المفارقة التى وجدتها إنه لم يكن بمدرسة الطب تخصص مستقل له، وكان تخصص الولادة من نصيب النساء بمدرسة الولادة أو القابلات وعبر السنوات تغيرت خريطته لتميل الكفة لاسيما مناصبه ليشغلها الرجال.
ويذكر د. أحمد عزت عبد الكريم فى سِفره العظيم عن تاريخ التعليم المصرى فى القرن الـ 19، أنه بعد تأسيس مدرسة الطب أو ما عُرفت بعد ذلك باسم قصر العينى أو عام 1827 بأبو زعبل على يد الفرنسى د.كلوت بك، وكان قبل تأسيس المدرسة قد أرسل البعثات الخارجية لتعليم الطب خاصة لفرنسا، ويضيف أنه بوجود مدرسة الطب ازداد الشعور بجهل -الدايات الشعبيات - ولما كان من الصعب إقناع المرأة والمجتمع بطبيب رجل ليكشف عليها فى ذلك الزمن، فبدأ التفكير فى إنشاء مدرسة الولادة بعد ثلاث سنوات فقط من إنشاء مدرسة الطب، وتم ذلك عام 1830 وأنه د. كلوت بنفسه سيلقى الدروس بما فيها تطبيب النساء والأمراض السرية -والتى لا أعرف المقصود بها - وبعد عامين وافق الوالى «محمد على» على مذكرة د. كلوت، وصدرت الأوامر باختيار أغوين من حرم قصر القلعة، وكانا ملمين بالقراءة والكتابة ليتعلما الطب والجراحة، مع شراء 10 من الجوارى الصغيرات السوداوات؟! وهنا ملاحظة أن أن الأمر الرسمى لم يكن لشراء الجوارى فقط ولكنه اشترط السوداوات وليس من ذوات البشرات الأخرى!، وهكذا تكونت نواة مدرسة الولادة من الأغوات والجوارى، وعين الأغوان نظرا لتفوقهما مدرسين بالمدرسة ومنحا رتبة يوزباشى.
ويضيف د. عزت أن الجوارى الأميات قد تعلمن جيدا وبعد ثلاث سنوات أتممن، الدراسة النظرية وهذا لا يكفي، فتم إنشاء مستشفى صغير بالقرب من مدرستهن الداخلية بأبو زعبل، ونجحت التجربة وزادت أعداد طالبات المدرسة الأولى للبنات بمصر، والتى ساهمت كما يقول د. عزت عبد الكريم بقسط كبير من الإصلاح الاجتماعى، وتبدلت حياة عدد من الطالبات النسوة خاصة أنهن كن فقيرات، وهذا حدث بعد تطبيق رؤية كلوت بك بضرورة إدخال وقبول المصريات، فتم قبول عدد من اليتيمات الفقيرات بين سن 12، 13 سنة وبضمانة شيخ الحى حتى لا يهربن، وتشجعت الحكومة وزاد عدد الطالبات ووصل عددهم إلى 40 تلميذة عام 1841، ثم 60 تلميذة، ولم ينقص عددهن أبدا على عكس تقليص أعداد طلاب المدارس العليا الأخرى، وتم توفير الآنسة جوليت المتخرجة من مدرسة التوليد بباريس لتعليم الطالبات الجزء العملى بالمستشفى، وتم تعيين الأوائل من طالبات المدرسة للتدريس بها، وتم صرف مرتبات مساوية تماما لزملائهم الأطباء الرجال وتمنح فورا الخريجة رتبة الملازم ولقب أفندى فور التخرج على عكس زملائها، وتم صدور قرار تزويجهن من زملائهم الأطباء بل توفير المسكن وتجهيز المتخرجات على نفقة الحكومة، وبعد أن تدارس الديوان بنفسه طلبات الزواج ويتحرى عن سلوك الزوج طالب الزواج، وتم تعيين الأخريات من غير الأوائل للعمل بالمراكز العمومية بالدولة المصرية، وفى عهد عباس تقلص الدور والأعداد بالطب، ثم أمر سعيد باشا بإغلاق ديوان المدارس تخفيضا للنفقات، فأغلق قصر العينى ومعه مدرسة المولدات ولكن أعيد فتحهما بعد تراجعه عن القرار، ثم عادت للازدهار والنمو مرة أخرى بعناية الخديو إسماعيل، وكما تذكر المراجع فإنه وأولاده تم ولادتهم على يد كبيرة المولدات جليلةً تمرهان والتى كتبت كتابا عن القابلات بل إنه أرسل بعثة مخصوصة لتعلم طب النساء والتوليد وكانت من نصيب د. محمد شكرى باشا وسيكون من أساتذة د.نجيب محفوظ بعد ذلك.
