يحتفى العالم خلال شهر نوفمبر بالأسبوع العالمى لريادة الأعمال، فيما تبرز مصر كإحدى أكثر الدول الإفريقية اهتمامًا بهذا النموذج الاقتصادى الواعد، الذى تسعى من خلاله إلى بناء اقتصاد أكثر تنوّعًا وإنتاجية، قائم على القيمة المضافة وتوطين التكنولوجيا والصناعة، حيث تمضى بخطوات عملية للتحول إلى مركز إقليمى لريادة الأعمال فى الشرق الأوسط وإفريقيا.
تضع الحكومة ريادة الأعمال كأولوية لدفع النمو الاقتصادى والاجتماعى عبر تكامل جهود المجموعة الوزارية لريادة الأعمال واللجنة الاستشارية لريادة الأعمال والاقتصاد الرقمى التابعة لمجلس الوزراء لمواجهة التحديات التى تواجه رواد الأعمال.
من جانبه أكد باسل رحمى الرئيس التنفيذى لجهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، على اهتمام الجهاز بالتوسع فى تقديم خدماته للمرأة ودعمها لإقامة مشروعات متوسطة وصغيرة ورفع مساهمتها الاقتصادية فى مختلف المجالات الإنتاجية والتجارية والخدمية وزيادة نسبة مشاركتها فى سوق العمل وتعزيز دورها القيادى والمهنى.
وقال «رحمى»: إن الجهاز فى سبيل دعم وتمكين المرأة نجح على مدار 11 عاما فى ضخ 18 مليار جنيه لتمويل المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر التى تقودها المرأة بجميع المحافظات، حيث أسهمت تلك التمويلات فى إتاحة 1.2 مليون فرصة عمل على الأقل، وأكد على حرص الجهاز أيضا على التنسيق مع جميع المبادرات العاملة فى مصر التى تساند المرأة وتساعدها على إقامة الأعمال الخاصة فى مختلف المجالات وتشجعها فى مجالات العمل الحر وريادة الأعمال.
وأضاف «رحمى»، أن الجهاز يعمل كذلك على تنفيذ رؤية طموحة لتمكين المرأة ومساعدتها على التحول الرقمى وتشجيعها على الإقدام على ريادة الأعمال الخضراء من خلال تعاونه مع وزارات الدولة المعنية، وكبرى مؤسسات القطاع الخاص، مشيراً إلى أن هذه الرؤية تتفق مع أجندة التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030، بجانب اهتمامه بتمويل المشروعات التراثية واليدوية والمشروعات الابتكارية ويسعى لتطبيق سياسات الشمول المالى والتحول الرقمى والتكنولوجى وحرصه على مساعدة رائدات الأعمال على تطوير مشروعاتهن وتحويلها من مشروعات متناهية الصغر إلى صغيرة ومتوسطة.
وفى هذا الإطار قالت الدكتورة يمن الحماقى أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس، إن الشركات الناشئة تمثل صمام أمان لأى اقتصاد، لكننا فى مصر نواجه تحديات كبيرة فى هذا الملف، حيث إن النظام التعليمى مازال غير قادر على تخريج رواد أعمال حقيقيين أو دعم ثقافة الابتكار، فالمفترض أن يهيئ التعليم الطلاب لابتكار أفكار لمشروعات جديدة وتطويرها والمضى قدماً فى تنفيذها، لكن هذا الدور لا يزال غائباً بشكل واضح.
وأكدت «الحماقى»، أن المنظومة المؤسسية الداعمة لريادة الأعمال تفتقر إلى الكفاءة المطلوبة، فعلى الرغم من كثرة الجهات والوزارات التى تعمل تحت شعار دعم ريادة الأعمال، فإن مستوى الخدمات المقدمة للشباب الراغبين فى دخول هذا المجال لا يؤهلهم بأى شكل للبدء فى مشروعاتهم، وهذا يخلق فجوة كبيرة ويكشف عن عجز واضح فى البنية المؤسسية لريادة الأعمال فى مصر.
وأضافت أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس أن نسبة كبيرة من الشركات الصغيرة التى بدأت فى السوق تعمل داخل القطاع غير الرسمي، وربما يتجاوز عددها نصف الإجمالى، وما زالت الحوافز المتاحة غير كافية لجذب هذه الشركات للاندماج فى القطاع الرسمى، رغم ما أعلنته الحكومة من إجراءات تشجيعية وتعديلات فى قوانين الضرائب، حيث إن تحويل القطاع غير الرسمى إلى قطاع رسمى، وفقاً لما تشير إليه الدراسات الميدانية، يتطلب خطوات أكبر بكثير مما يتم اتخاذه حالياً لتحقيق نتائج حقيقية فى دمج هذا القطاع داخل الاقتصاد الرسمى.
