يشكّل الاقتصاد الأزرق إحدى الركائز الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة فى سلطنة عُمان، حيث يقوم على الاستفادة من الثروات البحرية والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها مع الحفاظ على البيئة البحرية والموارد الطبيعية، وضمن رؤية عمان 2040، حيث تسعى سلطنة عُمان إلى تعزيز دور الاقتصاد الأزرق عبر تطوير قطاعات مثل الصيد البحرى المستدام، تربية الأحياء المائية، السياحة البحرية، النقل البحرى، والطاقة المتجددة من المحيطات.
تتمتع سلطنة عُمان بسواحل طويلة تطل على بحر العرب والخليج العربى، مما يتيح لها فرصًا كبيرة لاستغلال الموارد البحرية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. يأتى هذا فى إطار التوجه نحو تنويع مصادر الدخل بعيدًا عن النفط، حيث يفتح الاقتصاد الأزرق آفاقًا جديدة للاستثمار فى قطاعات واعدة تسهم فى تعزيز النمو الاقتصادى.
تسعى الحكومة إلى جذب الاستثمارات المحلية والدولية فى الاقتصاد الأزرق عبر حوافز وسياسات داعمة، وتوفير بنية أساسية متطورة فى المناطق الاقتصادية الخاصة، المناطق الحرة، والمدن الصناعية، ويُعد تطوير الموانئ والمناطق الصناعية الساحلية عنصرًا أساسيًا فى دعم التجارة والخدمات اللوجستية البحرية، حيث يُسهم ميناء الدقم بشكل خاص فى تحقيق عائدات سنوية تصل إلى 1.5 مليار دولار أمريكى، ما يعزز مكانة سلطنة عُمان فى الشحن البحرى الإقليمى والدولى، لا سيما مع عبور 30 فى المائة من حركة النفط العالمية عبر موانئها .
وتعزز سلطنة عُمان جهودها فى الابتكار والاستدامة عبر الاستثمار فى مراكز أبحاث متخصصة فى العلوم البحرية، مما يسهم فى تطوير تقنيات حديثة تُدعم الاقتصاد الأزرق.
وتخطط عُمان لاستثمار 30 مليار دولار أمريكى (11.55 مليار ريـال عماني) فى مشاريع الطاقة المتجددة بحلول عام 2040، بهدف إنتاج 25 جيجاوات من الطاقة النظيفة، لا سيما فى مشروع الدقم للطاقة. كما تلتزم سلطنة عُمان بالمعايير البيئية الدولية من خلال برامج لحماية الحياة البحرية وتقليل التلوث، ما يعزز صورتها كمركز للاستثمارات المستدامة، حيث يمكن للمستثمرين تحقيق أرباح مع الالتزام بمعايير المسؤولية البيئية .
من المتوقع أن يسهم الاقتصاد الأزرق فى دعم الاقتصاد الوطنى عبر إيجاد فرص عمل جديدة للشباب وتعزيز الأمن الغذائى من خلال تنمية قطاعى الصيد البحرى وتربية الأحياء المائية، حيث يُسهم قطاع الصيد البحرى بما يعادل 6 فى المائة من إجمالى الناتج المحلى غير النفطى، ويوفر فرص عمل لنحو 40 ألف شخص، مع إنتاج سنوى يبلغ 300 ألف طن من الأسماك.
ولعلَّ ما تشهده محافظة الوسطى فى عُمان يقدِّم نموذجًا واضحًا لهذا التوجُّه؛ فقد تحوَّلت المُقوِّمات الطبيعيَّة إلى نشاط اقتصادى متكامل يقوم على الاستثمار، والإنتاج، والتصنيع، والخدمات، والأرقام تؤكد حجم هذا التحوُّل؛ إذ تصدَّرت المحافظة الإنتاج السمكى فى سلطنة عُمان خلال عام (2024م) بإنتاج بلغ نحو (226) ألف طن، يُمثِّل (25) فى المائة من إجمالى الإنتاج السمكى، وبقِيمة تجاوزت (100) مليون ريـال عُمانى، إلى جانب أكثر من (4670) صيادًا مسجَّلًا، و(2357) قارب صيد، و(124) سفينة صيد حِرفي .