ولكن فى عصر الاحتلال الإنجليزى واللورد كرومر تم تقليص الإنفاق على التعليم عموما وتقلصت الأعداد، وتحولت مدرسة المولدات لإعادة هيكلة لتكون المدرسة ليس بها دراسة مواد من الطب كما كانت، وإنما مجرد مساعدة فى التمريض وليست حكيمة وهو لقب الخريجات ومساوية للقب الطبيب الحكيم، حتى جاء د. نجيب محفوظ والذى ترك تخصص التخدير ليعمل بالجراحة والمشرف على طب الولادة الذى كان جزءا من الجراحة، فتقدم لاحقا بطلب لإنشاء قسم مستقل لطب النساء والتوليد وتفرغ له تماما وأشرف عليه، وقبل الموافقة على إنشاء القسم المستقل، كانت الدراسة بقصر العينى حكرا على الرجال ومن ثم بالقسم كذلك، واستمر ذلك الوضع إلى عام 1929 حينما وافق د. على إبراهيم عميد قصر العينى على قبول النساء ضمن خطة الجامعة السرية وقتها بقيادة د. طه حسين وأحمد لطفى السيد لقبول الطالبات، والتحق بالفعل عدد قليل ومنهن كوكب حفنى ناصف التى سوف تساعد د. نجيب محفوظ فى عمله بالجراحة، وتعتبر أول منْ أجرت جراحة الولادة القيصريّة بمصر، ونستطيع أن نقول إنها سلكت السلك الأكاديمى، أما د. هيلانة سيداروس والتى يطلق عليها أول طبيبة تفتح عيادة خاصة، فقد درست الطب فى إنجلترا فى أوائل العشرينات عن طريق بعثة حكومية كانت ذهبت إليها لدراسة الرياضيات والفيزياء، ولكن تحول مسارها حينما طلبت إنجلترا فتح مستشفى كيتشنر للنساء بمصر فوافقت على تحويل البعثة إلى دراسة الطب، والمفارقة أنه سيتم تعيين كوكب حفنى ناصف بعد حصولها على بعثة كذلك مديرة لمستشفى كتشنر -مستشفى شبرا العام -وكذلك عملت د. هيلانة بالمستشفى، وساعد ذلك على نشر الطب والصحة بجانب، وبفضل جهود د. لطفية السبع التى كانت ربما الأولى لنشر الوعى عبر وسائل الإعلام وأدى ذلك إلى نشره وزيادة الأعداد، ولى شخصيا واقعة مع د. لطفية السبع وأنا طفلة أثناء علاجها لأمى.
ورغم زيادة التحاق الطالبات بالطب إلا أنه تأخر للغاية ولعقود ربما نصف قرن؛ ليتم تعيين امرأة من الأوائل بمنصب رئاسة القسم أو مديرة المستشفيات مثلما نرى اسم الدكتورة أميمة إدريس الآن، المفارقة أن طب الأزهر للبنات رأست القسم به سيدات وقبل الجامعات المدنية الحكومية رغم أنها الأقدم؟.
