دعوات المصالحة مع الدولة تأتى من تنظيم محاصر بأزمات داخلية وخارجية وموجة انشقاقات كبرى، ففى الأيام القليلة الماضية تصاعدت دعوات إخوانية بأن جماعتهم مستعدة وتتمنى حوارا مفتوحا مع الدولة وتفاهمات بشأن أوضاع السجناء، وتلك الدعوة تنضم لسابقاتها من دعوات المصالحات الوهمية الخادعة التى لايمكن التعويل عليها كمبادرة فعلية بل هى أقرب للمناورة.
فما طرحته الإرهابية تحت اسم «الحوار» يراه مراقبون محاولات من الجماعة لإعادة تدوير أدواتهم القديمة من أجل العودة للعمل السياسي، ويعول هنا على وعى المصريين الذى أسقطوا الإخوان منذ سنوات وما شاهدوه من مواقف الجماعة العدائية من إرهاب وعنف ضد الدولة.
الإخوان تنظيم متطرف لم يعرف فى تاريخه لغة حوار منذ نشأته، ولن يعترف بأى حوار، لأنه يدار بمبدأ «السمع والطاعة»، والجماعة تعانى حاليا من مشكلات حقيقية، وما تشهده الجماعة الإرهابية من معارك دائرة بين أجنحتها المتصارعة على القيادة هو أمر غير مسبوق فى تاريخها، لأن الجماعة تحولت بالفعل إلى ثلاثة كيانات هى جبهة لندن، جبهة تركيا، والتيار الثالث «تيار التغيير أو الكماليون» الجناح المسلح للتنظيم «حسم»، والذى يُعتبر التيار الأكثر إخلاصا لأدبيات قادة الجماعة ولتعاليم حسن البنا وسيد قطب.
فى الكواليس تشهد الجماعة الإرهابية حالة من التخبط والترهل، انقسامات وانشقاقات يتلوها قرارات بالتجميد وانفراد بالسلطة وفساد مالى ومخالفات لائحية، أعقبها غضب شديد بين شباب الإخوان وفقدان الثقة بالقيادات وشكاوى كثيرة وأصوات معارضة تتزايد أدت جميعها لنتيجة حتمية يشهدها الإخوان حاليا وهى « انهيار الصف الداخلى للتنظيم»، ورغم كل هذا تناسوا وضعهم المأساوى وركزوا فى الانشغال بمحاربة الدولة المصرية بالشائعات والتشكيك فى المشروعات والنجاحات التى تنفذها الدولة، كوسيلة لإخفاء فشلهم الداخلى ومخططاتهم الوهمية فغاب أمل البقاء، واتسعت حدة الانشقاقات، لتعيش جماعة الإخوان الإرهابية أسوء مرحلة فى تاريخها.
باحثون فى شئون الحركات الإسلامية، يؤكدون أن «أزمة التنظيم تتصاعد والانشقاقات تضرب الإخوان بسبب صراع على المصالح الشخصية وزعامة التنظيم والسيطرة على التمويل، حيث تحولت الجماعة الإرهابية إلى أجنحة متصارعة، فنحن لسنا أمام تنظيم واحد يمكن التعويل على ما يصدر عنه من دعوات للمصالحة أو غيرها، كما أنه لا يوجد فى أدبيات الإخوان شىء اسمه اعتراف بالدولة إذا لم تكن تحت قيادتهم، وكل ما عدا ذلك فهو محاولة كسب الوقت لترتيب صفوفهم بعد الخسارة التى تلقوها فى مصر».
«من يريد الهروب إلى الأمام».. هكذا يريد تنظيم الإخوان العودة للمشهد من جديد بنفس الأدوات القديمة للخروج من أزمتهم اليائسة، والهدف من سياسة الهروب إلى الأمام هو التهرب من مواجهة الحقائق بتقديم أطروحات غير منطقية، ثم محاولة صرف الأذهان عن هذه الحقائق، ويتم تحقيق هذه الأمور عن طريق المماطلة والتسويف لكى يكسب الوقت.
وبحسب الباحثين فإن «دعوات المصالحة مع الدولة تعكس انفصال الإخوان عن الواقع السياسى والاجتماعى، فلم يعد التنظيم يشكل رقما صعبا فى المعادلة المصرية، وليس بإمكان دعوة أو مبادرة أن تُغير الواقع الذى يؤكد الرفض الشعبى لهم، حيث فقدت الجماعة الإرهابية الشريان التاجى لها والذى يتمثل فى التأييد الشعبى».
فدعواتهم بالمصالحة تتناقض مع قيام عناصر التنظيم والجناح العسكرى «حسم» بتنبى خطاب العنف والتخطيط للعمليات الإرهابية والتحريض على زعزعة استقرار الوطن.. ما يطرح تساؤلا هاما حول الهدف وراء تلك الدعوات المتكررة رغم تبنى الجماعة العنف والتحريض ضد الدولة، وهل يمكن للإخوانى أن يكون إخوانيا وفى ذات الوقت ينبذ أفكار حسن البنا وسيد قطب.!!
