فى ظل متغيرات اقتصادية متلاحقة، يواصل الاقتصاد المصرى إظهار قدرته على المواجهة عبر رؤية استراتيجية تستند إلى جذب الاستثمارات وتوطين الصناعة وتعزيز الشراكات الدولية، بما يدعم مواجهة التحديات الاقتصادية ويضمن تحقيق تنمية متوازنة.
ويمثل توطين الصناعة محورًا رئيسيًا فى استراتيجية التنمية المستدامة 2024 - 2030، التى تستهدف تقليل الاعتماد على الواردات وتعزيز نسبة المكون المحلى، وتحويل مصر إلى مركز صناعى إقليمى قادر على تلبية احتياجات السوق المحلى والتوسع فى التصدير، كما تسهم هذه السياسات فى دعم استقرار الاقتصاد الوطنى وخلق فرص عمل جديدة وتحسين مستويات المعيشة.
السفير رخا أحمد حسن، عضو المجلس المصرى للشئون الخارجية، قال: إن السياسة المصرية الخارجية تشهد تفعيلا واضحا لما يُعرف بدبلوماسية التنمية، والتى تقوم على توظيف شبكة العلاقات الدولية والإقليمية لمصر فى دعم مسار التنمية الاقتصادية وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتعزيز نفاذ المنتجات المصرية للأسواق العالمية، إلى جانب نقل وتوطين التكنولوجيا فى عدد من القطاعات الحيوية، وهذا التوجه يعكس حرص الدولة على بناء شراكات قائمة على المصالح المتبادلة، بما يحقق عائدًا مباشرًا على الاقتصاد الوطنى ومستوى معيشة المواطن.
وأشار إلى أن مصر انتهجت هذا المسار بوضوح خلال عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى، حيث تم توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم مع مؤسسات اقتصادية دولية، فى إطار جذب مزيد من الاستثمارات والاستفادة من التجارب التنموية الناجحة، كما أن بعثات مصر الدبلوماسية بالخارج تلعب دورًا محوريًا فى فتح أسواق جديدة وجذب الاستثمارات، وهو ملف يحتل أولوية متقدمة على أجندة السياسة الخارجية خلال المرحلة الحالية.
وأكد «حسن» أن قوة الدولة تنبع بالأساس من قوة اقتصادها، باعتباره الركيزة التى تمول قطاعات الدفاع والتعليم والصحة، وتمثل أحد الأعمدة الرئيسية للأمن القومى المصرى، ولا بد من الاهتمام بحماية الصناعة المحلية من الممارسات الضارة فى التجارة الدولية، وذلك لتحسين وحماية مناخ الاستثمار فى مصر، وتهيئة كافة السبل للمنافسة العادلة داخل الأسواق المحلية.
وشدد على ضرورة مواصلة جهود الدولة المصرية من خلال تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية كأداة رئيسية من أدوات السياسة الخارجية، لدفع مجالات التعاون الاقتصادى، وتعزيز مكانة مصر فى التجمعات الدولية مثل مجموعة العشرين وتجمع البريكس، بهدف الاستفادة من توسيع نطاق الشراكات الاقتصادية بما يخدم الأولويات الاقتصادية المصرية، والاستفادة من الخبرات الأجنبية فى العديد من المجالات لدعم تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
ومن جانبه، قال السفير جمال بيومى، مساعد وزير الخارجية الأسبق ومهندس اتفاق الشراكة المصرية الأوروبية: إن مصر استطاعت تدشين نموذجها التنموى فى ظل تحديات دولية كبرى بعد جائحة كورونا، والتى أدت إلى تداعيات اقتصادية عالمية وهو ما انعكس على قطاعات مختلفة للاقتصاد المصرى، وكذلك اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية، بالإضافة للتحديات الضخمة الناشئة من البيئة الأمنية الإقليمية المأزومة، وينطلق هذا النموذج من مركزية دور الدولة فى عملية التنمية، والتنسيق مع القطاع الخاص لضمان نجاح عملية التنمية وفقا لاستراتيجية مدروسة وأولويات واضحة، مع توزيع المشروعات التنموية بشكل متوازن على مختلف الأقاليم الجغرافية، حيث تتبنى الدولة المصرية فى عهد الرئيس السيسى نهجًا تنمويًا يضمن حقوق جميع الأقاليم فى التنمية.
