قضية الإدمان في مصر لم تعد مجرد تحد صحي يهدد الأفراد، بل أصبحت قضية تنموية تمس الأسرة والمجتمع والاقتصاد والأمن الاجتماعي، ومن هنا برز الدور المحوري لصندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي باعتباره أحد أهم الأذرع الوطنية التي تتعامل مع المشكلة من منظور شامل يجمع بين الوقاية والعلاج والتأهيل وإعادة الدمج المجتمعي.
الأرقام التي أعلنها صندوق مكافحة وعلاج الإدمان خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 تعكس حجم الجهد المبذول، حيث استفاد نحو 69 ألفا و845 مريضا من الخدمات العلاجية المقدمة عبر الخط الساخن "16023"، سواء من الحالات الجديدة أو حالات المتابعة، ولا تكمن أهمية هذا الرقم في حجمه فقط، وإنما في كونه مؤشرًا على اتساع دائرة الثقة في الخدمات العلاجية التي يقدمها الصندوق مجانًا وبسرية تامة ووفقًا للمعايير الدولية.
وتكشف البيانات أن محافظة القاهرة جاءت في مقدمة المحافظات الأكثر استفادة من خدمات الخط الساخن بنسبة 26% تليها الجيزة بنسبة 21%، وهو ما يرتبط بالكثافة السكانية الكبيرة وتوافر عدد من المراكز العلاجية التابعة والشريكة مع الصندوق، كما يعكس انتشار الخدمة وقدرتها على الوصول إلى شرائح واسعة من المواطنين.
اللافت أيضًا أن الإنترنت أصبح المصدر الأول لمعرفة المواطنين بخدمات الخط الساخن، متقدمًا على التلفزيون والمواقع الإخبارية، وهو ما يعكس نجاح استراتيجية التوعية الرقمية التي ينفذها الصندوق، خاصة عبر منصاته الإلكترونية التي استطاعت الوصول إلى ملايين المتابعين وتحويل الفضاء الرقمي إلى أداة فعالة في نشر الوعي وتصحيح المفاهيم المرتبطة بالإدمان والعلاج.
أما فيما يتعلق بأنماط التعاطي، فتشير البيانات إلى أن الحشيش لا يزال يحتل المرتبة الأولى بين المواد المخدرة الأكثر انتشارًا بين طالبي العلاج بنسبة 63%، يليه تعاطي المخدرات الاصطناعية مثل الشابو والاستروكس والفودو والكريستال ميث، ثم الترامادول والهيروين، وتؤكد هذه المؤشرات ضرورة استمرار حملات التوعية خاصة في ظل تطور أنماط المخدرات وانتشار المواد الاصطناعية شديدة الخطورة.
وتبرز أهمية الأسرة كشريك رئيسي في رحلة العلاج، فبينما جاء المريض نفسه في مقدمة المتصلين بالخط الساخن بنسبة 35%، لعبت الأمهات والأشقاء دورًا كبيرًا في طلب المساعدة، وهو ما يؤكد تزايد الوعي المجتمعي بخطورة الإدمان وأهمية التدخل المبكر للعلاج.
كما تكشف نتائج الخط الساخن عن طبيعة العوامل التي تدفع الشباب إلى التعاطي، حيث جاءت رفقة السوء وحب الاستطلاع في مقدمة الأسباب، وهي مؤشرات تؤكد أن المواجهة الحقيقية تبدأ بالتوعية وبناء الشخصية وتعزيز دور الأسرة والمؤسسات التعليمية والثقافية في حماية النشء.
وفي المقابل جاءت الرغبة في استعادة الصحة والخوف على المستقبل والأسرة والعمل ضمن أهم دوافع العلاج، وهو ما يعكس أن المتعافي عندما يقرر طلب المساعدة فإنه يسعى لاستعادة حياته بالكامل وليس فقط التخلص من المخدر.
وعند قراءة هذه النتائج في سياق تطور عمل الصندوق خلال السنوات الماضية، يتضح حجم التحول الذي شهدته منظومة مكافحة الإدمان في مصر، فقد شهدت فترة تولي الدكتورة غادة والي وزارة التضامن الاجتماعي ورئاسة مجلس إدارة الصندوق توسعا ملحوظا في حملات التوعية والوقاية وزيادة عدد المراكز العلاجية وإطلاق حملات الكشف على تعاطي المخدرات بين سائقي الحافلات المدرسية والعاملين بالجهاز الإداري للدولة، إلى جانب ترسيخ مفهوم العلاج المجاني والسري باعتباره حقا لكل مريض يسعى للتعافي.
لقد نجح صندوق مكافحة وعلاج الإدمان على مدار السنوات الماضية في تغيير الصورة النمطية المرتبطة بمرض الإدمان وتحويله من وصمة اجتماعية إلى قضية صحية قابلة للعلاج، كما نجح في بناء شبكة متكاملة تمتد من الوقاية والتوعية إلى العلاج والتأهيل وإعادة الدمج المجتمعي.
وتؤكد نتائج الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 أن الصندوق لم يعد مجرد جهة تقدم خدمة علاجية، بل أصبح مؤسسة مجتمعية تساهم في حماية الأسر والحفاظ على الشباب ودعم جهود الدولة في بناء الإنسان المصري، فكل متعاف يعود إلى حياته الطبيعية يمثل قصة نجاح جديدة وانتصارا للمجتمع بأكمله في واحدة من أهم المعارك الاجتماعية والتنموية.