وأشارت إلى أن مشاركة الشباب فى المشروعات الصغيرة ما زالت محدودة، بينما تظل مشاركة المرأة فى هذا القطاع منخفضة للغاية، وهذا يعنى أننا لا نستثمر نصف طاقاتنا البشرية بالشكل الاقتصادى الأمثل، حيث إن المرأة تملك مرونة أكبر فى إدارة وقتها داخل المشروعات الصغيرة مقارنة بالعمل لدى الغير، فإن فرصها فى هذا النوع من الأنشطة تكون أفضل، لذلك يجب تقديم تسهيلات أكبر وتشجيع أوسع لتمكين المرأة من دخول هذا المجال وجذبها إليه.
وأشارت «الحماقي»، إلى أن المجال الذى شهد تطورا ملحوظا مؤخراً هو قطاع تكنولوجيا المعلومات، لأنه لا يحتاج إلى رءوس أموال كبيرة ويعتمد بالأساس على مهارات الشباب، وقالت إن لدينا بالفعل شبابا يمتلكون وعيا وقدرات عالية فى هذا القطاع، وبدءوا يحققون نتائج كبيرة ويتحركون على مستوى دولى، وهذا يؤكد ضرورة دمج هؤلاء الشباب بشكل أكبر داخل منظومة ريادة الأعمال والاستثمار فى قدراتهم، مضيفة: «بدأنا فى الجامعة إنشاء وحدات مخصصة لتشجيع الشباب ومساعدتهم على تنمية أفكارهم الريادية، كما أدرجنا مقررات لريادة الأعمال داخل المناهج الدراسية، لكن لتحقيق نتائج ملموسة نحتاج إلى دعم أكبر من بقية مؤسسات الدولة، حتى تتكامل الجهود وتظهر ثمار هذه المبادرات على أرض الواقع».
وأشارت إلى أنه فى مصر لدينا قطاعات عديدة يمكن أن تجذب الشركات الناشئة، فلدينا خرائط استثمارية لكل محافظة، بالإضافة إلى سلاسل إمداد متكاملة يمكن البناء عليها لتطوير مشروعات جديدة وتعزيز فرص النمو.
من جانبه قال أحمد حلمى، عضو جمعية المستثمرين والصناعات المتوسطة، إن الشركات الناشئة أصبحت عنصرا أساسيا فى جذب الاستثمارات الجديدة وتنشيط الاقتصاد، لكننا نرى أن البيئة الحالية ما زالت بحاجة إلى إصلاحات أعمق، فالمستثمرون يحتاجون إلى رؤية واضحة للاستراتيجية الحكومية، وتسهيل أكبر فى الإجراءات، وحوافز حقيقية تشجع على ضخ التمويل فى مراحل التأسيس المبكر.
وأضاف «حلمى»، نرى ضرورة ربط الشركات الناشئة بالقطاع الصناعى والخدمى حتى يتم دمج أفكار الابتكار فى سلاسل الإنتاج الحالية، فمصر تمتلك مزايا كبيرة فى القطاعات الصناعية والزراعية واللوجستية، ويمكن للشركات الناشئة أن تضيف قيمة كبيرة إذا تم ربطها بهذه القطاعات عبر شراكات منظمة.
ولفت «حلمى»، إلى أن الاستثمار فى رواد الأعمال هو استثمار فى مستقبل الاقتصاد، لكن لا بد من وجود منظومة مؤسسية أكثر كفاءة، وحوافز ضريبية واضحة، وتمويل ميسر، حتى تستطيع الشركات الوليدة أن تستمر وتنافس محليا وإقليميا.
وأضاف «حلمى»، نحن ننظر إلى مستقبل الشركات الناشئة فى مصر بتفاؤل كبير، فالسوق المحلية تملك مقومات استثنائية للنمو، سواء من حيث عدد الشباب، أو الفرص الاستثمارية المتاحة فى مختلف القطاعات، ومع التطوير الجارى فى البنية التحتية الرقمية، وتحسين البيئة التشريعية، أصبحت مصر بيئة أكثر جذباً للشركات الناشئة والمستثمرين على حد سواء، ونشهد بالفعل دخول شركات مبتكرة تحقق نجاحات لافتة على المستوى الإقليمى، وهذا يؤكد أن مصر قادرة على أن تصبح مركزا رياديا فى إفريقيا والشرق الأوسط خلال سنوات قليلة، وتشجعنا رؤية الدولة الداعمة لاقتصاد الابتكار، وارتفاع حجم المبادرات الموجهة للشباب، خاصة فى مجالات التكنولوجيا والصناعة والخدمات.