وقال هشام النجار، الباحث فى شئون الحركات الإسلامية: فى الحقيقة هذه هى عادة وطبيعة تلك الجماعة فهى تستخدم أذرع وأجنحة متناقضة داخلها لفعل الشيء ونقيضه، وللتنويع بين ما هو إرهابى وما يدخل فى خانة العمالة والخيانة، والعمل وفقا لأجندات أجهزة الاستخبارات الخارجية، مقابل الدفع بأحد أذرعها بهدف غسل سمعتها القذرة بين الحين والآخر، وبهدف استثمار ما تقوم به من تحالفات وما تقدمه من خدمات للقوى الخارجية الطامعة فى تحقيق مكاسب سياسية، وهذا بالطبع لا يتحقق وفق ما تخطط إلا بخطاب ناعم يصورها كأنها ملاك وأنها على النقيض تماما من صورتها الحقيقية، ومن طبيعتها الفعلية كونها تنظيم إرهابى خائن، وظيفى تأسس لخدمة الأهداف الاستعمارية ولا يزال يقوم بنفس الدور والمهام.
وحول الهدف من وراء ذلك وهم يعلمون أن الشعب لفظهم ولن يقبل التصالح معهم.. أضاف «النجار»: هناك عوامل كثيرة منها أن الجماعة تلعب على فرضيات لا على وقائع ، فهى تتوهم أن تكون كالإسلاميين التابعين لهيئة تحرير الشام فى سوريا وأن تدعمها أمريكا للوصول إلى السلطة بمصر لتقدم تنازلات فى مختلف الملفات لصالح مخطط إسرائيل الكبرى، متعلقة بتسليح وعدد الجيش ومتعلقة بمستقبل سيناء وجعلها وطنا بديلا للفلسطينيين لجعل المخطط الصهيونى أمرا واقعا، وتطمع فى مقابل ذلك فى سلطة هشة بدون جيش رادع فى استنساخ للنموذج السورى، كما أنها تلعب على فرضية حدوث تغييرات فى مصر لحسابات إقليمية ودولية مرتبطة بإعادة رسم خارطة الشرق الأوسط وتخطط لأن تكون جزءا من هذا التغيير.
وتابع: لذلك هى تطرح هذا الخطاب الناعم للاستهلاك فى اتجاهات مختلفة، حيث لا تتوقع استجابة من الدولة، لكنها تبعث رسائل لأطراف أخرى لتثبت للقوى الدولية وأمريكا أنها كيان قادر على لعب سياسة، وأنها لا تزال حاضرة وتخاطب الدولة وتعرض الصلح.
وعن ما تعبر عنه تلك الدعوات داخل التنظيم، تحدث إسلام الكتاتنى، الباحث فى شئون الحركات الإسلامية، وقال: عمق الصراع الذى تعيشه الجماعة الإخوانية يؤكد أن الإرهابية لا مستقبل لها، بعد أن تفجرت الانقسامات والتشرذم من داخلها، وتيار الكماليون يمثل القطاع الأكبر فى التنظيم، فأغلبهم من الشباب المسئولين عن العمليات الإرهابية، كما أن ما تشهده الجماعة ليس مجرد خلافات بقدر كونها حالة من التفكك التنظيمى.
«الكتاتنى» أوضح أن «الجماعة الإرهابية تعيش حالة من التكلس الفكرى والتنظيمى، فلم تعد قادرة على الحركة، نتيجة الصراعات التى تعيشها، وهو ما رفع من حدة الصراع الذى وصل إلى اتهامات مخلة بالشرف منها ما يتعلق بالخيانة والذمة المالية والمحسوبية»، ولفت إلى أن «دعوات المصالحة تكشف حالة اليأس التى وصل إليها عناصر التنظيم، وأن الجماعة تبحث عن حل»، مؤكدا أن الإخوان تنظيم متطرف يسعى لإسقاط الدولة وضرب استقرارها، والثأر لأنفسهم من المجتمع المصرى الذى لفظهم وأسقطهم فى ثورة شعبية فى 30 يونيو.
وشدد «الكتاتنى»، على أن «هذه الخلافات والانقسامات كشفت الجماعة على حقيقتها، وأظهرت عجزهم عن إدارة حوار إخوانى فيما بينهم وعدم قدرتهم على إصلاح مشاكلهم، فكيف يمكن لهم أن يطالبوا بحوار مع الدولة أو يدعون أنهم يحملون الخير لمصر!!، فالأولى لهم أن ينظروا لمشاكلهم الداخلية فما يمر به التنظيم من انقسامات وتشرذم مؤخرا يؤكد على تطرف هذه الحركة، وأن الإخوان غير مؤهلين للسياسة ولا المعارضة، مضيفا أن جرائم التنظيم وتبنيه العنف أنهت مشروعية الجماعة إلى الأبد».
وأشار إلى أن حالة الفشل التى تحيط بالجماعة وقواعدها التنظيمية، جعلها تبحث عن إيجاد أى طريقة تسعى من خلالها لتحقيق مصالحة سياسية، ستكون كفيلة بغسل سمعتها من جرائم العنف والقتل ومن خطابها الذى يقوم على أدبيات التكفير والعنف.
وعاد «الكتاتنى»، ليؤكد أن الإخوان يعيشون الأوهام من خلال دعواتهم للمصالحة فى وقت تواجه تلك الدعوات برفض شعبى،حيث يرفض الشعب أى مبادرات من هذا النوع مع الجماعة التى على مدار تاريخها تصطدم مع الحكومات بسبب رغبتها فى القفز على السلطة والحكم، مشددا على أن الشعب المصرى يدرك أن أى مبادرة يطرحها التنظيم هى مجرد مناورة سياسية، وأن الحوار مع الإخوان مرفوض سياسيا وشعبيا، مشددًا على أن معركة الجماعة الإرهابية مع الدولة مستمرة فى سعيها لزعزعة الاستقرار بدعم وتمويل خارجى.