رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

د. محمود مالك علوان: الهجرة النبوية.. منهج بناء الأوطان


18-6-2026 | 12:09

الدكتور محمود مالك علوان

طباعة
حوار: صلاح البيلى

ليست الهجرة النبوية في نظر المتأملين مجرد رحلة نجاة من الاضطهاد أو انتقال من مدينة إلى أخرى، بل لحظة فارقة أعادت تشكيل مسار التاريخ الإنساني، ورسخت نموذجا فريدا للانتقال من الفكرة إلى الدولة، ومن المعاناة إلى التمكين، ومن الاستضعاف إلى صناعة الحضارة. وبعد أكثر من أربعة عشر قرنا، لا تزال الهجرة تحمل في طياتها دروسا متجددة تتجاوز حدود الزمان والمكان، لتصبح منهجا لبناء الإنسان والأوطان.

في هذا الحوار، يقدم الدكتور محمود مالك علوان، عضو المجلس الأعلى للطرق الصوفية وشيخ الطريقة العلوانية الخلواتية، قراءة معاصرة للهجرة النبوية، ينطلق فيها من أبعادها الروحية والفكرية والاستراتيجية، ويربط بين فلسفة الهجرة ومشروع الدولة الحديثة، مؤكدا أن بناء الأوطان يبدأ ببناء الوعي، وأن الاستثمار الحقيقي يكمن في الإنسان قبل الحجر، وأن مصر اليوم تخوض هجراتها الخاصة نحو المعرفة والرقمنة والإنجاز. كما يطرح رؤية صوفية ترى أن التصوف الحق ليس انعزالا عن الواقع، بل مشاركة في صناعته وإعماره، وأن نهضة الأمم تبدأ من إصلاح الداخل قبل تشييد العمران.

 

 

كيف ترى حدث الهجرة على ضوء معطيات العصر الحالي؟

الهجرة هي الرحلة التي صاغت الدستور الأول لإدارة الذات وبناء الأمم، لتغدو اليوم البوصلة الملهمة للدولة المصرية في مسيرتها للنهضة الشاملة، تلك النهضة التي تدرك بيقين لا يتزعزع أن عزة الأوطان لا تستمد مما يرقد في باطن الأرض من معادن وجوامد، بل مما يشرق في عقول الأبناء من معارف، ومما يرسخ في قلوبهم من كرامة تأبى الانكسار، ونتوقف عند العنصر الأول في الهجرة، ألا وهو «جدلية المكان» (مكة والمدينة)، من سيكولوجية الصهر إلى فقه التمكين المؤسسي.

في المرحلة المصرية المعاصرة، كيف نسقط هذا التحليل على واقعنا المعيش؟

في السياق المصري، تمثل هذه المرحلة (الاستثمار في الوعي)، فقبل أن نبني الجسور المادية كان يجب أن نبني الجسور النفسية التي تربط المواطن بهويته وعزته، ليكون فردا صلبا قادرا على حمل أمانة التنمية.

أما الانتقال إلى المدينة المنورة، أو (مصر الجديدة)، فهو مقام التحلية والجمال الإدراكي، هي مرحلة الظهور بالحق من خلال المؤسسة، هنا انتقل الوعي من حيز الكلمة الموعوظة إلى حيز النموذج الإداري المشهود.

هذه قراءة متصوف، أليس كذلك؟

التصوف الحقيقي ليس غيبوبة عن الواقع، بل هو إقامة الحق في الخلق، وهو ما تجسد في تحويل يثرب من مجرد واحة إلى مدينة يحكمها النظام والقانون والدستور الموحد المتمثل في (صحيفة المدينة)، والإسقاط الاستراتيجي على واقعنا المعاش اليوم يؤكد أن بناء الإنسان المصري المعاصر يبدأ من (مكة الوعي)، حيث التعليم والقيم، إلى (مدينة الإنجاز) حيث سوق العمل والابتكار، إن من لم تشرق بدايته بالتربية والقيم، لن تشرق نهايته بالإنجاز والسيادة، فالعمارة الحقيقية تبدأ بعمارة الباطن لتمتد عدواها إلى عمارة الظاهر في صورة مدن ذكية ومجتمعات منتجة.

إن الهجرة كرست لمبدأ تحرير العزة القومية، وهي تعني في واقعنا المعيش أن قوة مصر اليوم تكمن في تحويل شبابها من طاقة معطلة تشعر بالضآلة أمام التحديات إلى عناصر سيادية فاعلة، فالعزة ليست ادعاء، بل هي الاستغناء عن الحاجة للآخرين بامتلاك أدوات القوة التكنولوجية والعلمية، إن التمكين النفسي الذي ننشده للأبناء هو الذي يجعلهم يرون في خدمة الوطن (مقاما ساميا)، وفي الإبداع المهني (نسكا وتعبدا).

أي أنك ترى أن الهجرة في واقعنا اليوم تؤسس لجيل قادر على حمل المسؤولية بالأخلاق والعلم؟

نعم، وبناء هذا الجيل يبدأ بـ(المؤاخاة) كأقوى عقد اجتماعي ودمج وظيفي، فالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار كانت في جوهرها عملية صهر وطني ألغت الفوارق الطبقية، لصالح التكامل الوظيفي.

فقد جاءت تزاوجاً بين الخبرة والمورد، دمجت الهجرة بين العقل الاستراتيجي للمهاجرين والقوة اللوجستية للأنصار، وهذا لم يكن مجرد تضامن عاطفي، بل هو استثمار في رأس المال الاجتماعي.

كيف نسقط حال دولة المدينة المنورة على مصر المعاصرة؟

هنا نتوقف عند بناء الدولة وكيف ننتقل من الحال الروحي إلى النظام الإداري، وعلى سبيل المثال العاصمة الإدارية نموذجا، لم تكن دولة المدينة المنورة هي (الخيل المسومة) في خيال الحالمين، بل كانت دولة مؤسسات تجلت في (وثيقة المدينة) التي أرست مفهوم المواطنة الشاملة، حيث الانتقال من العشوائية إلى الانضباط، وكما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أرض بكر فحولها إلى مركز إشعاع، تهاجر مصر اليوم بمؤسساتها من الوادي الضيق والعشوائية إلى سعة التخطيط الذكي، في العاصمة الإدارية والمدن الجديدة.

هذا الانتقال هو هجرة مؤسسية تهدف لبناء عقل الدولة الذي يجمع بين إخلاص العارف بمسؤوليته، ودقة المهندس في تنفيذه.

إن الجمهورية الجديدة بالمفهوم السابق هي فعل إيمان، فبناء المدن الذكية، ورقمنة الخدمات، وتطوير الموانئ هي في حقيقتها إقامة للشريعة الحياتية، فكل نظام يمنع الفساد ويسهل حياة الناس هو (عمل صالح) يجسد روح الهجرة.

أخيرا.. أين تكمن قوة مصر الحقيقية اليوم في ظل دروس الهجرة النبوية؟

قوة مصر الحقيقية اليوم تتجسد في قدرتها على قيادة ثلاث هجرات كبرى في وعي أبنائها، وهي:

أولا: الهجرة من ظلام الجهل إلى أنوار المعرفة التخصصية، عبر الجامعات التكنولوجية والأهلية التي تصنع عقل المستقبل.

ثانيا: هجرة من شتات الفوضى إلى نظام المؤسسية الرقمية لبناء دولة تحترم الوقت والجهد وتصون الكرامة.

ثالثا: هجرة من التواكل واليأس إلى اليقين المنتج، بالاستثمار في الإنسان كأسمى أصول الدولة وأغلى مواردها.

 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة