رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

شيخ الأزهر فى روما.. رسالة سلام عالمية


31-10-2025 | 18:13

,

طباعة
تقرير: وليد عبدالرحمن

حظيت زيارة فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمدالطيب، شيخ الأزهر الشريف، رئيس مجلس حكماء المسلمين، إلى روما، والاستقبال الرئاسى «اللافت» فى قصر الرئاسة الإيطالى، باهتمام كبير خلال الساعات الماضية. كما تفاعل كثيرون من القيادات الدينية والسياسية مع كلمة «الطيب» خلال المؤتمر العالمى للسلام فى روما.

والتقى شيخ الأزهر، الرئيس سيرجيو ماتاريلا، وقال إن الأزهر الشريف يقدر موقف الشعب الإيطالى فى دعم الحق الفلسطينى وخروجه فى مظاهرات حاشدة للتعبير عن رفضه لما يتعرض له الأبرياء فى غزة من قتل وتهجير وجرائم إبادة جماعية استمرت عامين كاملين، مضيفًا: «الأمل معقود على هؤلاء الشباب والمنصفين، وأقرانهم من مختلف دول العالم، للانتصار لكرامة الإنسان أيًّا كان لونه أو معتقده أو عِرقه»، معربًا عن تمنياته فى أن تنضم إيطاليا بمواقفها المنصفة إلى قائمة الدول التى اعترفت مؤخرًا بدولة فلسطين، كخطوة فى طريق إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

وأكد «الطيب» الأزهر الشريف معنى بنشر السلام الذى هو جوهر رسالة الإسلام، وبيان الصورة السمحة عن هذا الدين الحنيف، ولذا فقد بادرنا بالانفتاح على المؤسسات الدينية والثقافية حول العالم، وتُوجت هذه الجهود بتوقيع وثيقة الأخوة الإنسانية مع أخى الراحل قداسة البابا فرنسيس، ونحمد الله أنها لا زالت تؤتى ثمارها حتى (اليوم)، ونرى مردودها الكبير فى مجالات تعزيز الحوار بين الأديان والثقافات.

وأكد الرئيس الإيطالى دعم بلاده لاتفاق السلام فى الشرق الأوسط الذى احتضنته مدينة شرم الشيخ، وتقديره للجهود المصرية المكثفة بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى فى التوصل إلى حلول بشأن وقف العدوان على غزة، وتشجيعه للجميع على الاستمرار والالتزام بما ورد من بنود لتسهيل الانتقال إلى المرحلة الثانية، مؤكدًا أن «الحوار لا بد وأن يكون الأساس الذى تُبنى عليه العلاقات فى السياسة كما هو الحال فى الحوار بين الأديان».

كما شارك شيخ الأزهر فى مؤتمر «اللقاء العالمى من أجل السلام.. إيجاد الشجاعة لتحقيق السلام»، وحملت كلمته الحديث عن مفهوم العدل المطلق الذى هو القاعدة الذهبيَّة التى قامت عليها السَّموات والأرض، وجعلها الله ضامنة لحقوق الإنسان فى المساواة والحرية والكرامة والأمان والسلام، والإخاء الإنسانى بين البشر على ما بينهم من فوارق العرق والجنسِ واللون والدين واللُّغة. وأضاف أن إغفال الحضارة المعاصرة -وعن عمدٍ- لهذه القيم تسبب فى الحروب العبثية التى فرضت على شعوب فقيرة لا تملِك من العدة والعتاد ما ترد به أيدى المعتدين من قُساةِ القلوب ومتحجرى الضمائر والساخرين من كرامة الإنسان.

وعرج «الطيب» إلى الحديث عن الأزمات الاجتماعيَّة التى تترصد الشعوب وتعبث بعقائدها ومقدساتها وثوابتها الدينية والأخلاقية، ولا تكف عن تربصها بمؤسسة «الأسرة» وتصدير بدائل شاذة تنكرها الأديان والأخلاق. كما لم تغب عنه «الحروب»، بقوله إن لنا فى الحروب التى ابتلى بها شرقنا الآمن لعبرة، فهذه الحروب ما إن تبدأ شرارتها الأولى حتى تبدأ معها متواليات من الدواهى والفظائع، من هدم للدور على رؤوس قاطنيها، وتشريد لآلاف النساء والشيوخ والشباب، وتجويع للأطفال حتى الموت، وتمتع بانتهاك كرامة الإنسان، والتنكيل به على مرأى ومسمع من العالم المتحضِّر فى قرنه الواحد والعشرين، وبئست حرية تصادر على الضعيف حقه المقدَّس فى الحياة على أرضه، وبئست عدالة تسمح باقتراف هذه المنكرات وتسوغها.