تزداد أهميَّة هذه المؤشِّرات العُمانية مع وجود ميناء الدقم التجارى، وميناء الصيد البحرى متعدِّد الأغراض، وما يوفِّرانه من خدمات الإنزال، والتداول، والتخزين، والصيانة، والتصدير، وهى عناصر تنقل القطاع من مرحلة الإنتاج الأوَّلى إلى منظومة اقتصاديَّة تُحقق قِيمة مضافة أعلى، وتُعزِّز قدرة المنتجات العُمانيَّة على الوصول إلى الأسواق الإقليميَّة والعالميَّة بكفاءة أكبر.
ولا تقف أهميَّة الاقتصاد الأزرق عند حدود تعظيم الاستفادة من الموارد البحريَّة؛ فالقِيمة الحقيقيَّة تتولد من تشابُك الأنشطة الاقتصاديَّة المرتبطة به، فكل مشروع فى قطاع الثروة السمكيَّة يخلق فرصًا فى النقل، والتخزين، والتعبئة، والتصنيع، والتسويق، والخدمات اللوجستيَّة، والسياحة البحريَّة، وهو ما يوسِّع دائرة النشاط الاقتصادى، ويزيد من مساهمة المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة فى مختلف مراحل سلسلة القِيمة .
كما أن زيادة الاعتماد العُمانى على المنتجات والخدمات الوطنيَّة ترفع المحتوى المحلِّى، وتدعم نُمو الصناعات المرتبطة بالقطاع، وتوفِّر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة للكفاءات الوطنيَّة، وهو ما يجعل الاقتصاد الأزرق أحد القطاعات القادرة على تحقيق أثر اقتصادى يمتدُّ إلى قطاعات إنتاجيَّة وخدميَّة عديدة فى الوقت نفسه.
إنَّ الخطط التى تستهدف التوسُّع فى مشروعات الاستزراع السمكى، وتطوير الصناعات التحويليَّة، وتعزيز الاستثمارات فى ميناء الدقم والمنطقة الاقتصاديَّة الخاصَّة بالدقم، وتحديث الخدمات اللوجستيَّة، وتشجيع الابتكار والبحوث والتقنيَّات الحديثة، تؤكد أن سلطنة عُمان تمضى فى بناء اقتصاد بحرى متكامل يقوم على الاستثمار طويل الأجل، ويعظِّم العائد من الموارد الوطنيَّة، ويرفع القدرة التنافسيَّة للاقتصاد الوطنى، وهذه الرؤية تمنح الاقتصاد الأزرق مكانة تتجاوز كونه قطاعًا إنتاجيًّا، لِيصبحَ أحَد المحركات الرئيسة للتنويع الاقتصادى، وأحد المسارات التى ترسِّخ التنمية المستدامة، وتدعم مستهدفات رؤية «عُمان 2040» فى بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وكفاءة وقدرة على صناعة فرص النُّمو للمستقبل .
مسار استثمارى فى التقنيَّات الحديثة
ومن ناحية أخرى، تمضى سلطنة عُمان فى مسارٍ استثمارى واضح، يجمع بين توسيع حضورها فى الأسواق العالميَّة عبر استثمارات نوعيَّة يقودها جهاز الاستثمار العُمانى، وتعزيز قدرتها على جذب الاستثمارات الأجنبيَّة إلى الداخل، فى صورة تظهر تكاملًا بين الاستثمار الخارجى والداخلى لتحقيق مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، وترسيخ اقتصادٍ أكثر تنوعًا واستدامة.
