مع انطلاق امتحانات الثانوية العامة يقف مئات الآلاف من الطلاب وأسرهم على أعتاب المحطة التعليمية الأبرز والأكثر تأثيرًا فى مسيرتهم الدراسية، حيث تبدأ «أيام الحسم» التى طال انتظارها بعد عام كامل من الجهد والسهر والاستعدادات المكثفة، وتشهد امتحانات هذا العام مشاركة واسعة للطلاب بنظاميها الجديد والقديم، موزعين على آلاف اللجان بمختلف محافظات الجمهورية، وسط استنفار واستعدادات مكثفة أعلنت عنها وزارة التربية والتعليم لضمان انتظام سير الامتحانات وتحقيق الانضباط والعدالة داخل اللجان، حيث إن امتحانات الثانوية العامة ليست مجرد اختبارات أكاديمية، بل هى حدث مجتمعى استثنائى يحظى بمتابعة رسمية وشعبية واسعة، لما تمثله من نقطة فاصلة تُحدد المسار الجامعى والمهنى للشباب.
وخلف كل طالب تترقب الأسر المصرية بقلق وأمل مخرجات هذا الماراثون، معتبرة إياه بوابة العبور نحو مرحلة مستقبلية جديدة، وليس مجرد نهاية لمطاف دراسى، وفى الوقت الذى تتجه فيه الأنظار صوب طبيعة الأسئلة ومستوى الصعوبة، أكد خبراء التربية وعلم النفس أن ليلة الامتحان أو الساعات الأخيرة التى تسبق دخول اللجان لا تقل أهمية عن أشهر الدراسة الفائتة، بل قد تشكل العامل الحاسم فى تعزيز ثقة الطالب وهدوئه النفسى، وقدرته على استدعاء المعلومات بسلاسة.
فى هذا السياق، قال الدكتور تامر شوقى، الخبير التربوى: إن «الساعات التى تسبق الامتحان أو ما يُعرف بـ«ليلة الامتحان» تمثل مرحلة شديدة الحساسية فى رحلة الطالب، ولذلك يجب التعامل معها بحكمة وهدوء بعيدا عن الارتباك والتوتر، وأول ما ينبغى على الطالب مراعاته هو الحصول على قدر كافٍ من النوم والراحة، لأن النوم الجيد يساعد بصورة مباشرة على التركيز والتذكر أثناء أداء الامتحان، بينما يؤدى السهر إلى تشتيت الانتباه وضعف القدرة على استرجاع المعلومات، ومن الأخطاء الشائعة التى يقع فيها بعض الطلاب النوم لفترات طويلة خلال النهار أو الإكثار من تناول المنبهات والكافيين فى محاولة للبقاء مستيقظين، فهذه الممارسات قد تؤدى إلى الأرق والسهر ليلًا، وهو ما ينعكس سلبًا على الأداء الذهنى فى يوم الامتحان».
وأوضح أن «استخدام الأجهزة الرقمية والهواتف المحمولة لساعات طويلة خلال الساعات الأخيرة قبل الامتحان يرهق الذهن ويزيد من التشتت، لذلك يُفضل تقليل استخدامها قدر الإمكان والابتعاد عنها فى الساعات الأخيرة حتى يتمكن الطالب من الحفاظ على تركيزه وهدوئه النفسى، كما يجب الاهتمام بالتغذية السليمة وتناول وجبات صحية ومتوازنة دون إفراط أو تفريط، فالجوع قد يؤدى إلى تشتت الانتباه، بينما يؤدى الإفراط فى الطعام إلى الشعور بالخمول والكسل، كما يجب الانتباه إلى مراجعة الأجزاء المهمة من المنهج أو النقاط التى تحتاج إلى تثبيت فقط، وعدم محاولة مراجعة المقرر الدراسى كاملًا فى اليوم السابق للامتحان؛ فليلة الامتحان ليست الوقت المناسب لمذاكرة دروس جديدة أو التعرف إلى أفكار لم يسبق للطالب التعامل معها لأن ذلك قد يربكه ويؤثر على ثقته بنفسه، ويمكن الاكتفاء بالمراجعة الخفيفة والاعتماد على المذكرات والملخصات نفسها التى اعتاد الطالب المذاكرة منها طوال العام الدراسى، وعدم اللجوء إلى مذكرات جديدة أو مصادر غير مألوفة».
وشدد الخبير التربوى على ضرورة الابتعاد عن الشائعات والمصادر غير الموثوقة التى تتداول معلومات مغلوطة بشأن الامتحانات أو تدّعى معرفة شكل الأسئلة؛ فالمصدر الوحيد للمعلومات الصحيحة هو الجهات الرسمية المعنية، كما يجب تجهيز جميع الأدوات اللازمة قبل النوم، بما فى ذلك رقم الجلوس والأقلام الجافة وأقلام الرصاص والمسطرة والمناديل وغيرها من الأدوات التى قد يحتاج إليها الطالب داخل اللجنة، حتى لا يبدأ يومه فى حالة ارتباك أو قلق، ومن الضرورى تجنب الدخول فى مناقشات مطولة مع الزملاء حول الامتحان أو توقعات الأسئلة أو شائعات التسريب، لأن هذه الأحاديث لا تستند إلى حقائق وتزيد من الضغوط النفسية، وننصح بالذهاب مبكرًا إلى اللجنة للتعرف على مكانها وتجنب أى تأخير ناتج عن الزحام.
ولفت «شوقي» إلى الدور المهم للأسرة خلال هذه الفترة، وقال: على الوالدين توفير أجواء من الهدوء داخل المنزل والابتعاد عن أى سلوكيات قد تزعج الطالب أو تزيد من توتره، مع تجنب المقارنات أو اللوم والتركيز فقط على الدعم النفسى والتشجيع، كما أن شعور الطالب بالقلق أثناء الامتحان أمر طبيعى يمر به معظم الطلاب، ولذلك ينبغى احتواؤه وطمأنته بأن هذه المشاعر ستتراجع تدريجيًا بمجرد بدء الإجابة على الأسئلة، ويجب العلم بأن الاستعداد الجيد للامتحان لا يعنى المذاكرة حتى اللحظة الأخيرة، وإنما الوصول إلى اللجنة فى حالة نفسية مستقرة وتركيز مرتفع.
من جانبه، أوضح الدكتور عادل النجدى، عميد كلية التربية بجامعة أسيوط سابقًا، أن «ماراثون الثانوية العامة يمثل تجربة جديدة ومهمة فى حياة الطلاب، ولذلك ترتفع معدلات القلق مع اقتراب موعد الامتحان، وأفضل ما يمكن أن يفعله الطالب فى ليلة الامتحان هو التركيز على الملخصات والقوانين والنقاط الرئيسية التى سبق له مراجعتها أكثر من مرة خلال العام الدراسى، لأن الوقت المتبقى قبل الامتحان لا يسمح بإعادة دراسة المقرر بالكامل، ولذلك يجب توجيه الجهد نحو مراجعة الأفكار الأساسية والرجوع إلى مواضع الأسئلة فى الامتحانات السابقة، خاصة تلك التى تمثل نماذج متكررة أو تقيس الفهم والتطبيق، كما أن مراجعة الأخطاء السابقة تعد من أهم الخطوات التى ينبغى على الطالب القيام بها قبل الامتحان، لأن العودة إلى الأسئلة التى أخطأ فيها خلال العام الدراسى أو أثناء المراجعات النهائية تساعده على اكتشاف مواطن الضعف وتجنب تكرارها مرة أخرى».
