مع حلول الإجازة الصيفية وبدء الرحلات إلى الشواطئ والمصايف، يزداد خروج المراهقين مع أصدقائهم، وتتصاعد المقارنات حول أماكن التنزه، والملابس، والمشتريات، وطريقة قضاء العطلات، وقد تدفع هذه الأجواء بعض الأبناء إلى الشعور بالضغط أو الرغبة في تقليد الآخرين، حتى وإن تجاوز ذلك إمكانات الأسرة أو احتياجاتهم الحقيقية، و لذلك، يصبح دور الأسرة أكثر أهمية في مساعدة المراهق على بناء ثقته بنفسه، وتعزيز شعوره بالرضا، حتى لا تتحول الإجازة إلى مصدر للتوتر بدلا من الاستمتاع.
ومن جهتها قالت الدكتورة إيمان عبد الله، استشارية العلاج النفسي الأسري، في تصريح خاص لبوابة "دار الهلال"، إن موسم المصايف لم يعد بالنسبة إلى كثير من المراهقين فرصة للراحة والاستجمام، بل تحول إلى موسم للمقارنات الاجتماعية واستعراض الحياة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، على الرغم أن الهدف الحقيقي من الإجازة هو الحصول على قسط من الراحة واستعادة النشاط بعد عام من الدراسة أو العمل، لكن وسائل التواصل الاجتماعي غيرت هذا المفهوم لدى كثير من المراهقين، فأصبح البعض يربط قيمة نفسه بالمكان الذي يقضي فيه إجازته أو بالصور ومقاطع الفيديو التي ينشرها أمام الآخرين.

وأوضحت أن متعة المصيف كانت في الماضي تتمثل في قضاء الوقت مع الأسرة، والاستمتاع بالبحر، وتكوين الذكريات الجميلة، بينما أصبح بعض المراهقين اليوم منشغلين بتوثيق كل لحظة وبثها مباشرة عبر الإنترنت سعيا للحصول على الإعجابات أو إثبات مكانتهم بين أصدقائهم.
وأكدت أن المشكلة ليست في الذهاب إلى المصيف أو مشاركة الصور، وإنما في المعنى الذي ترسخه وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبح كثير من المراهقين يقيسون قيمتهم الاجتماعية بما يشاهدونه عند الآخرين، وهو ما يولد لديهم مشاعر الإحباط والغيرة وعدم الرضا عن حياتهم، وهذه المقارنات قد تنعكس في صورة غضب أو عصبية داخل المنزل، وقد يطالب الابن أسرته بإنفاق يفوق إمكاناتها حتى يشعر بأنه لا يقل عن أصدقائه، وهو ما يفرض ضغوطا نفسية واقتصادية على الأسرة.
وأضافت أن وسائل التواصل الاجتماعي عززت ثقافة المقارنة بصورة كبيرة، لذلك من المهم تقليل تعرض المراهق للمحتوى الذي يثير لديه الشعور بالنقص أو التوتر، مع تشجيعه على الانشغال بأنشطة مفيدة وهوايات متنوعة تساعده على استعادة توازنه النفسي، وإتاحة الفرصة له للتعبير عن مشاعره بدلا من كبتها، لأن تجاهل هذه الأحاسيس قد يدفعه إلى مزيد من الضغوط أو السلوكيات السلبية، مؤكدة أن الحوار الهادئ داخل الأسرة يعد من أهم وسائل الدعم النفسي.
ولفتت إلى أن انشغال الأب والأم بالعمل قد يحرم المراهق من الاحتواء الذي يحتاج إليه، فيبحث عن الانتماء والتقدير لدى الأصدقاء أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مما يجعله أكثر عرضة للتأثر بالأفكار والسلوكيات الخاطئة، ولذلك فالأسرة مطالبة بالنظر إلى مرحلة المراهقة باعتبارها مرحلة نمو وليست مرحلة تمرد، مع ضرورة الاستماع إلى الأبناء أكثر من توجيه الأوامر إليهم، والفصل بين الخطأ الذي يرتكبونه وبين شخصياتهم، حتى لا يفقدوا ثقتهم بأنفسهم.
ونصحت بوضع حدود واضحة وثابتة للخروج واستخدام الهاتف والإنفاق، مع احترام خصوصية المراهق دون تجسس، واستبدال الرقابة الصارمة بالحوار القائم على الثقة والاحترام، وإشراك المراهق في اتخاذ بعض القرارات الأسرية، ومدحه على جهوده وإنجازاته، ومتابعة أي تغيرات تطرأ على نومه أو شهيته أو سلوكه، لأنها قد تكون مؤشرات تستدعي تقديم الدعم النفسي، وتخصيص وقت يومي لا يقل عن 20 دقيقة للحديث مع الأبناء والاستماع إليهم، لأن المراهق لا يحتاج إلى والدين مثاليين، بل يحتاج إلى أسرة تمنحه الأمان، وتحترم مشاعره، وتساعده على فهم ظروفها الاقتصادية، وتشاركه التخطيط لتحقيق أهدافه ورغباته بصورة واقعية.