رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الوعي الجمعي..حكاية الضوء والظل


24-8-2026 | 16:39

.

طباعة
بقلم: مروة محمد حمدي

يزورني سؤالٌ كلما جلستُ أرقب الناس وهم يمرّون في الشارع، شاردين خلف هواتفهم كأنهم قوافل تسير في صحراء من زجاج: لماذا نعرف وجوهًا لم نرها قط، ونجهل أسماء صنعت لنا الحياة التي نحياها؟ سؤالٌ يبدو بسيطًا في ظاهره، ويحمل في باطنه عذاب هذا العصر كلّه: عصرٌ يمنح الضوء لمن يقف أمام الكاميرا، ويترك في الظل من يقف خلف الإنسان نفسه.

اسأل عابر سبيل عن نجم السينما الذي تصدّر شباك التذاكر هذا الموسم، تجد الإجابة على طرف لسانه، جاهزة كأنها محفوظة عن ظهر قلب. اسأله عن الجرّاح الذي أعاد النبض إلى قلوب لا تُحصى، أو عن الباحثة التي أفنت عمرها كي تبقى العربية حيّة في أفواه أطفالنا، يطول صمته، وكأنك سألته عن سرٍّ لا يعرفه أحد.

مجدي يعقوب، ذاك الجرّاح الذي صار اسمه صلاة تتردد على شفاه أمهات استعدن أبناءهن من موت محقق، أشهرُ بين مرضاه منه بين الجماهير. جمال بن حويرب، المؤرخ والأديب الذي نذر قلمه لتوثيق روح الخليج وذاكرته، يقيم في الظل بينما يقيم غيره في دائرة الضوء، رغم أن ما يكتبه أبقى مما يُذاع. هنادا طه، التي حملت هَمّ الضاد على كتفيها وحدها تقريبًا، وحذّرت أن عقولنا تتعلّم لغتها الأم بعقلية «ديناصورية» لم تتغيّر منذ عقود، لا يعرف اسمها إلا من يهمّه أن يبقى لسان أطفالنا عربيًّا. والدكتور علي بن موسى، أمين مؤتمر اللغة العربية ومؤسس المجلس الدولي لها واليوم العالمي المخصَّص لها، أفنى عمره يجمع أهل الضاد من كل قُطر تحت سقفٍ واحد، اسمه محفورٌ في وجدان المهتمين باللغة، غائبٌ عن وجدان الجمهور العريض. وخلف هؤلاء طابورٌ طويل من الأسماء التي لم يلمعها التلفاز، أطباء ومعلمون وباحثون، كلٌّ منهم «واحد في المليون» بحق، والوعي الجمعي، في غفلته، آثر أن يُحصي المليون ويغفل عن الواحد على منصات التواصل المجتمعي الافتراضي.

القمر يزيّن ليلنا فنهيم به عشقًا، ونكتب فيه القصائد، وننسى أن ضياءه مستعار من شمسٍ لا نراها في تلك اللحظة. الشمس تمنح النور من ذاتها، دون أن تنتظر من أحد أن يرفع إليها بصره. هكذا هم أهل الأثر الحقيقي في حياتنا: يمنحون من جوهرهم بعيدًا عن أعين الناس، بينما يقتبس آخرون بريقهم من الكاميرا والمنصّة والتصفيق، فيظنّهم من يراهم مصدر الضوء، وما هم إلا مرايا تعكس ما استعارته من سواها.

يُقال إن الفنانين حرّاس الثقافة ونوافذها المفتوحة على الجمال، وفي هذا بعضٌ من صدق؛ فالفن، حين يصدق، يوقظ فينا ما ران عليه الروتين. الذي يصل إلى العامة، في الغالب، ليس جوهر الفن، إنما ظِلّه المموَّه: بريقٌ يخطف العين، وثراءٌ يبدو بلا ثمن، وحياة تُعرض في لقطات مصقولة حتى تُخيَّل للناظر أنها الحقيقة كاملة. هنا تتسلل الخرافة من حيث لا ندري: أن النجاح سلّمه واحد لا غير، وأن من لا يصعده فهو خارج قافلة الفائزين.

وفي الطرف الآخر من الميزان، يقف أستاذ جامعي أفنى عمره بين الكتب والأبحاث، لا يعرفه أحد خارج أسوار كليته، ومعلّمة دخلت الفصل يومًا بحلمٍ يكاد يلمس السماء، فابتلعتها الروتينية الوظيفية حتى صارت رقمًا في جدول حصص، بينما يفوز ممثلٌ بمليون في ليلة واحدة عن دورٍ قد يُنسى مع أول شروق. ليست القضية في المال، وليست في الفن، فكلاهما حقٌّ مشروع لأصحابه، إنما في الميزان الأعرج الذي يُثقل كفة الظهور، ويُخفّف كفة العطاء الصامت حتى تكاد تطير.

في زيارةٍ لي إلى العاصمة الماليزية كوالالمبور، وقفتُ في إحدى حدائقها العامة، وشهدتُ مشهدًا حفرَ في ذاكرتي أثرًا لا يُمحى: صفوفٌ من المقاعد، وعلى كل مقعدٍ إنسانٌ يُطالع كتابًا في هدوء، دون ضجيج، ودون كاميرا تُرصد قراءته، ودون من يشهد له بشيء سوى الصفحات بين يديه. سألتُ نفسي حينها: أين نحن من هذا المشهد؟ حدائقنا تعجّ بالهواتف واللقطات العابرة، وقلّما يجلس فيها إنسانٌ إلى كتاب لمجرد أن الكتاب صديقٌ لا ينتظر منه شيئًا. الأمم التي تعشق القراءة تُربّي وعيًا مختلفًا، وعيًا يجلّ من يفكر ويكتب، لا من يظهر فحسب.

كيف تقنع جيلًا نشأ يرى النجاح طبقًا جاهزًا لا حقلًا يُفلح بالصبر؟ كيف تُخبره أن التعب جمرةٌ لا تُرى، وهي التي تُدفئ البيت في الشتاء، بينما الأضواء الزائفة تخبو بمجرد أن تُطفأ الكاميرا؟ والأصعب من كل هذا أن تُقنع طفلًا يكبر وسط عالم تتحدث فيه الإنجليزية في كل ركن، ويُقاس فيه «الرُّقي» بطلاقتها، أن لغته العربية هوية تحمله هو، لا عبءٌ يُثقل كاهله. فاللغة، كما قالت هنادا طه بمرارة من عرف الداء، إن أُهملت في بيتها الأول، لم تنقذها لغةٌ أخرى مهما أُتقنت.

استحدث زماننا كلمة «المؤثر»، وصار لقبًا يُطارده كثيرون، وفي هذا ما يستحق التأمل وليس الرفض؛ فطبيعي أن ينشأ في عصر الشاشات من يبلغ الملايين بضغطة زر. غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح دومًا: مؤثرٌ في ماذا؟ يمكن للمرء أن يكون مؤثرًا حقًّا دون أن يكون مشهورًا: أن يحب عمله فيتقنه، وأن يحب القراءة فيعتاش على معينها، وأن يحب لغته فينطقها كما تستحق، وأن يترك في كل يوم أثرًا صغيرًا من خير: كلمة طيبة، يدًا ممدودة، درسًا يُلقَّن لطفل. القيمة لا تُقاس بعدد من رآها، إنما بعمق الأثر الذي تركته في حياةٍ واحدة.

الأمم لا تُقاس بعدد نجومها المتلألئة في الليل، إنما بعدد من يبنون فيها في صمت، دون أن ينتظروا تصفيقًا. وربما تكون أول خطوة نحو وعيٍ جمعي أكثر نضجًا أن نسأل، كلما أُعجبنا بأحد: «بماذا أفادني هذا الإنسان حقًّا؟» لا «كم مرّة رأيته على الشاشة؟»

أتمنى لو كانت في يدي عصا موسى، أضرب بها هذا البحر، بحر الضوضاء والشهرة الفارغة الذي طغى على مشهدنا العربي، فأفلقه شطرين، ليرى الناس ما تحته: الأطباء والمعلمين والباحثين الذين يعملون في سكون، لا يدري بهم أحد. ولكن لا عصا في يدي، وكل ما أملكه أن أكتب هذه الكلمات، عسى أن تبلغ من يقرأ، فيرى مشهدنا العربي بعينٍ أخرى.

    كلمات البحث
  • الوعي
  • الجمعى
  • حكاية
  • الضوء
  • الظل

الاكثر قراءة