مع دخول الحرب الروسية الأوكرانية مرحلة جديدة، اتسعت رقعة المواجهة لتتجاوز خطوط التماس التقليدية، ممتدة إلى عمق البنية التحتية والشرايين الاقتصادية لكلا البلدين، فبينما تكثّف كييف هجماتها بالطائرات المسيرة على المنشآت الحيوية في العمق الروسي، تواصل موسكو استهداف الموانئ الأوكرانية على البحر الأسود؛ في حرب استنزاف ضارية تطال الموارد وسلاسل الإمداد، وتتزامن مع احتدام المعارك الميدانية وانسداد الأفق الدبلوماسي، فيما تواجه الشركات الروسية حزمة متزايدة من الضغوط المركبة؛ فإلى جانب القفزات الضريبية وارتفاع التكاليف التشغيلية واضطراب سلاسل التوريد جراء العقوبات الغربية، باتت هذه القطاعات أمام تهديد مباشر جديد تتمثل أخطاره في الغارات المتكررة للمسيرات الأوكرانية على مرافقها وإنتاجها.
وفي أحدث موجة من الهجمات، استهدفت أوكرانيا عدة مستودعات تابعة لشركة «وايلدبيريز»، إحدى أكبر شركات التجارة الإلكترونية في روسيا والمنافسة لعملاق التجارة الإلكترونية «أمازون»، وشملت الاستهدافات مراكز لوجستية في سانت بطرسبرج ومنطقة لينينجراد وشبه جزيرة القرم، ما أدى إلى احتراق بضائع تُقدر قيمتها بمئات الملايين من الدولارات، ما دفع الشركة إلى إخلاء أحد مراكزها وتعليق العمليات مؤقتًا في بعض المنشآت المتضررة.
ونقلت مجلة «فوربس» الروسية عن تقديرات أولية تشير إلى أن «وايلدبيريز» فقدت ما يصل إلى 9 في المائة من مساحة مستودعاتها، وأن استعادة هذه المساحة قد تُكلف الشركة ما يصل إلى 33 مليار روبل (421 مليون دولار)، ووفقًا للرواية الأوكرانية تُستخدم هذه المنشآت لتوريد مكونات خاضعة للعقوبات تدخل في إنتاج الطائرات المسيّرة ومعدات الملاحة المستخدمة من قبل القوات الروسية في جبهات القتال، في المقابل تنفي الحكومة الروسية تزويد الشركة الجيش بأي لوازم عسكرية، ومع انتقال كييف إلى ضرب مراكز الخدمات اللوجستية قوبلت هذه الهجمات باستياء واسع بين مئات البائعين الروس الذين يعتمدون على منصات التجارة الإلكترونية لكسب قوتهم، ما جعل تداعيات الحرب أكثر قربًا من حياتهم اليومية، وتأتي هذه التطورات ضمن تصعيد أوسع للهجمات الأوكرانية التي استمرت لأشهر ضد منشآت تكرير النفط، في محاولة للضغط على الرئيس فلاديمير بوتين لإنهاء الحرب، وقد تسببت هذه الهجمات في اضطرابات بإمدادات الوقود ما أدى إلى ازدحام محطات البنزين وسط مخاوف من انعكاساتها على موسم الحصاد المقبل، وفقًا لما أوردته صحيفة «نيويورك تايمز».
عمليات هجومية
على صعيد آخر، تواصل القوات الروسية عملياتها الهجومية على عدة محاور في محاولة لتعزيز مكاسبها وتوسيع نطاق سيطرتها الجغرافية، إذ تواصل تقدمها في مقاطعة دونيتسك باتجاه مدينتي كراماتورسك وسلوفيانسك عقب إعلانها السيطرة على بلدة لينين ومدينة بيليتسكوي، كما أعلنت إحكام سيطرتها على بلدة فولنوي في مقاطعة دنيبروبتروفسك وبلدة بلاغوداتنوي في مقاطعة زابوريجيا، وفي سياق متصل أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن قوات مجموعة «الشمال» تمكنت من بسط سيطرتها على بلدتي زاخاروفكا وإيفاشكينو في مقاطعة خاركيف، وبالتوازي مع هذه التحركات البرية شنت روسيا هجومًا صاروخيًا على أوكرانيا أسفر عن مقتل 10 أشخاص وإصابة نحو 100 آخرين، في هجوم استهدف معرضًا للصناعات الدفاعية بمنطقة بوتشا قرب العاصمة كييف.