ونوه «النجدي» بأهمية تجهيز جميع الأدوات والأوراق المطلوبة مسبقًا، مثل بطاقة تحقيق الشخصية أو بطاقة الرقم القومى ورقم الجلوس والأقلام وسائر المستلزمات الخاصة بالامتحان حتى يتفرغ الطالب للتركيز فى الامتحان نفسه بدلًا من الانشغال بأى أمور جانبية، كما أن النوم الكافى عنصر أساسى فى تحقيق الأداء الجيد داخل اللجنة، لأن السهر الطويل يقلل من مستوى الانتباه والتركيز ويؤثر على قدرة الطالب على تحليل الأسئلة واتخاذ القرارات الصحيحة أثناء الإجابة، مع التغذية السليمة التى لا تقل أهمية عن المذاكرة، فتناول وجبات خفيفة ومتوازنة مع شرب كميات مناسبة من الماء والعصائر الطبيعية يساعد على تنشيط الذهن وتحسين التركيز، مع ضرورة التقليل من المنبهات ومشروبات الطاقة.
وحول كيفية التعامل مع البابل شيت، قال عميد «تربية أسيوط» سابقًا: أول خطوة يجب أن يحرص عليها الطالب هى كتابة البيانات الشخصية ورقم الجلوس بدقة شديدة قبل البدء فى قراءة الأسئلة أو الإجابة عنها، مع مطابقة أرقام الأسئلة بين كراسة الأسئلة والبابل شيت باستمرار لتجنب أى أخطاء قد تؤثر على النتيجة، مع الالتزام بطريقة التظليل الصحيحة وفقًا للتعليمات المعلنة، والحرص على وضوح التظليل وعدم الخروج عن حدود الدائرة وعدم وضع أكثر من إجابة للسؤال الواحد، ويجب تخصيص الدقائق الأخيرة من الامتحان لمراجعة ورقة الإجابة والتأكد من عدم ترك أى سؤال دون إجابة، ويجب الحرص على أن ليلة الامتحان ليست مناسبة لحفظ المنهج من جديد، وإنما هى فرصة لتنظيم المعلومات وتهدئة الأعصاب واستعادة الثقة بالنفس وحسن إدارة الوقت، والتركيز أثناء قراءة الأسئلة قد يكون أكثر تأثيرًا من ساعات طويلة من المذاكرة المرهقة قبل الامتحان مباشرة.
فيما أكدت منى أبوغالى، مؤسس ائتلاف تحيا مصر بالتعليم، ومؤسس حوار مجتمعى تربوى، أن «أصعب ليلة يمر بها طالب الثانوية العامة هى الليلة الأولى قبل بداية الامتحانات، حيث يعيش كثير من الطلاب حالة من التوتر والخوف والقلق بسبب شعورهم بأن هذه الامتحانات تمثل لحظة فاصلة فى حياتهم ومستقبلهم؛ فهذا القلق طبيعى للغاية، لأن الطالب يشعر وكأنه يقف أمام بوابة جديدة ينتظر عبورها منذ سنوات طويلة، لكن المهم هو ألا يسمح لهذه المشاعر بالسيطرة عليه أو التأثير على ثقته بنفسه، وأفضل أسلوب للمراجعة خلال هذه الليلة هو القراءة السريعة لمختصرات الدروس والاطلاع على أمثلة محلولة وأسئلة سبق الإجابة عنها بصورة صحيحة، ومحاولة حل أسئلة جديدة أو معقدة لأول مرة قبل الامتحان قد تؤدى إلى ارتباك الطالب وإحباطه إذا أخطأ فى الإجابة أو نسى بعض المعلومات».
وأضافت أن «الطالب يجب أن يتجه إلى تثبيت المعلومات وليس اختبار نفسه بصورة مرهقة فى الساعات الأخيرة، لأن الهدف الأساسى هو الحفاظ على التوازن النفسى والذهنى قبل دخول اللجنة؛ فرهبة الامتحان ستبدأ فى التراجع تدريجيًا بعد انتهاء اليوم الأول، حيث يكتسب الطالب قدرًا أكبر من الثقة والخبرة فى التعامل مع الأجواء العامة للامتحانات، مع ضرورة الالتزام الكامل بتعليمات المراقبين داخل اللجنة، خاصة فيما يتعلق بكتابة البيانات وتظليل رقم الجلوس ونموذج الأسئلة بصورة صحيحة؛ فكثير من المشكلات التى قد تواجه الطلاب لا ترتبط بصعوبة الأسئلة، وإنما بأخطاء إجرائية يمكن تجنبها بالتركيز والانتباه؛ فبعض الطلاب يعتقدون أنه يجب أن يحصلوا على نفس نموذج الأسئلة فى جميع الامتحانات، بينما الحقيقة أن النماذج قد تختلف من مادة لأخرى، والأهم هو التأكد من تسجيل النموذج الصحيح على ورقة الإجابة».