والمؤكد أن استثمارات جهاز الاستثمار العُمانى فى منظومتَى كامبردج كابيتال للابتكار وأكسفورد للمشروعات العلميَّة تقدِّم نموذجًا يوضِّح هذا التوجُّه، فهى تضع سلطنة عُمان بالقرب من البيئات التى تُنتج المعرفة وتصنع التقنيَّات الحديثة، وتتيح لها الاطلاع المباشر على أحدَث ما توصَّلت إليه الصناعات المستقبليَّة فى مجالات الحوسبة الكميَّة، والتقنيَّات الصحيَّة، والعلوم الحيويَّة، والرقائق الإلكترونيَّة، فتلك القطاعات أصبحت من أسرع القطاعات نُموًّا على مستوى العالم. .
كما تُمثِّل أساسًا لاقتصادات المعرفة التى تتنافس الدول على ترسيخ حضورها فيها، ويكتسب التوجُّه الجديد أهميَّة كبيرة؛ لأنَّه يفتح المجال أمام نقل الخبرات والتقنيَّات، وبناء شراكات مستقبليَّة، والاستفادة من التجارب العالميَّة فى تطوير القطاعات الواعدة داخل سلطنة عُمان، إلى جانب تحقيق عوائد استثماريَّة مستدامة لمحفظة الأجيال التى يديرها الجهاز فى أكثر من خمسين دولةً حول العالم.
ولعلَّ استمرار تدفُّق الاستثمارات الأجنبيَّة إلى سلطنة عُمان يؤكِّد نجاح السياسات الاقتصاديَّة التى ركَّزت على تطوير بيئة الأعمال، وتحديث التشريعات، وتبسيط الإجراءات، وتقديم منظومة متكاملة لخدمة المستثمر.
وتُظهر الأرقام هذا النجاح بوضوح، فقد ارتفع رصيد الاستثمار الأجنبى المباشر إلى (32.2) مليار ريـال عُمانى بنهاية الرُّبع الأول من عام (2026)م، مُحقِّقًا نموًّا بنسبة (8.7) فى المائة، فيما بلغتِ التدفُّقات الاستثماريَّة الجديدة (2.5) مليار ريـال عُمانى خلال الفترة نفسها، كما نجحت منصَّة «استثمر فى عُمان» خلال النصف الأول من العام الجارى 2026 فى توطين ثمانية مشروعات استثماريَّة نوعيَّة بقِيمة تجاوزت (460) مليون ريـال عُمانى، مع تطوير (22) فرصةً استثماريَّة جاهزة، واستهداف (150) شركةً عالميَّة، فيما بلغ إجمالى المشروعات التى أسهمت المنصَّة فى توطينها منذ عام (2023)م خمسةً وأربعين مشروعًا بقِيمة استثماريَّة وصلتْ إلى أربعة مليارات ريـال عُمانى، وهى نتائج تؤكِّد تطوُّر منظومة الترويج الاستثمارى، وارتفاع كفاءة العمل المؤسَّسى فى استقطاب الاستثمارات النوعيَّة.
ولا شك أن الاستثمار الذى ينسجم مع الأهداف الاستراتيجيَّة للدَّولة يتجاوز حدود العائد المالي؛ لأنَّه يُسهم فى بناء اقتصادٍ قائم على المعرفة، ويرفع القدرة التنافسيَّة، ويُعزِّز المحتوى المحلِّى، وينقل التقنيَّات الحديثة، ويخلق فرص عمل نوعيَّة، ويدعم القطاعات التى تُمثِّل ركيزةً للتنويع الاقتصادى، وعندما تتكامل الاستثمارات الخارجيَّة التى تفتح أبواب المعرفة والتكنولوجيا مع الاستثمارات الأجنبيَّة التى تضيف مشروعات جديدة إلى الاقتصاد الوطنى، فإنَّ الناتج يكون أكثر من نُمو اقتصادى، فهو بناء لقدراتٍ وطنيَّة تمتلك مُقوِّمات الاستمرار، وتعزيز لمكانة سلطنة عُمان بوصفها مركزًا إقليميًّا جاذبًا للاستثمار، واقتصادًا قادرًا على تحقيق التنمية المستدامة وصناعة قِيمة مضافة تمتدُّ آثارها إلى الأجيال والسنوات القادمة.