فى مشهد يعكس عمق الرؤية الوطنية التى تتبناها القيادة السياسة وتنفذها فى الجمهورية الجديدة، تحولت الأكاديمية العسكرية المصرية إلى ما يستحق أن يوصف بـ«منارة للتنوير والتأهيل المدنى» لاسيما أنها استقبلت على مدار دفعات متتالية نخبة من أئمة وزارة الأوقاف، إلى جانب كوادر حكومية من مختلف القطاعات، فى برنامج تدريبى لا يقتصر على الجانب الأكاديمى فحسب، بل يمتد ليشمل تأهيلاً نفسياً وبدنياً وسلوكياً متكاملاً، هذا البرنامج الذى جاء ثمرة لتوجيهات القيادة السياسية، يهدف إلى غرس قيم الانضباط، وترسيخ مفاهيم الأمن القومى، وبناء جيل واعٍ قادر على حمل رسالة التنوير، والتصدى بحكمة واقتدار لمخاطر العصر التى تتربص بالوطن من كل حدب وصوب. ولعل آخرها كان حفل تخرج الدفعة رقم (3) لأئمة وزارة الأوقاف، «دفعة الإمام حسن العطار»، من الأكاديمية العسكرية المصرية، والذى أقيم بقاعة الصفوة بمقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة وذلك بحضور الرئيس عبدالفتاح السيسى، وخلال الاحتفالية وجه الرئيس بصعود الدارسين الحاصلين على المراكز العشرة الأولى بالدورة للمنصة لتحيتهم وتوجيه التهنئة لهم، كما وجه بمواصلة تأهيلهم بدراسات عليا، بما فى ذلك دراسة إمكانية إيفادهم فى بعثات تعليمية بالخارج.
لم تأت فكرة إلحاق الكوادر المدنية بالتدريب داخل الأكاديمية العسكرية وليدة الصدفة، لكنها جاءت استجابة لرؤية عميقة تدرك أن «تحصين العقول يسبق فى أهميته تحصين الأبدان»، وأن مواجهة التحديات غير التقليدية التى تتعرض لها الدولة، من شائعات مغرضة وحروب نفسية وفتن ممنهجة، تتطلب بناء وعى وطنى راسخ لا يتزعزع، وفى هذا السياق، أكد اللواء محمد الغباشى، الخبير الاستراتيجى، مدير مركز آفاق للدراسات الاستراتيجية، أحد المحاضرين البارزين فى مجال الأمن القومى، أن «هذه الدورات المدنية تمثل نقلة نوعية حقيقية فى مسار بناء الوعى الوطنى، حيث تدمج بين التثقيف الأمنى المتخصص، والانضباط السلوكى الصارم، والتدريب النفسى العميق، لتخرج فى النهاية مواطناً مدركاً تمام الإدراك لحجم التحديات المحيطة بوطنه، قادراً على التمييز بوعى واقتدار بين الحقيقة والشائعة، متمسكاً بالثوابت الوطنية والدينية التى تشكل حصن حمايته فى وجه أى اختراق فكرى أو ثقافى».
اللواء «الغباشى»، أوضح أن «المناهج المعتمدة فى هذه الدورات تركز بشكل أساسى على ثلاثة محاور رئيسية متكاملة، لا يمكن الفصل بينها، وهى: المحور الأول المتعلق بالتوعية الشاملة بمخاطر الأمن القومى، حيث يتم تعريف المشاركين بطبيعة التهديدات الداخلية والخارجية التى تواجه مصر، وتدريبهم على آليات مواجهة الشائعات والأخبار المضللة التى تهدف إلى زعزعة الاستقرار، والمحور الثانى الذى يركز على ترسيخ الالتزام بالمعايير القانونية والأخلاقية فى التعامل مع الجمهور، وغرس مفهوم الانضباط الوظيفى الذى ينعكس إيجاباً على جودة الأداء وخدمة المواطن، أما المحور الثالث فيتعلق بإشعار المشاركين بعظمة الدور الذى تضطلع به القوات المسلحة فى حماية الوطن، وتعزيز إحساسهم بالمسئولية والانتماء، وإدراكهم أن الأمن القومى مسئولية جماعية لا تقتصر على رجال الجيش والشرطة وحدهم، بل تمتد لتشمل كل مواطن مخلص يعمل فى موقعه بكفاءة وإخلاص».
وأضاف أن «فئة الأئمة والدعاة تحظى باهتمام خاص فى هذا البرنامج، نظراً لدورهم المحورى الفاعل فى توجيه الرأى العام وتشكيل الوعى الجمعى، إذ يتم تدريبهم على آليات التأكد من المعلومات قبل تداولها، ومواجهة الشائعات بحكمة وعلم، ونبذ الفتن والتصدى لدعوات التفرقة، بما يكفل حماية المجتمع من الاختراقات الفكرية التى تستهدف النسيج الوطنى المتماسك».
لم تكن الصورة مكتملة دون الإنصات لصوت من عاش التجربة على أرض الواقع، وواجه التحديات وجنى ثمار الإنجاز فى آن واحد، عبدالله عبده، أحد خريجى الدفعة الثالثة من أئمة الأوقاف، وصف أيامه فى الأكاديمية بأنها كانت بمثابة «رحلة إعادة تشكيل حقيقية للشخصية» بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حيث جمعت بين الدراسة العلمية المتخصصة التى شملت علوم الفقه والدعوة، ومكافحة الفساد بكل أشكاله، وعلم النفس الوظيفى الذى مكنه من فهم أعماق النفس البشرية، وبين الانضباط الصارم الذى غرس فى نفسه حب النظام وتقدير الوقت.
وأكد «عبدالله»، أن «الأيام التى قضاها داخل الأكاديمية كانت تخضع لجدول دقيق ومحكم يبدأ فى تمام الرابعة فجراً مع اللياقة البدنية، وينتهى بمواعيد محددة للنوم لا تحتمل التأخير، مما علمه تقدير كل لحظة من عمره، والاستغناء تماماً عن مشتتات العصر التى تخطف التركيز، وعلى رأسها الهواتف المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعى، لمدة ستة أشهر كاملة، ليكتشف أن الإنسان قادر على العيش بتلقائية وصفاء دون ارتباط دائم بشاشة صغيرة».
«التحديات» أمر لم ينكر «عبدالله» مواجهته خلال تدريبه فى الأكاديمية، لكنه يرى أنها كانت بمثابة اختبار حقيقى للإرادة والعزيمة، خاصة فيما يتعلق بفراق الأسرة والأبناء لفترة طويلة، مؤكدًا أن «من ينظر إلى التجربة بعين الإيجابية والاستفادة، يخرج منها بثمار لا تقدر بثمن، على رأسها ضبط النفس والتحكم فى الانفعالات، والالتزام الصارم بالمواعيد، والقدرة الفائقة على التركيز وإنجاز المهام فى وقت قياسى، فضلاً عن الانفتاح على ثقافات زملائه الذين قدموا من مختلف محافظات مصر، من الصعيد إلى السواحل، مما أضاف إلى رصيده المعرفى والاجتماعى الكثير، ووسع أفق تفكيره، وجعله أكثر قدرة على التعامل مع تنوع المجتمع المصرى بكل أطيافه».
فى حين ذهب خالد صابر، زميل عبدالله فى الدفعة نفسها، إلى أبعد من ذلك فى تحليل أثر التجربة، حيث أوضح أن «التأهيل العسكرى لم يكن مجرد تدريب انقضى بانتهاء المدة، بل غير جذرياً وبشكل ملموس فى طريقة إعداده وتجهيزه لخطبه ودروسه الدينية التى يلقيها على منبر المسجد، ففى السابق، كما يروى، كان يؤجل إعداد الخطبة إلى آخر لحظة قبل صلاة الجمعة، فينجزها على عجل فتخرج سطحية المحتوى ضعيفة التأثير على المصلين، أما اليوم، وبعد تلك التجربة، أصبح يستيقظ باكراً قبل الفجر، وينجز تحضيره الكامل للخطبة قبل السابعة صباحاً، ويمعن فى البحث والاطلاع والرجوع إلى المصادر، بما ينعكس بوضوح على جودة خطابه الدينى وعمق رسالته التوعوية، ويجعل منه قدوة عملية فى الالتزام والإخلاص».
وأضاف «خالد» أن «الأكاديمية غرست فيه وفى زملائه مبادئ المساواة والمشاركة التى تغيب غالباً فى الحياة المدنية، حيث يتشارك الجميع فى ارتداء الزى الموحد، وتناول الطعام نفسه، والالتزام بالجدول اليومى ذاته، مما يزرع روح الفريق ويعزز احترام الآخر وتقديره، ويقضى على كل مظاهر التمايز الطبقى أو الاجتماعى، كما أتاحت له فرصة التعارف الوثيق مع زملائه من خلفيات ثقافية والذين يتقنون لهجات مختلفة (الإنجليزية، الفرنسية)، مما وسع أفقهم الثقافى واللغوى، وزاد من قدرتهم على التفاعل الإيجابى مع مختلف فئات المجتمع، وفهم تنوعاته التى تشكل ثراءً حقيقياً للوطن، ويشير إلى أن هذه الروح الجماعية امتدت حتى إلى العلاقة مع الطلبة العسكريين، مما خلق جواً من التلاحم الوطنى داخل أسوار الأكاديمية، وجعلهم يشعرون أنهم جميعاً جنود فى معركة واحدة لحماية مصر.
