رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

اقتصاد مصر.. «عبور آمن» من عاصفة الحرب


18-6-2026 | 12:10

.

طباعة
بقلم: د. عبد المنعم السيد

بعد أكثر من 100 يوم من حربٍ أغلقت أهم ممر نفطي في العالم، جرى التوصل لاتفاق سلام نهائى، ينص على رفع العقوبات النفطية عن طهران وإعادة فتح مضيق هرمز، وبدأت أسواق النفط والذهب والشحن تتحسب للتطور قبل أن يجف حبر التوقيع.

 

لا يقتصر وقع الخبر على ساحة القتال، فالمضيق الذي يعبره نحو 20 فى المائة من النفط والغاز المسال عالمياً وضع منطقة بأكملها على المحك منذ إغلاقه في 28 فبراير الماضي، وكان الخليج العربي ومصر في القلب منها، وإن على طرفي نقيض: الأول مُصدر احتُجزت صادراته، والثاني مستورد تضاعفت فواتيره النفطية بعد زيادة ما نطلق عليه «علاوة الحرب» التي بدأت تتبخر، فبعد أن سجل خام برنت قمة تجاوزت 113 دولاراً في مارس، بصعود يقارب 50 فى المائة منذ بدء الحرب، عاد ليغلق بعد التلويح فقط بالتوصل لاتفاق مبدئي عند 87 دولاراً مع تنامي آمال السلام، وإن بقي أعلى بأكثر من 20 فى المائة مقارنة بما قبل الحرب، وإن كانت عودة النفط لما كان عليه قبل الحرب لن تكون فورية، إذ يتطلب الأمر تطهير المضيق من الألغام، وإعادة تشغيل حقول متوقفة، وإصلاح منشآت تضررت بالطائرات المسيرة والصواريخ، أي أن الانخفاض سيكون تدريجياً لا انهيارياً.

ولا شك أن الحرب دفعت دول الخليج إلى خفض الإنتاج وملء خزاناتها، فيما لا بديل بحرياً لصادرات الغاز المسال القطرية والإماراتية سوى المضيق نفسه، وتوقف إنتاج مجمع رأس لفان القطري بعد هجوم بطائرة مسيرة، وتراجعت إمدادات الغاز المسال بأكثر من 300 مليون متر مكعب يومياً، وقدّر صندوق النقد الدولي انكماشاً في خمسة من ثمانية اقتصادات إقليمية، بينها قطر والكويت والعراق، فيما رجح «جولدمان ساكس» تراجع ناتج السعودية بنحو 3 فى المائة والإمارات بنحو 5 فى المائة إذا استمر التعطل.

ورداً على ذلك، أسرعت دول الخليج إلى بناء بدائل دائمة لهرمز منها خط أنابيب ثالث لشركة «أدنوك» نحو الفجيرة، وتوسيع منافذ السعودية على البحر الأحمر واستخدام خط سوميد المصري الذي كان يستوعب في حدود 6 ملايين برميل يومياً، أي ما يقرب من 25 فى المائة من الصادرات السعودية، ويعني الاتفاق للخليج عودة الإيرادات النفطية وتحسن موازينه المالية، لكن مع علاوة مخاطرة لن تتبدد دفعة واحدة، كما أن الاتفاق قد يعيد تنشيط الاستثمارات المؤجلة في المنطقة، خاصة في قطاعات الطاقة والخدمات اللوجستية مع تراجع تكاليف التأمين والشحن البحري، بما يدعم حركة التجارة ويعزز جاذبية المنطقة للاستثمارات الأجنبية.

أما مصر، وبوصفها مستورداً صافياً للنفط والغاز والقمح، فقد تلقت الصدمة من قنوات عدة؛ حيث قفزت فاتورة استيراد الغاز الشهرية المصرية من 560 مليون دولار إلى نحو 1.65 مليار دولار بعد توقف الإمدادات الإسرائيلية من حقلي تمار وليفياثان، كما تضررت قناة السويس، أحد أهم مصادر النقد الأجنبي فبعد أن بلغت إيراداتها 10.2 مليار دولار في 2023، هبطت إلى نحو 4 مليارات في 2024، ثم تراجعت إيرادات الربع الأول من 2026 بنحو 38 فى المائة سنوياً مع تحول السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح، وعلى صعيد الأموال فقد سحب مستثمرو المحافظ الأجنبية نحو 6 مليارات دولار من السوق المصرية، فسمح البنك المركزي بمرونة سعر الجنيه الذي تراجع بنحو 2.6 فى المائة مطلع الحرب، وسط ضغوط تضخمية مستوردة هددت مكسب خفض التضخم إلى ما دون 12 فى المائة في يناير.

ولا شك أن إعادة فتح هرمز تعني لمصر تنفساً مزدوجاً يتمثل في خفض فاتورة الطاقة وتعافي إيرادات القناة تدريجياً، لكن الحرب فتحت نوافذ فرص أيضاً منها زيادة تدفقات خط أنابيب «سوميد» ونقل النفط السعودي من ينبع إلى المتوسط، وارتفاع أسعار صادرات مصر من الأسمدة والألومنيوم مع تعطل صادرات الخليج واحتمال استفادة السياحة من تراجع وجهات منافسة، والثمن المقابل للاتفاق هو تراجع هذه الميزة السعرية المؤقتة.

كما أن الإعلان عن الاتفاق أدى إلى تراجع بريق الذهب، بينما تترقب أسواق الأسمدة مرحلة جديدة من الاستقرار، فمحلياً استقر جرام الذهب عيار 21 عند نحو 6310 جنيهاً بعد أن هبط خلال الأسبوع إلى 6035 جنيهاً، وهو أدنى مستوى منذ منتصف يناير، متأثراً بتراجع الذهب عالمياً مع انحسار علاوة المخاطر الجيوسياسية، إلا أن الاتفاق يضغط هبوطياً على الذهب عبر إضعاف الطلب على الملاذ الآمن وقوة الدولار، بينما تدعمه على المدى الأطول مشتريات البنوك المركزية واحتمالات خفض الفائدة الأمريكية، والأرجح استمرار التذبذب مع ميل هبوطي قصير الأجل، أما الأسمدة التي يمر نحو ثلث تجارتها عبر هرمز فقفزت أسعار اليوريا من 490 إلى أكثر من 700 دولار للطن، فيما ارتفعت الأمونيا بنحو 20 فى المائة، ويُنتظر أن يخفف الاتفاق من هذه الضغوط.

وعلى المستوى المالي، استبقت الأسواق الخبر بارتياح؛ إذ صعد مؤشر «S&P 500» بنحو 1.8 فى المائة في 11 يونيو، وارتفعت معظم بورصات العالم، خاصة أسواق الشرق الأوسط، وعلى المستوى العالمي، يمنح الاتفاق الاقتصاد الدولي فرصة لاحتواء الضغوط التضخمية المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة والنقل، كما يدعم ثقة المستثمرين ويحد من تقلبات الأسواق، بما يوفر بيئة أكثر استقراراً للنمو الاقتصادي خلال الفترة المقبلة، إلا أنه يبقى الاتفاق — إن وُقّع — عملية «معايرة» بطيئة لخريطة المخاطر لا مفتاحاً سحرياً؛ فالخليج يستعيد إيراداته بينما يبني بدائل دائمة لهرمز، ومصر تخفف فاتورتها وتتعافى قناتها تدريجياً مع فقدان ميزة سعرية مؤقتة، والأسواق في النهاية لا تسعر الأحداث بل تسعر اليقين، وهرمز حين يُفتح يبيع اليقين أكثر مما يبيع النفط.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة