أنا أيضا لم أغرد خارج السرب، فقد زاد اهتمامى بحضارتنا القديمة، وفتح موضوع المتحف الكبير شهيتى للاستزادة المعرفية عنها، ولكن على طريقتى الخاصة بعيدا عما يمكن أن تتداوله مواقع الإنترنت من معلومات لا تحظى بالضرورة بثقتى أو اطمئنانى لها، ولذلك فإننى أفضل عادة اللجوء إلى الكتب أو إلى صحافتنا القديمة، وفى هذا السياق وقعت عيناى على خبر نشرته مجلة «الاتنين والدنيا» التى كانت تصدرها «دار الهلال» فى عددها رقم 342 الصادر عام 1940 تحت عنوان (1,000,000,000 جنيه فى بدروم المتحف المصرى).. هكذا كتبته المجلة بالأرقام أى مليار من الجنيهات بداية الأربعينيات، يقول الخبر:
«أذاعت مصلحة الآثار المصرية بلاغًا تنفى فيه ما أُشيع عن أن مومياوات الفراعنة الموضوعة فى بدروم المتحف المصرى على وشك أن يتطرق الفساد إليها من جراء تأثير الرطوبة، وقد يجهل الكثيرون قيمة هذه المومياوات والتحف الأثرية الأخرى التى وضعت معها فى بدروم المتحف وقاية لها من خطر الغارات الجوية. وبهذه المناسبة نقول إن المسيو لاكو، المدير السابق لمصلحة الآثار، قدر قيمتها بـ 500,000,000 جنيه. وكان ذلك قبل أن تكتشف آثار الملك توت عنخ آمون والتى تفوق فى نفاستها سائر الآثار الأخرى، حتى قدر علماء الآثار قيمتها وحدها بمبلغ 500,000,000 جنيه أخرى، وهكذا تقدر قيمة الآثار الموجودة الآن فى بدروم المتحف المصرى 1,000,000,000 جنيه!
وعندما اكتشفت آثار توت عنخ آمون ونقلت إلى المتحف المصرى؛ رغبت الحكومة الأمريكية فى شراء أحد النواويس (التوابيت) الذهبية التى وُضعت فى داخلها مومياء توت عنخ آمون بمبلغ عشرة ملايين دولار أى مليونى جنيه، لكن الحكومة المصرية رفضت، وعلى ذكر مومياء الفراعنة نقول إن عددها 37 مومياء، أكثرها لملوك وملكات وأمراء وأميرات الفراعنة.
وليست هذه أول مرة تنقل فيها من مكان إلى مكان، فقد نقلت من مقابرها إلى مخبئها القديم فى الدير البحرى ثم نقلت إلى المتحف المصرى لأول مرة فى عام 1881، وعُرضت فى الصالة الكبرى، ثم نُقلت إلى حجرة أخرى، واقترح بعد ذلك عدم عرضها على أنظار الجمهور وقاية لها ومحافظة على حرمتها، وقد أخذ بهذا الاقتراح ونقلت إلى ضريح سعد. وفى هذه الأثناء على ما يُقال هشم بعضها وأصيبت ذراع الملك رمسيس الثانى بعطب، ثم نقلت إلى منزل مدير مصلحة الآثار، وظلت تنتقل من حجرة إلى أخرى ومن الدور الأول إلى الدور الأرضى، حتى صدرت الأوامر بنقلها إلى الدور العلوى بالمتحف المصرى، وأخيرا نقلت إلى بدروم المتحف».
هكذا انتهى نص الخبر الذى مضت على نشره اليوم خمس وثمانون سنة، وقد لفت انتباهى فيه عدة ملحوظات، منها:
أولا: ما يتعلق بالمفردات اللغوية التى صيغ بها الخبر، فقد استخدمت صياغة الفعل «أذاعت» بدلا من الفعل «أصدرت» الذى نفضله اليوم فى مثل هذه الأخبار، فضلا عن استخدام صيغة الجمع «موميات» بدلا من «مومياوات» كما يحدث اليوم، وهذا دليل على حيوية اللغة وعدم جمودها.
