بوقف إطلاق النار أو إعلان هدنة.

ومن ناحية أخرى، فإن الأزمات فى كييف التى نجمت عن فضيحة الفساد التى تورط فيها كبار المسئولين، وكذلك استقالة مدير مكتب الرئيس الأوكرانى أندريه يرماك يعنى أن النظام الحاكم فى كييف يعانى من مأزق قيادة، وأن حظوظ الرئيس زيلينسكى للبقاء على رأس السلطة تتقلص باستمرار. وبالتالي ستجد أوكرانيا نفسها أمام واقع جديد يفرض عليها إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية فى زمن الحرب.

ويرى «أديب» أنه بالرغم من التصريحات المتفائلة حول إمكانية نجاح الخطة الأمريكية إلا أن الطريق لا يزال طويلًا أمام إمكانية تحقيق هذا الهدف. ويعزى ذلك إلى أن روسيا لن تتنازل عن مطالب جوهرية لتسوية النزاع أولها وأهمها عدم التنازل عن الأراضى التى بسطت سيطرتها عليها واعتراف المجتمع الدولى بالسيادة الروسية عليها، ورفض انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، ووجود أى قوات أجنبية على الأراضى الأوكرانية بعد انتهاء النزاع أو تزويد أوكرانيا بأسلحة فتاكة تطول العمق الروسى.

وروسيا تصر على وضع قيود على تعداد القوات الأوكرانية فى زمن السلم بحيث لا تتجاوز أى حد يشكل تهديدًا لها. ويدور الحديث حول 600 ألف عسكرى، علمًا بأن عدد القوات الأوكرانية قبل الحرب لم يتجاوز 250 ألف عسكري. وبالطبع تعارض روسيا بشدة الاستحواذ على الأصول المالية الروسية فى البنوك الغربية وترفض استخدامها لتمويل إعادة الإعمار فى أوكرانيا.

فى المقابل، تواجه هذه المطالب رفضًا ليس فقط من جانب أوكرانيا بل كذلك من قبل الاتحاد الأوروبي، وخاصةً ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، التى لا تزال تصر على ضرورة مواصلة تقديم الدعم المالى والعسكرى لأوكرانيا حتى تتمكن من تغيير المعادلة على جبهات القتال، ووقف التقدم الروسي.

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة