كنت صغيرة جدًا ضئيلة الجسد، كما يقولون عود قصب، أو قلم رصاص، لكننى كنت ألف ملاءة جدتى وأقف أمام المرآة وأقلد إيمان يونس فى هيئتيها وغنائها أغنية «مشية الحلوة»، أحب الموسيقى منذ طفولتي، عزفت على الإكسليفون وأحببت الأكرديون، لكن للأسف إمكانات أبى المادية، لم تسمح بشراء الأكرديون.
وعندما كنا في الجامعة كانت صديقتى كوثر تحدثنا عن أن هانى شنودة وكان آنذاك مشهورًا جدًا وسط الشباب، فقد كان زميلاً لأخيها الكبير يحدثهم عن موهبته وحبه الشديد للموسيقى، كان يعزف على الأكرديون ولا تظهر غير رأسه، رغم ذلك كان متفوقًا فى دراسته، حجز لنفسه ترتيبًا متقدمًا، فهو الأول أو الثانى، توقع الجميع أن يدخل كلية الطب أو الصيدلة مثل والده صاحب الصيدلية الشهيرة، إلا أنه فضل كلية التربية الموسيقية، أحب العزف على آلات كثيرة منها البيانو والأكرديون، وآلات غربية كان يعزف عليها بروح شرقية جعلت موسيقاه يحبها كل من يستمع إليها، أسس فرقة المصريين فى ٨ ديسمبر ١٩٧٧، يوم عيد ميلادى الذى لم أحتفل به إلا مرة واحدة- آه والله - ظهرت الفرقة كالصاروخ تذاع أغانيها أكثر من مرة فى التليفزيون، ولأن كل من يسافر إلى دول الخليج فلا بد أن يرجع ومعه المروحة والمسجل، فانتشرت "مسجلات الكاسيت" نعيد ونزيد فى الاستماع نحفظ أغنيات الفرقة، وأغنيات الشاب الأسمر الآتى من الجنوب، محمد منير، لينافس على الحجار ومحمد الحلو، ثم يلحق به عمرو دياب، الذى كان يسكن بجوارنا فى عمارة أطلقنا عليها عمارة عمرو دياب .
لم يكتف هانى شنودة بالتلحين إنما كان موزعًا للألحان، أعتقد أول مصرى يوزع ألحان غيره، بعد الفنان أندريا رايدر الذى وزع عشرات الأغنيات للفنان محمد عبدالوهاب وغيره من الملحنين، بالطبع كان الفنان على إسماعيل يلحن ويوزع، إلا أنه اختلف عنه «هانى» بهذا الحس الرومانسى الحالم، إضافة إلى لمسة غربية نتيجة عزفه مع فرق غربية ودراسته فى الكونسرفتوار.
شجع نجاح فرقة المصريين، بظهور فرق أخرى لعل أهمها الـ4m التى كونها عزت أبوعوف وأخواته.
كانت موسيقى هانى شنودة تشبهه، فهو مصرى الملامح يمتلك عينين لامعتين تشبهان مياه البحر، ولأنه من طنطا فقد اجتذبه مولد السيد البدوى، ليتجول بين الناس ويستمع إلى المواويل والأغنيات الدينية، لهذا نجد نزعة صوفية فى موسيقاه، فلا تجد ظهورًا قويًا لإيقاعات الطبلة والرق، إذ استبدلهما بآلات غربية وطوعها لتؤدى روحًا شرقية .
أحببت نطقه لحرف الراء، كما أحببت شخصيته المتواضعة، تابعت أخباره وحواراته، كنت أرى أنه نغمة تقابل نغمة عمارالشريعى، فكلاهما كان يجدد فى الموسيقى العربية، ويعدل ميزاج المستمع، وبخاصة جيلنا جيل الشباب آنذاك.
تزوجت إيمان يونس رغم تحذير أفراد الفرقة.. وسافر بعض أفراد الفرقة، وكالعادة قل نشاط الفرقة، ثم توقف، إلا أن هانى شنودة انطلق فى التلحين، وتأليف موسيقى تصويرية للكثير من الأفلام.
أنا أقلد الأصوات كم قلدت صوت إيمان يونس صوت يلازمك حتى بعد انتهاء الأغنية، صوت عذب سلس سهل، فهى أختك التى تدندن لا تستعرض قوة الصوت، لكن صوتها فيه حنية غريبة، تذكرنى بصوت شادية فى بداياته .
فى أحد الأيام بعد ما تسلمت عملى مديرًا لقصر ثقافة جاردن سيتى، دار حوار بينى وبين الشاعر الكبير شوقى حجاب عن إنشاء كورال خاص بالقصر، فلدينا أصوات جميلة، ويمتلك القصر مجموعة من الآلات الموسيقية، قبلها تحدثت مع د. محمد عبدالعزيز ليدرب الكورال لكنه كان مشغولاً بتلحين أكثر من مسرحية، ظل الكورال حلمًا من أحلامى، لم أصدق ما سمعته من شاعرنا شوقى حجاب.
من يقوم بذلك هانى شنودة
إيه.. إحنا لا تملك ميزانية.
أنت لا تعرفين هانى شنودة هو لا يهمه المال يهمه النجاح، واكتشاف المواهب والوقوف بجانبها .
صعب أن أتحدث معه، لا بد من كتابة مذكرة لرئيس الهيئة.
هذا أمر إجرائى خاص بك قال الشاعر الكبير شوقى حجاب، وفى نهاية الجلسة أعطانى رقم الفنان الكبير هانى شنودة.
نعم. من معى، كنت أستمع لصوته وتلك الراء الطفولية والغريب أكثر كلماته فيها حرف الراء
يبدو أن شوقى حجاب أخبره قبل بأن أحادثه
سألنى عندك آلات قلت نعم عندى بيانو وآلات أخرى.
حدد موعد حضوره لسماع الأطفال واختيار من يصلح صوته لينضم للكورال، كان فنانًا كبيرًا بسيطًا، انبهرنا بحديثه مع الأطفال، لم يعجبه البيانو قال لا بد من تصليحه، خسارة تلفه نتيجة عدم اللعب عليه، لاحظت كلمة اللعب، لم يستخدم كلمة العزف، اللعب هو الصلة بين الآلة والعازف، فلا رهبة أو خوف بل لا بد أن يكون اللعب متقنًا! .
أنت أمام فنان له رادار يلتقط تلك الذبذبات الصوتية،
سألنى من يشرف على النشاط الموسيقى،
فقابل المشرف الذى كان منبهرًا به سلفًا
بداية طيبة، سوف نستفيد من التجربة بصقل موهبة المشرف، ونضرب عصفورين بحجر، لكن للآسف لم تستمر التجربة، لأنه اعتذر بسبب سفره فى رحلة عمل، ثم استأنف التدريب.
وبعدها بشهور نقلت مديرًا عامًا لإدارة المواهب، ثم عدت إلى المبنى الرئيسى للهيئة فى عمارات العرائس، ثم تنقلت من إدارة إلى أخرى، وللأسف خسرنا تجربة لو تمت لكانت نتيجتها ستعم على كل فرق كورال الأطفال فى قصور الثقافة.
تمر الأيام وأُحلت إلى التقاعد، وفى عام ٢٠٢٠ يفوز زوجى محمد جبريل بجائزة الدولة التقديرية، وتقرر الوزارة بالاحتفاء بالحاصلين بجوائز الدولة، فى المجلس الاعلى للثقافة، من الحاصلين بالجائزة التقديرية، الشاعر الكبير شوقى حجاب، والكاتب الكبير يعقوب الشارونى، لم يستطع "جبريل" حضور الحفل، فحضرت بصفتى زوجته، وكانت زوجة شوقى حجاب الفنانة نهلة وابنته، ود. هالة الشارونى تنوب عن والدها يعقوب، جلسنا متجاورين، وفجأة سمعنا همهمات، صاحبت دخول الفنان الكبير هانى شنودة، كان يتوكأ فى مشيته بدا متعبًا على غير عادته، اتجهت إليه، سعدت عندما تذكرنى إزيك يا زينب، عند الإعلان عن اسمه اعتلى المسرح أشاع جوًا من البهجة، تحدث عن أهمية أن يكرم أى إنسان قدم لوطنه، وتحدث عن الفن والإبداع، كانت عيناه لامعتين تنظران إلينا نظرة فنان إلى جمهوره المحب، كنت أتمنى أن تنساب ألحانه خلفية لهذا الحفل فهو الموسيقار الذى قدم الكثير، لا يكفى أن تنفرد الشاشة العملاقة بصورته، هو النجم دون منازع صاحب كاريزما وحضور مبهر، أخذنا صورة جماعية للأسف لم تصلنا، تم الاحتفاظ بها فى أرشيف المجلس، لا أدرى لماذا كنت أردد قبل يوم من وفاته أغنية نجاة الفاتنة "أنا بعشق البحر" التى لحنها، وهذا الجو الذى يجعلك تنسى العالم، ولا يبقى إلا أنت والبحر وصوت نجاة ولحن هانى شنودة، والسباحة فى ملكوته .