يرى الدكتور محسن صالح عميد كلية الآثار جامعة القاهرة، أن افتتاح المتحف المصرى الكبير خير شاهد على عظمة وقوة حضارة مصر القديمة، وأن المصرى الحالى هو امتداد للمصرى القديم، بدليل تشييده للمتحف الجديد الذى أبهر العالم، موضحا أن تمثال رمسيس الثانى وهو أعظم بناء فى التاريخ، ومن ورائه كنوز الفرعون الذهبى توت عنخ آمون هى نجوم حفل الافتتاح بلا منازع، وسوف تجنى مصر ثمار هذا المتحف على صعيد السياحة الداخلية وزيارة السائحين الأجانب.
ويعتبر الدكتور محسن صالح، وهو العميد الخامس عشر لكلية الآثار، نفسه محظوظا لكونه موجودا فى فترة افتتاح المتحف المصرى الكبير وشاهد عيان على الدور الكبير الذى لعبته الكلية وعلماؤها فى تسجيل وتوثيق وترميم ونقل الآثار المصرية المعروضة بالمتحف، وأن الحفائر الأربع لجامعة القاهرة وكلية الآثار خلفت وراءها 4200 قطعة أثرية بمتحف الكلية، وإلى نص الحوار:
حدثنا عن أهمية المتحف المصرى الكبير بالنسبة لمصر وبالنسبة لك كعميد لكلية الآثار جامعة القاهرة؟
أمران اثنان لا ثالث لهما، يكشفان بالنسبة لى عن أهمية المتحف المصر الكبير، أولهما التأكيد على عظمة وقوة حضارة مصر القديمة وكيف كانت تشع نور تلك الحضارة لأرجاء الدنيا، وثانيهما أن الشعب المصرى يعرف قدر نفسه جيدا وأنه سليل أجداد عظماء أضاءوا البشرية بعلومهم وفنونهم، وهم يحافظون على تراثهم وآثارهم على أكمل وجه، ويعرفون جيدا كيف يقدمون هذا التراث وتلك الكنوز أمام العالم، وبالنسبة لى كأثرى وعميد لكلية الآثار، عندما أدخل المتحف المقام بمبانيه الملحقه على مساحة 490 ألف متر، يحتوى على 12 قاعة عرض، تضم مائة ألف قطعة أثرية، أشعر بالشموخ والعظمة ويجعلنى أتعايش وجدانيا مع حقب الحضارة المصرية القديمة بأزمانها المختلفة، وعندما أقف أمام تمثال رمسيس الثانى بهذا الشموخ والارتفاع الكبير البالغ قرابة 12 مترا وكيفية نقله من ميت رهينة إلى المتحف المصرى الكبير، أجده أعظم بناء فى التاريخ، ولما لا وهو الذى يزن 83 طنا من الجرانيت الوردى الخام وهو من أصعب أنواع الصخور تشكيلا ونحتا، وأتذكر معه حدوث الظاهرة الفلكية بتعامد أشعة الشمس على وجه رمسيس الثانى فى معبد أبو سمبل، وهما جزء من قليل يدلان على عظمة المصرى القديم وقدرته على التشييد والبناء، وهى الصفة التى توارثها المصريون بمرور الزمن حتى شيدوا مؤخرا المتحف المصرى الكبير، ليس هذا فحسب فالمسلة المعلقة الموجودة بالمتحف وهى أول مسلة معلقة فى العالم، تسير بأسفلها فترى خرطوش رمسيس الثانى محفورا عليه الختم الخاص به، فد ساهم الدكتور محمود عبد الحافظ أحد أساتذة الترميم وصيانة الآثار الكبار بكلية الآثار فى عمل هذه المسلة.
من وجهة نظرك .. منْ نجم حفل الافتتاح من الآثار المصرية القديمة المعروضة بالمتحف المصرى الكبير؟
جميع القطع الأثرية المعروضة فى المتحف المصرى الكبير وهى من الأسرات القديمة حتى بدء العصر اليونانى الروماني، هى فى واقع الأمر تحفة فنية رائعة تجسد عظمة المصرى القديم، وبعد الرمزية الكبرى والتاريخية لتمثال الملك رمسيس الثانى المتصدر بهو المتحف، يأتى الفرعون الذهبى توت عنخ آمون، وعرض ثلاثة آلاف من القطع الأثرية الخاصة به لأول مرة ولم يرها الجمهور من قبل.
بماذا تفسر حالة الاحتفاء والإبهار بكنوز توت عنخ آمون داخل المتحف المصرى الكبير؟
السبب فى تقديرى يرجع إلى الشهرة العالمية التى نالها الملك الذهبى ومقبرته التى تم اكتشافها عام 1922 على يد عالم الآثار الإنجليزى الشهير هوارد كارتر، وما احتوته من ثروات وكنوز عند اكتشافها، نالت ولا تزال إعجاب كل من رآها أو سمع عنها طوال هذه السنوات الطويلة، وعندما تم الإعلان عن عرض أكثر من 3 آلاف قطعة أثرية جديدة من مقتنياته لأول مرة بالمتحف المصرى الكبير، بخلاف الـ 1800 قطعة التى سبق عرضها من قبل فى المتحف المصرى بميدان التحرير، تجددت رغبة الكثيرين لمشاهدتها وفى مقدمتها القناع الذهبي، وقد استخدم فيه عشرة كيلو جرامات من الذهب الخالص، وتطعيمه بالأحجار الكريمة النادرة والأحجار الصناعية، وهو تحفة فى التشريح والتشكيل، كذلك كرسيه الذهبى وحذاؤه الذهبى وبقية مقتنياته الأثرية وغالبيتها إما من الذهب الخالص أو مطعمة بالذهب، وهو ما جعل علماء الآثار يطلقون لقب الفرعون الذهبى على توت عنخ آمون.
ما دلالة بناء المتحف المصرى الكبير فى حض الأهرامات؟
يدل ذلك على عبقرية المكان والتصميم، وربط الحاضر بالماضي، ويصل الحضارة بالواقع الأثرى فى أهرامات الجيزة.
كيف تتوقع حركة السياحة فى مصر بعد افتتاح المتحف المصرى الكبير؟
مما لا شك فيه أن افتتاح المتحف المصرى الكبير سيكون سببا فى انتعاش قطاع السياحة، فالمتحف مصمم لكى يستوعب من 13 – 15 ألف سائح وزائر يوميا، أى ما يعادل خمسة ملايين فرد سنويا، يقومون بزيارة المتحف ومنطقة السينمات والمسارح والمولات والخدمات المحيطة به، وهو ما يدر دخلا كبيرا على قطاعى السياحة والآثار، فضلا عن أن المتحف الجديد سيحدث نقلة نوعية فى السياحة، بدءا من الدخول فيه حتى الوصول إلى النافذة التى يطل بها السائح على الأهرامات الثلاثة وإمكانية الترجل أو ركوب الطفطف للوصول إلى هضبة الهرم وزيارة متحف الملك خوفو.
بتقديرك.. ما الجنسية الأكثر حرصًا على زيارة المتحف المصرى الكبير؟
معظم الجنسيات الأمريكية والأوروبية ولاسيما أوروربا الشرقية فى ألمانيا وبولندا لديهم شغف كبير لزيارة المتحف المصرى الكبير، ونفس الشيء بال نسبة للسائحين القادمين من دول أمريكا الجنوبية، وخلال زيارتى العلمية فى دول عديدة بالسنوات الأخيرة، تقابلت مع علماء آثار كثيرين، كان سؤالهم الدائم لي: (متى تفتتحون المتحف المصرى الكبير؟)، فهم يقدرون الآثار المصرية ويعرفون جيدا قيمتها التاريخية والفنية والجمالية، وأذكر فى هذا الصدد، عالمين كبيرين فى مجال الآثار، لهما سمعة علمية عالمية، قاما بزيارة كلية الآثار بجامعة القاهرة قبل أيام لإلقاء محاضرات علمية ورغبة منهم فى زيارة المتحف المصرى الكبير، وهما العالم البريطانى البروفيسور جيفرى كيلين من جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة، وهو أحد أبرز المتخصصين فى دراسة تقنيات النجارة وصناعة التوابيت فى مصر القديمة، والبروفيسور الألمانى هاينز إيبرهارد من جامعة برلين الحرة بألمانيا، والحاصل على منحة إيراسموس بلس لزيارة جامعة القاهرة، وقد تناولت ندوته العلمية أحدث الأساليب الفيزيائية المستخدمة فى دراسة وفحص القطع الأثرية، مثل تقنيات التأريخ بالكربون المشع، والتحليل بالأشعة السينية، وتقنيات السينكروترون والتصوير المقطعي، وغيرها من التطبيقات العلمية التى تسهم فى الحفاظ على التراث الأثرى وتحليل مكوناته دون الإضرار به.
هل تمت الاستعانة بآثار من الأقصر وأسوان لعرضها فى المتحف المصرى الكبير؟
ما أعرفه أنه تم تشكيل فريق من العلماء والمتخصصين على أعلى مستوى، من بينهم أساتذة بآثار القاهرة، وضعوا سيناريو لعرض مائة ألف قطعة أثرية فى المتحف الجديد، لتشمل جميع الحقب الزمنية فى العصور القديمة وحتى قبل العصرين اليونانى والروماني، وربما يكون هناك قطع أثرية من الحضارة المصرية القديمة تم تجميعها من معابد الأقصر وأسوان ومناطق أثرية أخرى لعرضها بالمتحف.