ثانيا: بصرف النظر عن نفى مصلحة الآثار لتعرض المومياوات للخطر فى بدروم المتحف المصرى بسبب الرطوبة، فقد كشف الخبر الأضرار التى كانت تتعرض لها آثارنا ومومياواتنا نتيجة سوء التخزين فى المتحف القديم، ما زاد من حاجتنا منذ عام 1940 إلى متحف كبير يكون أكثر قدرة على توفير عوامل الأمان لثروتنا الحضارية، ليس فقط من عوامل الرطوبة والتغيرات الجوية، وإنما أيضا من العوامل الخارجية فى أزمنة الأزمات على النحو الذى تابعناه فى الخبر، فيما يتعلق بغارات الحرب العالمية الثانية سنة 1940 سنة نشر هذر هذا الخبر.
ثالثا: حتى سنة 1940، وربما بعدها أيضا، كان القائمون على متحفنا الرئيسى (الأنتيكخانة) من الأجانب، ما كان يعرض آثارنا للنهب والتهريب إلى الخارج، خاصة أننا لاحظنا فى الخبر أن بعض الآثار والمومياوات كانت تنقل إلى منزل مدير المتحف بحجة حمايتها والحفاظ عليها.
رابعا: لا يستوقفنى فى الخبر رغبة الحكومة الأمريكية فى اقتناء أحد الأقنعة الذهبية الخاصة بالملك الشاب توت عنخ آمون، فهذا هو دأب الحكومات الغربية، فما لا يأتى بالتهريب يأتى بالشراء، ما استرعى انتباهى هو مبلغ العشرة ملايين دولار أى مليونى جنيه مصرى الذى عرضته الحكومة الأمريكية ثمنا لتلك القطعة الأثرية النادرة، وبغض النظر عن الثمن البخس الذى عرضه حكومة واشنطن، فإن الدولار فى عام 1940 كان يساوى عشرين قرشا مصريا، أى أن الجنيه كان يقابله خمسة دولارات!
خامسا: يتحدث الخبر القديم عن رحلة المومياوات فى البحث عن مكان آمن حتى وصلت إلى بدروم المتحف الموجود حاليا بالتحرير الذى كان هو الآخر ليس آمنا بالقدر الكافي، وهذا يقودنا إلى المراحل التى مرت بها متاحفنا المصرية حتى وصلنا إلى المتحف الكبير فى أحضان الأهرامات، فقد بدأت هذه المراحل عام 1835 فى عهد محمد على، حين قرر إنشاء متحف يضم مجموعة كبيرة من الآثار المصرية، واختار مقرا له بحديثة الأزبكية، ثم تم نقله إلى القاعة الثانية بقلعة صلاح الدين، حتى فكر عالم الآثار الفرنسى «أوجست مارييت» أحد مسئولى اللوفر فى إنشاء متحف على نيل القاهرة بمنطقة بولاق، لكن مواسم الفيضان قبل بناء السد العالى كانت تمثل خطرا داهما لكنوز مصر، ومن هنا تم نقله مؤقتا إلى قاعة بقصر الخديو إسماعيل بالجيزة قبل التفكير فى إنشاء المتحف المصرى الحالى بميدان التحرير (الأنتيكخانة) الذى تم وضع حجر أساسه عام 1897، وتم افتتاحه فى سنة 1902 تحت إشراف عالم فرنسى آخر هو «جاستون ماسبيرو» فى عهد الخديو عباس حلمى الثاني، ومع تزايد عدد زائريه، وتعاظم عدد القطع الأثرية المعروضة فكر وزير الثقافة الأسبق فاروق حسنى سنة 1992 فى إنشاء المتحف الكبير، وعرض على الرئيس الأسبق حسنى مبارك أكثر من بديل لموقع المشروع، وتم اختيار قطعة الأرض الحالية مقابل أهرامات الجيزة، فأصدر مبارك أول قرار بشأن المتحف الجديد بتخصيص قطعة الأرض المطلوبة، وتم وضع حجر الأساس للمتحف الكبير عام 2002، وتم الانتهاء من بنائه سنة 2021.