لم يغفل القائمون على البرنامج أهمية الجانب النفسى فى بناء الشخصية القادرة على المواجهة، إذ خضع المشاركون لدورات مكثفة ومتخصصة بإشراف أخصائيّ علم النفس، لتعليمهم كيفية التعامل مع الضغوط النفسية، ومواجهة الصدمات والمفاجآت، وتنمية مهارات القيادة الذاتية واتخاذ القرار تحت ضغط، كما كانت اللياقة البدنية جزءاً لا يتجزأ من الروتين اليومى، حيث خضعوا لتمارين صباحية منتظمة ونشاطات رياضية متنوعة، شملت كرة السلة وغيرها من الألعاب الجماعية، وهو ما ساهم بشكل كبير فى تحسين صحتهم الجسدية، ورفع كفاءتهم الإنتاجية، وزيادة ثقتهم بأنفسهم، ومنحهم حيوية ونشاطاً ينعكس على أدائهم الدعوى والوظيفى على مدار اليوم.
وأشار الخريجون فى شهاداتهم إلى أن هذه العناصر المتكاملة – العلمية المتخصصة، والنفسية العميقة، والبدنية المنتظمة – هى التى صنعت الفارق الحقيقى بين خريج الأكاديمية وغيرهم من زملائهم الذين لم يخوضوا هذه التجربة، فبات الأئمة أكثر وعياً بمخاطر العصر ومفاعيله، وأكثر قدرة على تحصين أنفسهم ومجتمعاتهم من دعوات التطرف والتطاحن، وأكثر التصاقاً بوطنهم وقائدهم، وأكثر استعداداً لتقديم نموذج مشرف للإمامة والخطابة فى زمن تتعدد فيه وسائل التأثير وتتشابك فيه الرسائل.
لم يخف الخريجون سعادتهم الغامرة بالتوجيهات التى أعلنها الرئيس عبدالفتاح السيسى خلال حفل تخرجهم، حيث شدد على دعمه الكامل لبرامج الابتعاث الخارجى للأئمة والدعاة، بهدف تطوير قدراتهم العلمية واللغوية، ونقل الخبرات والمعارف الجديدة إلى مصر، بما يسهم فى نشر الصورة المشرفة للدعوة الإسلامية والعلم المصرى فى الخارج، ويعزز مكانة مصر كمنارة للوسطية والاعتدال فى العالمين العربى والإسلامى.
وفى هذا السياق، أكد «عبدالله» أن «هذه المبادرة الرئاسية تستحضر فى جوهرها تجربة رائد التنوير المصرى الكبير رفاعة الطهطاوى، الذى سافر إلى فرنسا فى القرن التاسع عشر وعاد منها محملاً بالعلوم والطبائع النافعة، ليسهم بشكل فعال فى بناء نهضة مصر الحديثة»، داعياً القيادة إلى استمرار هذه البرامج وتوسيع نطاقها لتشمل فئات أوسع وأكثر تنوعاً من الموظفين العموميين فى مختلف القطاعات، لأنها تمثل استثماراً حقيقياً فى رأس المال البشرى المصرى، وتحصيناً للأمن القومى من الداخل، وإشاعة لروح الانتماء والوعى فى كل مفاصل الدولة.
ومع إقرار الجميع بأن عدد المشاركين فى هذه الدورات لا يزال محدوداً نسبياً مقارنة بالحجم الضخم للجهاز الحكومى الذى يتجاوز ستة ملايين ونصف المليون موظف، إلا أن اللواء «الغباشى» لفت إلى أن «التأثير الحقيقى لهذه التجربة لا يقاس بالأعداد الكمية بقدر ما يقاس بنوعية النماذج المشرفة التى ستخرج من رحم هذه الأكاديمية، لتكون قدوة حسنة وقدوة عملية فى مؤسساتها، وستنقل ما تعلمته من قيم ومهارات بالتدريج وبالإشعاع الطبيعى إلى زملائها، من خلال أدائها المتميز وانضباطها الواضح ووعيها العميق».
وتابع أن «هذا التأثير سيمتد بالتدريج ليطال بيئات العمل بأكملها، فوجود موظفين اثنين أو ثلاثة على درجة عالية من الوعى والانضباط فى مؤسسة تضم مائة موظف، يمكن أن يغير من ثقافة المؤسسة كلها عبر الزمن، ويخلق منافسة إيجابية نحو الأفضل، وهذه هى الطريقة المصرية الأصيلة فى التغيير، خطوة بخطوة، دون استعجال أو عصا سحرية، لكن بإرادة ثابتة وإيمان راسخ بأن الإنسان المصرى هو أغلى ما تملكه الدولة، وأن الاستثمار فيه هو الاستثمار الأضمن لمستقبل أكثر إشراقاً وأماناً».