هل هناك منطق متسق وقواعد معروفة تحكم السوشيال ميديا، أم أنها متروكة للانفعالات السريعة والانطباعات وليدة اللحظة؟
يبدو للمتابع أن السوشيال تقوم على الانفعال اللحظى فى المقام الأول، ولذا لن تجد لها موقفا واضحا ومستقيما فى كل الحالات.. وأمامنا ثلاث حالات فى الفترة الأخيرة.. آخرها حالة عُرفت بمسمى «مقتل بائعة الشاى»، التى وقعت صباح الجمعة، حيث استقل صبى (15 عاما) سيارة والده واصطحب صديقة له (14 سنة)، وفى الطريق ترك قيادة السيارة للصديقة، فصدمت سيارة مجهزة لبيع الشاى، وقتلت الفتاة التى تعد الشاى وأصابت زميلة لها، تداعيات الحادث أمام النيابة العامة، التى أمرت بحبس الفتاة والصبى ووالده الذى سمح له بقيادة السيارة.
سوف نلاحظ أن السوشيال هنا اتخذت موقفا من الفتاة التى كانت تقود السيارة باعتبارها الفاعل الرئيسى، لكن لم يتم التركيز على بقية أطراف الحادث، مثل الصبى ومثل صاحب السيارة، وبقية أطراف الواقعة، وظروف حدوثها.. فقط الفتاة التى كانت تقود.. مَن يكون الوالد، ابنة من..؟ ودخل على الخط الذباب الإلكترونى ليخترعوا والدًا لها.. رغم أن الملف بأكمله فى النيابة العامة، وهناك ثلاثة قيد الحبس.. ربما يزداد العدد وفقا لمقتضيات التحقيق وما يكشف عنه.
قبل هذه الواقعة بأيام، كانت هناك حادثة مفجعة، وقعت فى إحدى قرى مركز الحامول، حيث ذهبت رئيسة الوحدة المحلية لتنفيذ حكم صادر بإزالة بيت مخالف، وما كان من نجل صاحب البيت وهو ليس قاصرا، إلا أن حمل مادة بترولية وألقاها على السيدة رئيسة الوحدة وعلى سيارتها، ثم أشعل فى السيدة النار وأُصيبت بعدة حروق، وفجأة تحولت السوشيال ميديا إلى تبرير ودفاع حار عن المجرم الذى أشعل النيران فى السيدة جهارًا نهارًا، فى عرض الشارع.. دفاع صريح ومباشر عن مجرم شرع فى قتل سيدة حرقًا وهى تمارس عملها وتنفذ القانون.
حاول هنا أن تبحث عن المنطق فى هذا الموقف، غير أنه دفاع عن الجريمة وتبنٍّ لها ومحاولة تقديم مبررات وأعذار للمجرم، مع إنكار احترام القانون وتنفيذه.
السيدة هنا كانت تنفذ القانون وتقوم بواجبها الوظيفى، وإذا لم تقُم به فإن هذا الجمهور نفسه، كان سيتهمها بالقصور والفساد، لماذا سكتت عنه وكم دفع ومنْ أوصى عليه.. وهكذا؟!
سوف ننحى جانبا الأخلاق والتقاليد التى لا تحبذ التجاوز فى حق سيدة، فى عرض الطريق، فما بالنا بصب مادة بترولية عليها وإشعال النار فيها؟!.
الواقعة الثالثة كانت قبل أيام، تتعلق بالسيدة التى قالت إنها كانت طبيبة متدربة لعدة شهور فى مستشفى الشاطبى بالإسكندرية بين عامى 2021-2022، وأنها رأت ممارسات لا أخلاقية ولا طبية من بعض زملائها، وذكرت واقعة، جرت داخل غرفة العمليات أثناء توليد سيدة، وذكرت إجراء اتخذه الطبيب، ثم قالت «وطبعا ده تحرش»، وقالت إنه تم فى حضورها وحضور فريق طبى كامل.. ولأن المستشفى تعليمى يتبع جامعة الإسكندرية، فضلا عن أنه من أعرق مستشفيات الإسكندرية، أصدرت الجامعة بيانا قالت إن حق المرضى مصان لديها والتزام الفريق الطبى بالمعايير موضع تقدير منها، لذا قررت التحقيق فيما قالته السيدة على صفحتها، ثم إبلاغ النيابة العامة، وفى تحقيقات النيابة قالت إن بعض الوقائع التي تحدثت عنها سمعت بها، ولم تشاهدها وأنها ابتعدت عن ممارسة الطب واتجهت إلى الفن، وأنه كانت تنقصها الخبرة العلمية، أفرجت عنها النيابة بكفالة مالية ثم أُحيلت يوم السبت إلى محكمة الجنايات، إلى هنا فإن القضية برمتها فى يد القضاء، قد يدين السيدة أو يبرئها، المهم أنه بمجرد أن أبلغت الجامعة النيابة العامة وبدأت التحقيق، حتى انقلبت السوشيال ميديا تندد بالتحقيق، وبمساءلة الطبيبة عما دوّنته على صفحتها، وهكذا صارت ضحية وشهيرة لديهم، رغم أن بديهيات الأشياء أن يتم التحقق من الوقائع والتحقيق فيما اعتبرته هى سلوكا غير طبى وغير أخلاقى، ومنْ يهمه مصلحة المرضى والحفاظ على حقوقهم واحترام خصوصيتهم، فضلا عن احترام جسد المريض، رجلاً أو امرأة، يجب أن يطالب بالتحقيق الفورى والشفاف، لا أن يغضب ويثور لذلك.
مع الانفعالات العفوية للبعض والمشاعر الانطباعية التى تسود وتغلب، لكننا نلمس بعض الخيوط العامة، تقودنا إلى ما يسمى الذباب الإلكترونى أو العبث المنظم من مجموعات، وربما تنظيمات، أو حتى أجهزة مخابرات تتابع وتوجه فى بعض المواقف.
مثلا، فى أى واقعة أو موقف تكون أى مؤسسة رسمية طرفا فيها، مثل حالة مستشفى الشاطبى، فإن التوجه يكون نحو إدانة المؤسسة بالمطلق وإدانة القائمين عليها بالفساد والمحسوبية، وحماية منْ يوجه إليها أى اتهام، حتى لو كان الكذب والاختلاق يفوح منه، كما هو فى حالة الطبيبة، التى ذكرت فى تحقيقات النيابة أنها كتبت تحت الانفعال ولجذب أكبر عدد من المتابعين لصفحتها.
ونحن نميل إلى تصديقها، فلو كانت تمتلك خبرة أكثر لما ذكرت اسم المستشفى حتى لا تقع تحت طائلة القانون، ولما ذكرت ما يخص النساء - ما لم تكن متيقنة تماما مما تكتب وليس على طريقة قالوا لي - لأن ذلك يتعلق بالشرف والعرض ولن يسكت عليه أى طرف رسمى أو أهلى، لكن الذباب الموجه الذى يسعى لإدانة مؤسسات الدولة والمجتمع، خاصة فى الجانب الطبى، الذى يتعلق بمصائر الملايين، آثروا مساندة السيدة والتصدى للتحقيق حتى يظل الاتهام قائمًا، ومع الإلحاح والتكرار ومع الوقت يصير حقيقة واقعة.
الأمر نفسه ينطبق على سيدة قرية «تفتيش أبو سكين، بالحامول، السيدة تعرضت لمحاولة اغتيال، رغم ذلك تدينها السوشيال وتدافع عن المجرم، وهنا دعونا نتذكر أولئك الذين دافعوا عن الإرهابيين، سيدة كرداسة التى سقت عميد الشرطة ماء نار، حين طلب شربة ماء، بينما كانت روحه تصعد إلى بارئها، الفارق كبير بين الواقعتين وظرف كل منهما وملابساتها، لكن فى النهاية المنطق واحد، من يدافع عن القانون ويقوم بإنفاذه مدان أولا، وقتله مباح، وهذا هو الإرهاب، وإن اختلف موقع ممارسته وتوقيته والدافع الذى يتم به .
فى حادثة السيارة وقتل بائعة الشاى البريئة، سوف تلاحظ أن أحدا لم يهتم عبر السوشيال بهذه البائعة وأسرتها، الذى اهتم هو وزير العمل وقرر صرف مساعدة للأسرة قيمتها مائتا ألف جنيه، هذا المبلغ ليس تعويضًا ولا هو فدية، بل مساعدة للأسرة من الجهة المختصة رسميا بالعمل والعاملين، وأتوقع أن تقدم السيدة وزيرة التضامن مساعدة أخرى، لكن هذا كله لا يسقط حقها القانونى، فهى تعرضت للقتل، والأمر برمته فى يد القضاء، والدليل أن النيابة العامة ما زالت تواصل التحقيق.
