اجتازت تاكايتشى «المرأة الحديدية» تصويت البرلمان بأغلبية مريحة من الجولة الأولى بحصولها على 237 صوتًا متجاوزة العدد المطلوب وهو 233 صوتًا فى مقاعد المجلس البالغ عددها 465 مقعدًا لتحطم تاكايتشى الحواجز التى تمنع ترقى النساء فى بلد لا يزال الرجال يسيطرون فيه بأغلبية ساحقة. وجاء منافسها الرئيسى يوشى هيرو نودا (زعيم الحزب الديمقراطى الدستورى) فى المرتبة الثانية بـ149 صوتا. تعد تاكايتشى خامس رئيس حكومة فى اليابان خلال عامين، مما يؤشر على وجود أزمة سياسية داخلية خانقة تواجهها البلاد، لتخلف شيجيرو إيشيبا الذى أعلن استقالته الشهر الماضي. لن تكون رئاسة مريحة وعلى فراش من حرير إذ ينتظرها جدول أعمال محلى ودولى مزدحم، سيكون الأكثر توترا فيه زيارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الأسبوع المقبل.
وصلت تاكايتشى إلى السلطة بعد حملة محافظة جريئة أدت إلى انهيار الائتلاف الذى دام 25 عامًا بين الحزب الليبرالى الديمقراطى اليابانى وشريكه الأصغر، حزب كوميتو احتجاجًا على «انحياز تاكايتشى للفكر القومى المتطرف». دفعت تاكايتشى الحزب الليبرالى الديمقراطى إلى اليمين فى تحالف مع العديد من الأحزاب والحركات المحافظة الأصغر، وبذلك مهدت الطريق لتحول جذرى فى سياسات شرق آسيا.
راقبت الصين بقلق صعود تاكايتشى، فسمعتها كشخصية متمردة معروفة بمواقفها القومية والمتشددة وتأييدها إعادة تسليح اليابان أثارت قلقها. غالبًا ما تكون العلاقات الصينية اليابانية فاترة فى أحسن الأحوال، فقد تخلت اليابان بموجب المادة التاسعة من دستورها لما بعد الحرب العالمية الثانية عن الحرب والعسكرة كوسيلة لحل النزاعات الدولية. لذلك الصعود التاريخى لهذه السياسية المتشددة يفتح فصلاً جديدًا فى السياسة الداخلية اليابانية وموقفها الإقليمى، بالإضافة إلى تعزيز دورها العسكرى والاستراتيجى فى منطقة المحيطين الهندى والهادئ. ومن المتوقع أن تراقب بكين عن كثب تصريحات وأفعال تاكايتشى، خاصة فيما يتعلق بتايوان والأمن الإقليمي. ويحذر محللون صينيون من أن تاكايتشى قد تتحدى ما يُعرف بـ«الخطوط الحمراء الثلاثة» وهى تايوان، النزاعات الإقليمية، والتفسير التاريخى للأحداث.
يعود أصل تاكايشى السياسى إلى شينزو آبى الراحل، الذى لا يزال إرثه يُشكل السياسة الأمنية اليابانية. ومثل آبى، تُدافع تاكايتشى عن رؤية ليابان أكثر استقلالية وقدرة عسكرية، أقل اعتمادًا على الضمانات الدفاعية الأمريكية وأقل اعتمادًا على سلاسل التوريد الصينية. انتقدت تاكايتشى مرارًا وتكرارًا التعزيزات العسكرية الصينية والإكراه الاقتصادى، داعية إلى تشديد الرقابة على التقنيات الحيوية وتعميق التنسيق مع الديمقراطيات ذات التوجهات المماثلة، وفى تفاعلاتها عبر الإنترنت مع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، أكدت على التعاون بين البلدين «للنهوض بمنطقة المحيطين الهندى والهادئ حرة ومفتوحة».