«الذكاء الاصطناعى» كان محورًا فى كلمة «الطيب» عندما ذكر أن الذكاء الاصطناعى قد أصبح إحدى القوى المحركة التى تحدث فارقًا كبيرًا فى المجتمعات، ولذا فإن علينا دورًا أخلاقيا يتمثل فى تسخير هذه التقنية لبناء مستقبل أكثر إنصافًا وعدالة للبشرية، وعلينا أن ندرك أن حراسة قيمنا ومواريثنا الروحية والدينية فى استعمالات هذه التقنية الجديدة ليس خيارًا ترفيهيًا، بل هو التزام أخلاقى، ومسؤولية إنسانية كبرى.. ولا أبالغ لو قلت إننا اليوم نقف أمام مفترق طرق حضارى: إما أن نترك هذا الاختراع الجديد يكرِّس التقهقر الحضارى والأخلاقى، أو أن نستخدمه كقوة دافعة لتصحيح المسار الإنسانى.

واختتم شيخ الأزهر حديثه بتأكيد أن العالم اليوم أحوج ما يكون إلى عدالة تعيد إليه سكينته، وإلى إحياء ضمير إنسانى يدرك أن الظلم -وإن صغر- شرارة قادرة على إحراق السلم فى أى مكان، وأن كل إنسان يُظلم فى هذا العالم، هو جرح لا يندمل فى جسد الإنسانية كلها، وأن هذا العالم لن ينهض من كبواته؛ إلا إذا آمن بأن العدالة هى القانون الأعلى للحياة، وأن السلام هو ثمرتها الطبيعية.

الرئيس الإيطالى حرص على اقتباس عبارات لشيخ الأزهر عن السلام وحوار الأديان خلال «مؤتمر روما». وقال للمشاركين أذكركم بكلمات الإمام الأكبر شيخ الأزهر، الذى تحدث فيها عن ضرورة العمل على نشر الأخوة الإنسانية، وترسيخ الحوار بين الأديان، وشدد على ضرورة أن نرفع جميعًا راية السلام بين الجميع، بدلًا من راية الانتصار، وضرورة تغليب صوت العقل والحكمة، وأن نجلس جميعًا على طاولة الحوار، وأن نتحلّى بالشجاعة لتحقيق سلام حقيقى.

وأكد الرئيس الإيطالى أهمية الاستماع إلى صوت الرموز الدينية والشخصيات التى تتحلى بالحكمة، كالبابا لاون الرابع عشر، بابا الكنيسة الكاثوليكية، والإمام الأكبر أحمدالطيب، مشيدًا بوثيقة الأخوة الإنسانية التاريخية التى وقّعها شيخ الأزهر مع الراحل قداسة البابا فرنسيس، مشددًا على أن قوة التسلّط والسيطرة يجب أن نواجهها بالقوة الهادئة والسلطة الروحية للمؤسسات الدينية، وأهمية العمل على جعل هذا الصوت مسموعًا وعاليًا لتحقيق السلام، وتهيئة بيئة خالية من الصراعات والحروب للأجيال القادمة فى المستقبل.

الزيارة إلى روما حملت صفحة جديدة بين الأزهر والفاتيكان، عندما التقى الإمام الأكبر البابا لاون الرابع عشر، وبحثا أبرز القضايا الراهنة على الساحتين الدينية والدولية، وأكدا ضرورة تعزيز صوت الأديان لوقف ما يشهده عالمنا اليوم من أزمات وحروب وصراعات وفى مقدمتها العدوان على غزة والضفة. وشددا على أهمية الالتزام باتفاق السلام الذى استضافته مدينة شرم الشيخ كخطوة أساسية نحو إرساء الأمن والاستقرار فى المنطقة والعالم.

 
 
 

الاكثر قراءة