لكن السوشيال تترك كل هذا وتقف فى نقطة واحدة هى والد الفتاة، الذى تبين أنه مواطن يعمل فى العلاقات العامة بأحد المستشفيات الخاصة.
طبعا تحقيقات النيابة وإعلان الحقائق، نموذج عملى للقضاء على الشائعات المغرضة ومواجهتها بحزم ودقة.
بالعودة إلى السوشيال، يجب تقدير التعاطف مع المظلوم، ولكن يبدو أن هناك مَنْ يحرص على دفع السوشيال بعيدا عن أى منطق أو عقل، كى تظل فى دائرة الانفعالات والانطباعات السريعة والمتعجلة، فى مثل تلك الحالة من الانفعال السريع، يمكن توجيه المشاعر حيث يريد دعاة الفوضى والهدم، وتوجيه المشاعر ضد مؤسسات الدولة والقائمين عليها وضد فكرة القانون وإعماله، الانفعال يسمح للمغرض أن يندس ويردد ما يريده ويسمح للمتآمر أن يشعل النيران ويمدها بالوقود باستمرار، ومع كثرة النيران المشتعلة يتكون الانطباع بعدم الأمان والخوف والقلق، وتولد أيضا الكراهية والعدوانية، ومع التحريض على مؤسسات الدولة، بدءا من الوحدة المحلية فى قرية بسيطة فى محافظة كفر الشيخ ومن قسم النساء والتوليد فى مستشفى جامعى يتحقق الانهيار، ويتم الخراب الذى يحلمون به.
وعلينا أن ندرك بيقين أن السوشيال سوف تظل كذلك لفترة، وهنا لا بد من التعامل بالقانون والتحقيق فى وقائع كل حالة، إدارة مستشفى الشاطبى تستحق التقدير لأنها فتحت تحقيقا ولجأت إلى النيابة العامة، والحق أن بيان جامعة الإسكندرية يستحق أن يدرس، فهو لم ينطلق من الإنكار، ولكن أكد أن حق المريض وحمايته واجب مقدس لديهم، وأن ما ذكرته الطبيبة سوف يخضع للتحقيق، وهذا ما قادهم إلى أن يتجهوا نحو النيابة العامة، وضعوا الأمر كله بين يدى النائب العام، هذا الموقف نموذجى من مؤسسة تحترم المواطن وتؤمن بالقانون وتحترم اسمها وسمعتها.
ومنْ يتابع السوشيال فى الفترة الأخيرة يلحظ أن بها استهدافًا لسمعة الطب والمؤسسات الطبية فى مصر، لا يبدو الأمر بريئا ولا عفويا، فالطب أحد أبرز جوانب القوة الناعمة فى مصر واستهدافه مقصود، من أطراف داخلية وخارجية.
أما حادث السيارة، فقد سبقته حوادث عديدة، بعضها كان قاسيا للغاية، وكل حادث صاحبه لغط مشابه، لكن طبقاً للسوشيال يتم وضع أى حادث فى ثنائية الفقر والغنى، وليس فى كفة احترام القانون والحفاظ على حق المواطن وسلامته، هو منطق الانفعال السريع، الذى يكون من خلاله دسّ السم، والطعن فى مؤسسات بأكملها، هل نتذكر حادث الطفل الذى كان والده أحد رجال القضاء، ورغم أن القانون سار بقوة وصرامة، لكن اتخذها البعض وقتها حجة وذريعة للطعن فى مؤسسة بأكملها.
أيا كان الأمر، فى ظل هوجة السوشيال وانفعالاتها، لا بد من أن نمسك بزمام القانون وهو صوت الحق والعدل، وللقانون قوة يجب أن تنفذ وله مهابة لا بد أن تظل مصانة وفاعلة.
وإذا كانت السوشيال فى أحد جوانبها تعبر عن الحرية فى التعبير وإبداء الملاحظة، فإن تلك الحرية لا بد لها من قانون يحميها من الفوضى والعبث ودولة تصونها.