بماذا ساهمت كلية الآثار جامعة القاهرة فى إنشاء المتحف المصرى الكبير؟
مساهمات كلية الآثار وعلماؤها فى المتحف المصرى الكبير كثيرة ومتنوعة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك منذ أن أطلق وزير الثقافة الأسبق الفنان فاروق حسنى الدعوة لإنشاء متحف كبير يضم آثار مصر القديمة فقط حتى بدء حقبة العصر اليونانى الروماني، فعملية التسجيل والتوصيف وإعطاء القيم التاريخية والأثرية، ترجع إلى علماء الآثار بالكلية، كما أن معامل ترميم الآثار بالمتحف بدأت فى البداية بفكرة ولجنة فنية متخصصة على رأسها أحد رواد صيانة الآثار فى العقود الأخيرة، الراحل الدكتور محمد عبد الهادى أستاذ الترميم وصيانة الآثار بكلية الآثار، وكان أيضا مستشارا ثقافيا لمصر فى بولندا وكان أستاذى فى مرحلة الماجستير، وضمت اللجنة أيضا الدكتور نادية لقمة مدير الإدارة المركزية لقطاع الترميم بلاظوغلي، وكنت فى تلك الفترة عائدا من بعثة الدكتوراه ببولندا عام 2005، فاستعانت بى اللجنة لأكون عضوا فيها نظرا لتخصصى الدقيق فى مجال الترميم، وخلال الفترة من 2006 – 2008، أصبحنا أول فريق استشارى لتأسيس 19 معمل ترميم عملاقا بقلب الصحراء فى الجنوب الغربى للمتحف ولم يكن المتحف قد تم بناؤه بعد.
كانت مهمة معامل الترميم استقبال القطع الأثرية وترميمها تمهيدا لعرضها فى المتحف، وتم اختيار المواد والأجهزة العلمية فى تلك المعامل بمعرفة علماء وأساتذة كلية الآثار، كما أن رؤساء تلك المعامل وخبراء الترميم بها من خريجى كلية الآثار جامعة القاهرة وعلى رأسهم مدير المعامل الدكتور حسين كامل خريج قسم الترميم بالكلية، ولولا هذا الفريق، لما ظهرت تلك القطع الأثرية بالمتحف، ولا تم نقلها نتيجة لاستخدام تكنولوجيا حديثة فى عمليات الترميم والنقل وبصفة خاصة فى التماثيل كبيرة الحجم وثقيلة الوزن، وفى هذا الصدد تمت الاستعانة أيضا بفريق متخصص من كلية الآثار لعمل تصوير بالأشعة لمعرفة أماكن الضعف والانفصال فى التماثيل واتخاذ الإجراءات الاحترازية لتأمين عملية نقلها للمتحف المصرى الكبير.
هل تقف مساهمات الكلية بالمتحف المصرى الكبير عند حد عمليات التسجيل والتوصيف والنقل والترميم؟
لا تقف مساهمات علماء وخريجى كلية الآثار عند هذا الحد، فعمليات التوثيق الرقمى والتقليدى بالمتحف يقوم عليها خريجو قسم الآثار المصرية القديمة بالكلية، والدكتور طارق توفيق أستاذ علم المصريات بقسم الآثار المصرية القديمة بالكلية ورئيس الرابطة العالمية لعلماء الآثار المصرية القديمة، تولى منصب المدير التنفيذى للمتحف المصرى الكبير طيلة 4 سنوات، وقدم الدكتور ميسرة عبد الله مدرس الآثار المصرية بكلية الآثار جميع الاستشارات الخاصة بالترجمة الهيروغليفية أو اللغات المصرية القديمة، وأقولها بشكل واضح وصريح إن نواة الشكل الأثرى فى جميع المتاحف المصرية سواء كانت آثارا مصرية قديمة أو يونانية رومانية أو إسلامية وقبطية هى قائمة على أقسام كلية الآثار بجامعة القاهرة، منذ أن كانت الكلية قسما أساسيا بكلية الآداب بالجامعة المصرية عند تأسيسها عام 1925، ثم استقلاها لتصبح أول كلية للآثار فى الشرق الأوسط عام 1970 ويتم تخريج أول دفعاتها عام 1974، وينبثق عنها بمرور السنين تسع كليات أخرى للآثار على مستوى الجمهورية، ولا يمكن نسيان الدور الكبير الذى قام به عمداء كلية الآثارالقدامى مثل الدكتور سيد توفيق والذى تولى رئاسة مصلحة الآثار المصرية قديما، والدكتور جاب الله على جاب الله والذى تقلد فى فترات سابقة منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار.
بوصفك عالما أثريا وعميدا لكلية الآثار .. هل ترى افتتاح المتحف المصرى الكبير يسحب البساط من المتحف المصرى القديم بميدان التحرير؟
لا أظن حدوث ذلك، فالمتحف المصرى بميدان التحرير هو الأصل، يكفى طابعه المعمارى وواجهته وموقعه الفريد فى أهم منطقة بالقاهرة «ميدان التحرير بالقرب من نهر النيل»، ورغم أنه «فاق» بعد نقل عشرات الآلاف من القطع الأثرية به إلى المتحف المصرى الكبير، ورغم ذلك لا تزال الآثار المعروضة بداخله والموجودة فى مخازنه تكفى لافتتاح أربعة متاحف أخرى على الأقل، وسيظل رونقه موجودا، ولن ينقطع السياح عن زيارته لرؤية تمثال الملكة تى وتماثيل الأفراد من الدولة القديمة والعجلات الحربية وغيرها من المقتنيات والآثار.