اتسمت التصريحات الرسمية الصادرة عن بكين حتى الآن بالحذر، لكن الأكاديميين ومحللى السياسات الصينيين أعربوا عن قلق متزايد، ويحذر البعض من أن نبرة المواجهة قد تؤدى إلى إشعال فتيل دورة من التصعيد مما يعزز تحالف اليابان مع الولايات وتايوان. إذا عمّقت طوكيو، بقيادة تاكايتشى، تعاونها العسكرى أو الاستخباراتى مع تايبيه، فسيُمثل ذلك انحرافًا كبيرًا عن نهج اليابان الحذر التقليدي. وقد يُثير هذا التحول رد فعل قويًا من بكين، يتراوح بين الاحتجاجات الدبلوماسية والضغوط الاقتصادية وتكثيف الإشارات العسكرية فى المنطقة. لليابان خبرة فى هذا، كما حدث عندما تحمّلت اليابان أول استخدام صينى لخفض صادرات المعادن الأساسية عام 2010، وبالتالى من غير المرجح أن تتراجع اليابان.
وصفت تاكايتشى تايوان بأنها «صديق عزيز»فى منشور حديث على مواقع التواصل الاجتماعى، وأكدت أن البلدين يتشاركان «قيمًا أساسية، وروابط اقتصادية، وتاريخًا مشتركًا». بالنسبة لبكين كانت هذه الكلمات بمثابة خط أحمر، وسارعت وسائل الإعلام الرسمية الصينية إلى الرد، حاثةً اليابان على «الالتزام بتعهداتها السياسية بشأن قضايا رئيسية مثل التاريخ وتايوان» المنصوص عليها فى البيان المشترك لعام 1972، الذى طبّع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
تتجاوز مخاوف بكين الجانبين العسكرى والسياسى لتشمل السياسات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية، ومن المتوقع أن تشدد سياسات الهجرة وهو ما قد يؤثر على أكثر من 800 ألف مقيم صينى فى اليابان، وقد تفاقم هذه الخطوات التوتر الاقتصادى بين البلدين وتؤثر على العلاقات التجارية والاستثمارات الثنائية، فضلا عن تأثيرها على التوازن الداخلى فى اليابان، حيث يمثل ارتفاع تكاليف المعيشة والضغوط الاقتصادية تحديًا للحكومة الجديدة.
تعد تاكايتشى محافظة ومثيرة للجدل، لكنها رائدة فى دولة ذات نظام ملكى دستورى، أعربت عن ميلها نحو التحرير الاقتصادى وإعادة التسليح التكتيكى، وقد استلهمت ذلك من مارجريت تاتشر فى المملكة المتحدة. تدعو أجندتها الاقتصادية إلى توسع مالى جريء ودفاع داخلى أقوى. وبصفتها وزيرة سابقة للأمن الاقتصادى والشئون الداخلية، لطالما كانت شخصية بارزة فى المعسكر المحافظ فى اليابان. تاكايتشى من أشدّ المناصرين لمراجعة دستور اليابان السلمى لما بعد الحرب، وتوسيع قوات الدفاع الذاتى اليابانية، وتطبيق التجنيد الإجبارى، وتحسين معداتها، وتعزيز العلاقات مع الشركاء الديمقراطيين فى منطقة المحيطين الهندى والهادئ. يُبرز موقف تاكايتشى من تايوان تطور حسابات اليابان الأمنية، فقد أصبحت اليابان تعتبر الصين بشكل متزايد التهديد الأمنى الرئيسى لها، وهو تصور عززته التوترات فى مضيق تايوان والوجود العسكرى الصينى المتزايد فى بحرى الصين الشرقى والجنوبى. فى الوقت نفسه، يُضعف السلوك المتقلب لواشنطن العاصمة ثقة المؤسسة اليابانية فى موثوقية المظلة الأمنية الأمريكية.
فى هذا السياق، أوضح الكاتب والمحلل الصينى، نادر رونج روهان، أن تاكايتشى تعتزم الاستثمار فى القوى العسكرية اليابانية، وهذا يثير القلق لدى الدول الآسيوية التى تعرضت لعدوان خلال الحرب العالمية الثانية، وهذه نقطة رئيسة لم تلتزم بها اليابان فى تعهداتها بأن قوتها فقط من أجل الأغراض الدفاعية، ولكنها حاليا تقوم بتدوير الأسلحة بغرض الهجوم. وفيما يخص إعلان تاكايتشى عن اهتمامها بإقامة شراكة أمنية مع تايوان، وهى خطوة من شأنها أن تتحدى بشكل مباشر مبدأ «الصين الواحدة» الذى تتبناه بكين، فأكد روهان أن الصين تعارض ذلك بشدة.