ونبهت بضرورة المحافظة على ورقة البابل شيت وعدم الإكثار من الشطب أو الكشط، والانتباه إلى التظليل داخل الدوائر المخصصة فقط، مع متابعة الوقت بصورة مستمرة طوال الامتحان، فأى إجابات يكتبها الطالب داخل بوكليت الأسئلة فقط دون نقلها إلى البابل شيت لن يُعتد بها فى التصحيح أو عند التظلم، ولذلك يجب الانتباه جيدًا لهذه النقطة.
بينما أكدت سماح الحبشى، أدمن جروب أولياء أمور مدارس مصر، أن الثانوية العامة رغم أهميتها الكبيرة ليست نهاية الطريق أو آخر الأحلام، بل هى بداية مرحلة جديدة يستطيع الطالب من خلالها بناء مستقبله وإثبات ذاته فى التخصص الذى يلتحق به لاحقًا، وأهم رسالة يجب أن تصل إلى الطلاب قبل الامتحان هى أنهم بذلوا جهدهم بالفعل طوال العام الدراسى، وأن ما تبقى الآن هو التوكل على الله والثقة فى النفس وعدم الاستسلام للخوف، كما أن النوم الجيد لمدة تتراوح بين ست وثمانى ساعات يعد من أهم عوامل النجاح فى يوم الامتحان، لأن السهر الطويل يؤثر سلبًا على التركيز والقدرة على استدعاء المعلومات ويزيد من التوتر العصبى، والاستيقاظ مبكرًا وتناول وجبة خفيفة وشرب الماء أو العصائر أمر ضرورى، خاصة فى ظل ارتفاع درجات الحرارة، محذرة من الذهاب إلى اللجنة دون طعام أو شراب لأن ذلك قد يؤدى إلى الشعور بالإجهاد أو الهبوط أثناء الامتحان.
وبيّنت أن المذاكرة الفعلية تكون قد انتهت بالفعل قبل يوم الامتحان، وأن ما يحتاجه الطالب هو مجرد تذكير بالنقاط الأساسية أو مراجعة بعض الأسئلة التى سبق حلها، مع عدم الانشغال بأى مراجعات جديدة صباح يوم الامتحان؛ فالطالب يجب أن يبتعد عن الأشخاص الذين يثيرون القلق والتوتر أمام اللجان، والذين يرددون عبارات الخوف أو عدم التذكر أو صعوبة المادة، لأن هذه الأجواء السلبية قد تؤثر على الحالة النفسية للطالب قبل دخوله اللجنة، والالتزام بإجراءات التفتيش والتعاون مع المراقبين أمر ضرورى لضمان سير الامتحان بصورة منظمة، كما أن الدقائق الأولى داخل اللجنة يجب أن تُستغل فى مراجعة البيانات والتأكد من كتابة الاسم ورقم الجلوس ورقم النموذج بصورة صحيحة.
وأضافت أن التعامل مع البابل شيت يحتاج إلى تركيز شديد أثناء نقل الإجابات، مع الحرص على عدم ترك دوائر فارغة أو الوقوع فى أخطاء الترحيل بين الأسئلة، مع أهمية مراجعة جميع الإجابات قبل تسليم الورقة، ولا بد من معرفة أن الخوف لن يغير شيئًا من الواقع، بينما الثقة بالنفس والتركيز والهدوء قادرة على مساعدة الطالب فى استثمار كل ما تعلمه طوال العام الدراسى، ونتمنى لجميع الطلاب التوفيق والنجاح وتحقيق أحلامهم فى المرحلة الجامعية المقبلة.