في هذا الإطار، قال الدكتور أديب السيد، الخبير في الشئون الروسية والدولية، إن النزاع الروسي الأوكراني دخل مرحلة جديدة بتحول طرفي النزاع الى استهداف البنية الاقتصادية التحتية بشكل منظم ومتواصل، وضمن هذا التحول قامت القوات الأوكرانية باستخدام طائرات مسيرة في ضرب مستودعات ومخازن أكبر شركات التوزيع التجاري، مثل «وايلدبيريز» و«أزون»، في العديد من الأقاليم والمدن الروسية، بهدف إثارة حالة من الاستياء الجماهيري وخلق أزمة اقتصادية في روسيا، وهذه الهجمات تؤثر بشكل ملحوظ على الوضع الاقتصادي والمعيشي للسكان، لاسيما أن عشرات الآلاف من المواطنين الروس الذين يعملون في مجال البزنس البسيط كانوا يخزنون بضائعهم ويبيعونها عن طريق هذه الشركات.
وأشار إلى أن القوات الروسية استهدفت موانئ أوكرانية في «أوديسا» و«تشيرنومورسك» و«يوجني» و«إزمايل» و«نيكولايف» التي تعد شريانًا اقتصاديًا هامًا وحيويًا، وتستخدم لتفريغ وتخزين الوقود وحمولات عسكرية وحربية مختلفة، وهذه المواجهة التي تزداد حدة يومًا بعد يوم لم تعد تقتصر على أهداف برية بل وصلت إلى البحر الأسود، حيث استهدفت القوات الروسية مؤخرًا أكثر من 27 باخرة إلى جانب الموانئ، وفي المقابل تعمل الدول الغربية ليل نهار على ملاحقة بواخر«أسطول الظل» الروسي التي ترفع أعلام دول أجنبية، سواء في البحر الأبيض المتوسط وغيره، حيث تتم مصادرة هذه السفن وحمولتها، مما يشكل عبئًا على روسيا التي تعمل جاهدة لإيجاد حل لهذه المشكلة.
وفيما يتعلق بجهود التسوية، أوضح خبير الشئون الروسية والدولية أنه في ظل هذا التصعيد العسكري والميداني تواجه جهود التسوية مزيدًا من التعقيدات خاصةً بعد إعلان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن التفاهمات الروسية الأمريكية التي تم التوصل لها في ألاسكا العام الماضي لم تعد قائمة، وأن التسوية تتطلب أفكارًا جديدة، ولم يفاجأ الروس بالموقف الأمريكي المتقلب بعد أن لاحظوا أن الإدارة الأمريكية دأبت على تغيير مواقفها بين ليلة وضحاها، ليس فقط حيال أوكرانيا بل أيضًا تجاه الشرق الأوسط وإيران وغزة، ومع ذلك فإن روسيا ليست في عجلة من أمرها لإسقاط الرهان على الدور الأمريكي، حرصًا منها على إبقاء باب المشاورات مع واشنطن قائمًا حول قضايا دولية وثنائية.
وختم «أديب» حديثه مؤكدًا أن تراجع واشنطن عن تفاهمات ألاسكا وإصرار أوروبا الغربية على مواجهة روسيا، فضلًا عن التصعيد الحالي يجعل آفاق التوصل إلى تسوية بعيدة المنال إلى حد ما، وروسيا قادرة على تحمل تبعات الحرب بما في ذلك على الصعيد الاقتصادي، واحتواء العقوبات التي يفرضها الاتحاد الأوروبي ومواصلة الجهود العسكرية في جبهات القتال، وقد ظهر ذلك من خلال معالجة أزمة الوقود والبنزين التي شهدتها موسكو والمدن الرئيسية خلال الأسبوعين الماضيين، حيث عادت الأمور الى نصابها واختفت الطوابير أمام محطات الوقود خلال أيام معدودة، والاعتقاد الغربي بأن الضغط الاقتصادي والعسكري ربما يدفع روسيا إلى الموافقة على تسوية وفقًا لشروط أوكرانية خاطئ تمامًا، بل على العكس فإن زيادة الضغوط قد تدفع الروس إلى اتخاذ إجراءات حاسمة للغاية في ميدان القتال وتوسيع رقعة الحرب جغرافيًا.