هكذا هى قوة الجغرافيا التى جعلت «هرمز» القاسى يُجبر الجميع على النظر إلى الواقعية الإقليمية، وأولهم ساكن البيت الأبيض.
لقد أعادت الحرب كثيرًا من الحسابات، فى تحول دراماتيكى غيّر المسار العالمى وقلب موازين طهران وواشنطن والشرق الأوسط بأسره.
جاءت مذكرة التفاهم لتنهى المواجهات وترفع الحصار البحري، تمهيدًا لقمة جنيف المؤجلة، التى ترسم مسارًا جديدًا لمدة ستين يومًا لملفات النووى والاقتصاد الإيراني.
وهنا نكون أمام مجموعة من الاستنتاجات: هل فرضت لغة المصالح والقنوات السرية قواعدها قبل الوصول إلى حافة الهاوية؟ أم أننا أمام حالة جديدة من الهندسة الأمنية العالمية فى الشرق الأوسط؟
لكن هذا الاتفاق يدفعنا إلى التساؤل: هل يمثل تسوية سياسية واقتصادية مستدامة، أم مجرد هدنة تكتيكية فرضتها حسابات ساكن البيت الأبيض وما تعرضت له طهران من ضغوط اقتصادية؟ وكيف سينعكس هذا الاتفاق على الجبهة المشتعلة فى لبنان؟ ومن سيدفع الثمن؟
تتصدر الولايات المتحدة المشهد الطاقوى العالمي، ليكتمل لديها مثلث القوة: المالى والعسكرى والطاقوي. وتنشئ الولايات المتحدة حاليًا 26 ميناءً لتصدير الغاز الأمريكي.
كما أصبحت المزود الأكبر لأوروبا بالنفط والغاز، وتصدر حاليًا 16.5 مليون برميل يوميًا من النفط الخام ومشتقاته، منها 10.5 مليون برميل من المشتقات النفطية.
صحيح أن هناك استجابة فورية من أسواق الطاقة تمثلت فى هبوط أسعار النفط، لكن يظل هناك سؤال ملح: هل ارتكبت الأسواق خطأ عندما بالغت فى التفاؤل؟
فبمجرد الإعلان عن فتح مضيق هرمز، هبطت الأسعار كرد فعل أولي، وتغير مزاج الأسواق كثيرًا، كما تلاشت علاوة الذعر الجيوسياسي. لكن هناك فارقًا كبيرًا بين فتح هرمز وعودة حركة التجارة العالمية وتدفق ملايين البراميل من النفط مرة أخرى، أو العودة إلى الوضع الطبيعى للمضيق قبل الحرب.
فما زالت تكاليف الشحن والتأمين مرتفعة، وما زالت المخاوف من الألغام البحرية قائمة، فضلًا عن ازدحام الناقلات المتراكمة نتيجة الحصار، ومحاولات الدول تعويض المخزونات الاستراتيجية التى جرى السحب منها.
وهنا يجب الفصل بين الأخبار والواقع الجغرافي؛ فمن ناحية العرض والطلب لم يتغير شيء حتى الآن.
وعلى الأسواق العالمية ألا تبالغ فى إعادة التقييم، فنحن أمام ستين يومًا من علامات الاستفهام، كما أن لأصحاب السفن رأيًا آخر بشأن العبور الآمن، وأصبحت الثقة هى السلعة النادرة فى هذه المرحلة.
لا غالب ولا مغلوب فى هذه الحرب العبثية، ولعلنا أمام ستين يومًا ثقالًا بعدما تكبد العالم خسائر بلغت 1.3 تريليون دولار خلال ثلاثة أشهر، ولو استمرت الحرب حتى نهاية العام لوصلت الخسائر إلى 3.5 تريليون دولار.
وهناك عشرة ملايين وجبة مهددة بالفقدان أسبوعيًا بسبب الحرب، كما يعانى نحو 45 مليون شخص من الجوع نتيجة تداعياتها.
وتعيد الأسواق تسعير نفسها من جديد، بالإضافة إلى أن المنشآت النفطية فى الخليج تحتاج إلى وقت لاستعادة نشاطها. كما أن هناك عشرة آلاف بئر نفط معطلة تحتاج إلى فترة لإعادة التشغيل، خاصة مع ترقب الأسواق لعودة النفط الإيراني.
وستظل أسعار النفط تحت الضغط بين السحب من المخزونات الاستراتيجية وعودة الإمدادات إلى طبيعتها، علمًا بأن الوصول إلى 75 فى المائة من الطاقة التشغيلية يتطلب، على الأقل، أربعة أشهر.
وهنا يمكن القول: إذا استمرت الهدنة، فإن التعافى سيكون تدريجيًا؛ فهناك فوضى فى حركة الناقلات حول العالم تحتاج إلى إعادة تنظيم، كما أن توفير التأمين بأسعار معقولة يحتاج إلى شهرين على الأقل، بينما سيستمر السحب من الاحتياطيات حتى نهاية العام.
لقد أثبت تقرير أوبك الصادر بشأن الآفاق الاقتصادية أن شهية العالم ما زالت مفتوحة لمزيد من النفط والغاز، وهنا تتجلى أهمية جغرافيا هرمز وتأثيرها فى حركة الإمدادات الطاقوية العالمية.
نحن أمام مرحلة ما بعد الحرب، والاتفاق لا يزال تحت الاختبار. صحيح أن الحرب انتهت، لكن الأزمة لم تنتهِ بعد؛ فالألغام ما زالت موجودة، كما أن شركات التأمين والجهات المشرفة على الملاحة تنتظر وضوح القواعد الجديدة. وهنا يبدو أن فتح هرمز أسهل كثيرًا من إعادة الثقة إليه.
فالخوف ما زال يسيطر على الجميع بعد تأجيل اجتماع جنيف. فهل نحن أمام هدنة مستدامة أم فخ جيوسياسى جديد لشراء الوقت، بعدما أهدرت الحرب وقت العالم وكبدته خسائر باهظة بلا داعٍ؟
لقد دخلت إيران هذه الحرب مع أقوى جيش يمتلك قوة نارية هائلة، وخرجت منها باتفاق تاريخي، لكنها حققت فى المقابل مكاسب سياسية واقتصادية، من بينها فتح أسواق الطاقة الإيرانية أمام الاقتصاد العالمي، ووقف العقوبات المصرفية، ورفع الحصار البحري، والإفراج عن جزء من الأصول المجمدة، وإنشاء صندوق لإعادة الإعمار فى إيران بقيمة 300 مليار دولار.
ويبقى السؤال: هل دفعت إيران ثمنًا باهظًا مقابل هذه المكاسب، أم أن ترامب منحها ما عجزت عن الحصول عليه طوال ثلاثين عامًا؟
ولعل أوباما يبتسم الآن، لكن هكذا هى قوة الجغرافيا؛ دائمًا ما يكون لها رأى آخر، وتفرض كلمتها الأخيرة. إنها قوة هرمز القاسى الذى يجبر الجميع على التفاوض.