وكان الإصدار الثانى ضرورة لا ترفًا؛ إذ لم تأتِ إعادة الصياغة من فراغ، بل كانت استجابة لثلاثة ضغوط متداخلة: أولها بيئة خارجية شديدة الاضطراب خلال عامى 2023 و2025، إذ تزامنت موجة رفع أسعار الفائدة عالميًا مع اختلالات سلاسل الإمداد وتصاعد التوترات الجيوسياسية الإقليمية، وهى ظروف اعترفت الحكومة صراحة بأنها جعلت تنفيذ النسخة الأولى أصعب بكثير مما افترضته تلك النسخة من طموحات.
وثانيها: ضغط داخلى تمثل فى مطالب الحوار الوطنى، الذى شرفت بالمشاركة فيه، والذى دعا إلى مراجعة منطق خروج الدولة من بعض القطاعات وإعادة النظر فى أولوياتها.
وثالثها، وهو الأهم منهجيًا: نضوج الإطار القانونى بصدور القانون رقم 170 لسنة 2025 الخاص بتنظيم أحكام ملكية الدولة فى الشركات المملوكة لها أو المساهمة فيها.
غير أن المحرك الأعمق كان الحاجة إلى معالجة الانتقادات الجوهرية التى رافقت الإصدار الأول. فقد عابه كثيرون أنه افتقر إلى مؤشرات أداء واضحة، ومؤشرات تنفيذ قابلة للقياس، ومؤشرات نتائج وأثر اقتصادى مباشر، كما اتسم تنفيذه بالبطء، وانزلق عمليًا نحو التركيز على بيع الأصول أكثر من تعظيم قيمتها. ويتضح هذا الخلل حين ننظر إلى حصاد البرنامج؛ فبالقياس الموسع بلغت حصيلة الطروحات نحو 25 صفقة بقيمة 37 مليار دولار، لكن وفق المنهجية المعتمدة من صندوق النقد الدولى، التى تستبعد صفقات الأراضى والاستثمار العقارى، تنكمش الحصيلة إلى نحو 5.9 مليار دولار عبر 23 صفقة فى 20 شركة. هذه الفجوة بين الرقمين تكشف أن الجزء الأكبر من «الإنجاز» جاء من بيع أصول عقارية لمرة واحدة، لا من تخارج حقيقى من النشاط الإنتاجى الذى كان الهدف المعلن. أى أن النسخة الأولى حققت هدفًا تمويليًا عابرًا أكثر مما حققت هدفًا هيكليًا دائمًا، وهذا بالضبط ما يسعى الإصدار الثانى إلى تصحيحه.
ولا شك أن التحول الفكرى من إدارة الأصول إلى إدارة الدور الاقتصادى هو جوهر الإصدار الثاني؛ حيث الانتقال من «منطق إدارة الأصول» إلى «منطق إدارة دور الدولة»، لأنه لم تعد الوثيقة وثيقة انسحاب، بل أصبحت إطارًا حاكمًا يعيد تعريف موقع الدولة فى الاقتصاد ذاته. وقد خُصص فيها قسم مستقل بعنوان «الدور الاقتصادى للدولة»، تتحول فيه الدولة من فاعل يدير النشاط الاقتصادى بصورة مباشرة إلى منظم محايد وممكن للسوق ومالك استراتيجى يهيئ البيئة المواتية للقطاع الخاص. وهذا التعريف المركب، الدولة كمنظم وضامن للحياد التنافسى وكمالك استراتيجى وكممكن فى آن واحد، هو الفرق النوعى الأبرز عن النسخة الأولى التى اختزلت دور الدولة فى معادلة ثنائية بسيطة: إما البقاء وإما الخروج.
والأهم أن الفلسفة الجديدة تقوم على الإدارة الفاعلة لمحفظة الأصول والشركات المملوكة للدولة، لا على التخلص منها بأى ثمن. فالهدف لم يعد البيع فى ذاته، بل تحويل الأصول الجامدة وغير المستغلة، وحتى الخاسرة منها، إلى أصول تدر دخلًا وإلى كيانات استثمارية رابحة قبل أن يُتخذ قرار بشأن طرحها أو الاحتفاظ بها. وهنا تتجلى الحكمة الاقتصادية: الأصل الذى يُباع وهو خاسر يُباع بأبخس قيمة، أما الأصل الذى تُرفع كفاءته أولًا فيتحول البيع، إن حدث، من مجرد سد لفجوة تمويلية إلى صفقة تعظم قيمة المال العام وتجذب مستثمرًا استراتيجيًا قادرًا على نقل التكنولوجيا والخبرة.
ومن أدق ملامح التطور، وإن بدا فنيًا، انتقال «وحدة التحليل» من القطاع إلى الأصل. حيث كان الإصدار الأول لوثيقة سياسات ملكية الدولة يتعامل مع القطاعات ككتل متجانسة: قطاع للتخارج، وآخر للبقاء. لكن القطاع الواحد يضم شركات متباينة فى الكفاءة والربحية والموقع التنافسى، فالتعميم على مستوى القطاع يطمس هذا التباين ويفرض قرارًا واحدًا على حالات مختلفة.
أما الإصدار الثانى فيتعامل مع كل أصل وكل شركة على حدة، وهو تطور فى فلسفة الفكر الاقتصادى يمنح الدولة مرونة أكبر بكثير؛ إذ يمكنها أن تطور شركة، وتعيد هيكلة أخرى، وتطرح ثالثة، وتبقى على رابعة لاعتبارات استراتيجية، كل ذلك داخل القطاع نفسه. هذه الدقة فى القرار هى ما يحول السياسة من شعار عام إلى أداة إدارية قابلة للتنفيذ والقياس، حيث يدرك الإصدار الثانى أن أكبر عقبة واجهت تطبيق سابقه لم تكن فى الفكرة بل فى الحوكمة، وتحديدًا فى تداخل الاختصاصات بين الجهات المالكة. ولذلك جاء التطوير فى هيكل إدارة ملكية الدولة بما يعزز مركزية إدارة الأصول، وينظم تبعية الشركات، ويرفع كفاءة الإشراف الاستثمارى. وتأسيس ذراع احترافية لإدارة الأصول، مع توزيع واضح للأدوار بين وزارة المالية بوصفها معبرة عن مصلحة الخزانة، والصندوق السيادى بوصفه أداة استثمارية لتعظيم القيمة، ووحدة الشركات المملوكة للدولة بوصفها جهة الإشراف، من شأنه أن يقلص التداخل الذى طالما عطل القرار وأضعف المساءلة.
ومن زاوية أخرى، لم يعد الإصدار الثانى وثيقة مستقلة تعمل بمعزل عن بقية السياسات الاقتصادية للدولة، بل أصبح جزءًا من منظومة اقتصادية متكاملة ترتبط ارتباطًا وثيقًا برؤية مصر 2030، وبرنامج الإصلاحات الهيكلية، واستراتيجية جذب الاستثمار الأجنبى المباشر، فالمستثمر المحلى أو الأجنبى لم يعد يبحث فقط عن الفرص الاستثمارية، بل أصبح يبحث بالأساس عن وضوح الأدوار واستقرار السياسات الاقتصادية وقدرة الدولة على الالتزام بخططها طويلة الأجل، ومن هنا تأتى أهمية الإصدار الثانى باعتباره يبعث برسالة طمأنة للأسواق الدولية ومؤسسات التمويل العالمية بأن مصر تتجه نحو بناء اقتصاد أكثر تنافسية يقوم على وضوح الحدود الفاصلة بين دور الدولة الاقتصادى ودور القطاع الخاص، كما أن وجود إطار مؤسسى مستقر لإدارة الأصول الحكومية يسهم فى تقليل حالة عدم اليقين التى كانت تمثل أحد التحديات الرئيسية أمام المستثمرين خلال السنوات الماضية.
ولا يقتصر الأمر على جذب رؤوس الأموال الأجنبية فقط، بل يمتد إلى تحسين جودة هذه الاستثمارات، بحيث تتحول الأولوية من جذب استثمارات قصيرة الأجل تستهدف تحقيق أرباح سريعة إلى استثمارات استراتيجية طويلة الأجل ترتبط بنقل التكنولوجيا، وتوطين الصناعة، وزيادة القيمة المضافة المحلية، ورفع القدرة التصديرية للاقتصاد المصرى، كما أن هذه الرؤية تتكامل مع توجه الدولة نحو التحول إلى مركز إقليمى للإنتاج والخدمات اللوجستية والصناعات ذات التكنولوجيا المتقدمة، بما ينعكس إيجابيًا على معدلات التشغيل والنمو الاقتصادى المستدام.
ويبقى الشرط الحاكم لنجاح هذه البنية هو الفصل الكامل بين دور الدولة كمنظم للسوق ودورها كمستثمر فيه، فحين تجمع الدولة الدورين فى يد واحدة، ينشأ تضارب مصالح. ولكى تضمن الحياد التنافسى للحكومة وهى خصم ومنافس فى الوقت ذاته، تظل مبادئ الحياد التنافسى وتكافؤ الفرص وإحكام الفصل المؤسسى ليست تفصيلًا تنظيميًا، بل هى حجر الزاوية فى مصداقية الوثيقة كلها أمام المستثمر المحلى والأجنبى، وهذا ما أوضحته الوثيقة فى إصدارها الثانى.
ومن أهم ما أضافه الإصدار الثانى إدماجه إصلاح الهيئات الاقتصادية لأول مرة ضمن إطار سياسة ملكية الدولة. وهذه الهيئات تمثل جزءًا ضخمًا من النشاط الاقتصادى للدولة، وبعضها، للأسف، يحقق خسائر متراكمة ويستنزف موارد عامة. واستهداف إعادة هيكلتها وإعادة تصنيفها ورفع كفاءتها المؤسسية والمالية يوسع نطاق الإصلاح ليشمل تكتلات ظلت طويلًا خارج دائرة الضوء.
ولم تكتفِ الوثيقة بجانب الملكية، بل خصصت مساحة معتبرة للإصلاحات المالية الداعمة لبيئة الأعمال تتمثل فى إصلاح ضريبى وجمركى، وتحول رقمى، وتبسيط للإجراءات يتجسد فى إطلاق منصة موحدة للكيانات الاقتصادية تجمع التراخيص والموافقات فى نافذة واحدة. وهذه الإصلاحات ليست ترفًا مكملًا، بل هى المحدد الحقيقى لقدرة القطاع الخاص على ملء الفراغ الذى تتركه الدولة؛ فالتخارج من دون بيئة أعمال محفزة يعنى انتقال الاحتكار من يد الدولة إلى يد القطاع الخاص، ذلك لأن قيام سوق تنافسى حقيقى وتحقيق الأثر الاقتصادى المتوقع يتطلبان هذه البيئة.
إذا نجح هذا الإصدار فى التنفيذ، فإن آثاره ستمتد إلى قلب المالية العامة، فرفع كفاءة الشركات وإعادة هيكلة الخاسر منها سيقلص الدعم الموجه إليها، ويخفض الاحتياجات التمويلية الحكومية، ومن ثم يحد من الاقتراض الحكومى الذى بات عبئًا ثقيلًا على الموازنة العامة للدولة واستنزافًا لمواردها.
ومن ثم فإن تقليل الخسائر أو منعها يعنى دينًا أقل، ويعنى هامشًا ماليًا أوسع لشبكات الأمان الاجتماعى وحماية الفئات الأولى بالرعاية.
كما أن نجاح الوثيقة بشكلها الجديد سيدعم تحسين التصنيف الائتمانى لمصر، لأن المؤسسات المالية الدولية تنظر بإيجابية إلى وضوح دور الدولة، ورفع كفاءة إدارة الأصول، وتعزيز المنافسة، واتساع مساهمة القطاع الخاص، وهنا تجدر الإشارة إلى أن مساهمة القطاع الخاص تجاوزت بالفعل 65 فى المائة من حجم الاستثمارات خلال عام 2025، وهى نسبة مرتفعة وأعلى من الأعوام السابقة.
غير أن المستهدف الحقيقى هو رفعها إلى ما يتجاوز 80 فى المائة قبل عام 2030. وهذا هو الاختبار الفعلى للوثيقة؛ أن تتحول الريادة فى الاستثمار إلى القطاع الخاص، بحيث يقود هو عجلة النمو، فيما تحتفظ الدولة بحضورها فى الأنشطة الاستراتيجية والسيادية فقط.
ولا شك أن نجاح الإصدار الثانى لوثيقة سياسات ملكية الدولة مرهون بالتنفيذ على أرض الواقع، خاصة أن التحول الأهم فى الإصدار الثانى أن مصر لم تعد تتحدث عن «الخروج من الاقتصاد»، بل عن «إعادة تعريف دورها فيه». لقد انتقل الخطاب من دولة تدير النشاط الاقتصادى مباشرة إلى دولة تدير أصولها بكفاءة وتفسح مجالًا أوسع للقطاع الخاص ليقود النمو، مع احتفاظها بموقعها فى القطاعات السيادية. وهذه رؤية أنضج وأكثر واقعية، لأنها تتعلم من تعثر النسخة الأولى وتستند إلى أساس قانونى ومؤسسى ومنظومة لقياس الأثر لم تكن متوافرة من قبل.
لكن يبقى التحذير قائمًا: الوثيقة فى أحسن صورها ليست سوى إطار، والعبرة فى التنفيذ. فنجاحها مرهون بسرعة الإنجاز قبل أن تتبدل الظروف، وبالانضباط المؤسسى الذى يمنع تحول «إدارة الدور» إلى ذريعة لإبطاء التخارج تحت شعار تعظيم العائد، وبالمتابعة الدائمة عبر مؤشرات أثر صارمة، وبالفصل الكامل بين الدولة المنظمة والدولة المستثمرة، فإن توافرت هذه الشروط، تحول الإصدار الثانى من وثيقة طموحة إلى نقطة تحول فعلية فى بنية الاقتصاد المصرى، وإن غابت، فسنكون أمام نسخة أكثر بلاغة من سابقتها، لكنها تواجه المصير نفسه.