والسؤال المنطقى وما فائدة هذا السرد التاريخى، فأجيب أن فائدته التى أستنتج منها التحول من سيطرة نسائية إلى شبه سيطرة ذكورية للمناصب بالقسم، وذلك سيمثل مراكز السطوة فى القرار لا سيما وأنه ساعد على ذلك أن الكثيرات من النساء كن يهربن من ذلك لصعوبة التخصص ومواعيده غير الثابتة، والتى ربما لا تلائم المرأة فى بدايات حياتها لتكوين أسرة ورعاية أطفالها، وهذه المفارقة توضحها لغة الأرقام، ففى حديثى مع د. عماد درويش وكيل طب الإسكندرية الأسبق ورئيس قسم النساء سابقا ذكر لى أن عدد النواب الذكور 29 نائبا مقابل تفوق واضح لعدد 45 نائبة امرأة، ولكن فى عدد المدرسين المساعدين ستنقلب الآية بالأرقام وتكون الطالبات نصف عدد المعيدين، وهو ما أستنتج منه أنها ربما نفس النسب والأرقام لصالح الطلاب فى مستشفيات الجامعات الحكومية الأخرى، وأن ما يقرب من 4000 حالة ولادة طبيعية سنويا تتم بها، والتى يجب أن أن نذكر وبوضوح لا يحتمل اللبس أنها ما زالت تعالج بالمجان وأن هذه المؤسسات -ومنها الشاطبى -عظيمة الجهد فى العلاج، والولادة خاصة للحالات الصعبة من فقيرات هذا الوطن، وهذه شهادة يجب أن أن نقر بها، أن المستشفيات الجامعية الحكومية وأطباؤها كذلك هم من أوائل وأعلى المجاميع بالثانوية العامة، لذلك هى الحصن والملاذ للأغلبية، ورغم أنها اختلفت تماما عن البدايات، كاحتكار نسائى كذلك فى هذا التخصص الطبى، ولكن بعد تغيير الأهداف مع الاحتلال لتصبح أقرب إلى مدرسة تمريض وليس طب ولادة، مما جعل الأكثرية للذكور فى الأعداد فى التعامل، ومع تغيير النظرة للمرأة منذ السبعينات فى القرن الماضى مع دخول التيار الدينى بل وسيطرته على عديد من كليات الطب بل ونقابة الأطباء كذلك فى وقت من الأوقات نستطيع أن نفهم ونقر نمط الشكاوى القليلة للغاية، ولكنها هامة وذات مغزى أو مما يقال عن ممارسات العنف التوليدي، كما ظهر فى العديد من البوستات والفيديوهات بالسوشيال ميديا مؤخرا والذى يمكن معالجته -رغم قلته - بتوفير إصلاح إدارى وتوفير الإمكانيات والموازنات خاصة مع التطور العلمى المذهل فى مضادات الألم عند الولادة الطبيعية، ولكن مع قلة أعداد الأطباء وإرهاق أو طول مدد النبطشيات، فيؤدى إلى الإرهاق فى العمل لأن من يطلع على جداول العمل سيصاب بصدمة، يضاف إلى ذلك ضرورة فهم التركيبة النفسية لتحمل الألم للمرأة وهو عامل هام لنفهم الآلام الولادة والقدرة على تحملها وتوفير الوقت اللازم لها فى ضوء التقدم العلمى، فى مقابل سهولة القيصرية ونسبها فى ازدياد وشديدة الارتفاع بمصر.
إذن هناك مجموعة عوامل لظهور شكاوى –رغم أن بعض مما قيل بالفيديو الشهير يصعب منطقيا وعمليا حدوثه فى كشك الولادة - لذلك علينا دراسة مجمل العوامل والظواهر للتطوير، ومنها التاريخى كما سردت، وكذلك الاجتماعى والنفسى والاقتصادى والإدارى لكل الأطراف سواء للأطباء وللنساء وللمريضات الفقيرات، وكما اقترحت سابقا ليس فقط تدريس مقرر لأخلاقيات المهنة للجميع بل دخول مقررات العلوم الإنسانية من اجتماع وتاريخ وعلم القيم والأخلاق بل وعلم الألم وكيفية مواجهته وتحمله فالنساء يستحقن الكثير.