وأوضح «بيومى» أن قوة الدولة تأتى من قوة الاقتصاد والاستقرار، فالعلاقة بين السياسة والاقتصاد علاقة تبادلية، وهناك جهود مكثفة وحثيثة من الدولة لتعزيز مكانة مصر كقوة اقتصادية على الساحة الدولية، مع التركيز على دعم المصالح الوطنية والشراكات الدولية وجذب الاستثمارات وتطوير هيكل الاقتصاد لزيادة الإنتاجية، وتصحيح وضع الميزان التجارى يتطلب ضرورة توسيع القاعدة الصناعية المصرية لزيادة الصادرات وهو أمر يمكن تحقيقه بتوافر الإرادة المصرية، وكشف «بيومى» عن أن الاقتصاد القوى هو الأساس لبناء دولة قوية ومستقرة قادرة على تحقيق أهدافها الوطنية والاستمرار فى النمو والتقدم، وهو ما يعكس أهمية الناتج المحلى الإجمالى والتكنولوجيا والصناعة والتجارة فى تعزيز مكانة الدولة دوليا، ودعم أمنها واستقرارها، وتتمثل عناصر القوة الاقتصادية فى شمولية القدرة على تنوع القطاعات (زراعة، صناعة، خدمات)، وحجم الاستثمارات وصافى الصادرات.
وألمح «بيومى» إلى ضرورة توطين صناعة إصلاح وبناء السفن وناقلات البترول، لأن لها مردودا اقتصاديا كبيرا وقدرة على تعزيز مكانة مصر كمركز بحرى عالمى لتحقيق الاكتفاء الملاحى، فتطوير هذا القطاع الحيوى يمكن أن يوفر خدمات ملاحية متكاملة، خصوصا للسفن العابرة فى قناة السويس، التى تعد أحد أهم الممرات الملاحية فى العالم، وأيضا الاتجاه نحو توطين صناعة السيارات وتعزيز قدراتها الإنتاجية، وكذلك التوسع فى الزراعة، لافتا إلى أن الرئيس السيسى يولى اهتماما كبيرا بالتركيز على زيادة الإنتاج الزراعى وتحسين الإنتاجية لتعزيز الأمن الغذائى وتقليل الاستيراد، وهذه البنود تسهم فى تعزيز الاقتصاد المصرى وتحقيق التنمية المستدامة.
كما أكد السفير على الحفنى، أمين عام المجلس المصرى للشئون الخارجية، أن السياسة المصرية الخارجية مرتبطة ارتباطا مباشرا بسياستها الداخلية، وبصفة خاصة بأجندتها لتحقيق التنمية المستدامة، وحققت مصر بشهادة المجتمع الدولى كله نتائج طيبة للغاية، وفيما يتعلق ببعض جوانب هذه الأجندة التنموية حققت نتائج مبهرة، فالمنطقة تموج بصراعات وأزمات وحروب والمخاطر تحدق بها بشكل مستمر على مدار الـ12 عاما الماضية، وأدخلت مصر إصلاحات جذرية على سياستها الخارجية لتصبح أكثر نشاطا وتتسم بقدر كبير من الديناميكية.
وقال «الحفنى»: إن هذا تجلى بوضوح من خلال تحركات الرئيس السيسى على امتداد السنوات الماضية فى تنويع الشركاء الدوليين والانفتاح على قوى دولية متعددة، مثل تعزيز الشراكة الشاملة مع الصين وروسيا، وتوطيد العلاقات مع دول الاتحاد الأوروبى، دون الإخلال بالتوازن الدولى، وإعادة بناء علاقات إقليمية متوازنة فى إفريقيا والشرق الأوسط، وإعادة الزخم للعلاقات الإفريقية خاصة مع دول حوض النيل، وتعزيز التواجد الاقتصادى والدبلوماسى فى القارة، وربط الدبلوماسية بجلب الاستثمارات، وتعظيم دور مصر فى مؤسسات الطاقة الإقليمية، وتم الدفع بعلاقات التعاون الاقتصادى والتجارى والاستثمارى والسياحى مع عدد كبير من الدول، لتصبح السياسة الخارجية تتسم بقدر كبير من الاتزان، وهو ما ينعكس على الأوضاع الداخلية والوضع الاقتصادى بصفة عامة وعلى جهود الدولة فيما يتعلق بأجندتها التنموية بكافة جوانبها.
وأشار «الحفنى»، إلى أن مصر بذلت جهودا ضخمة لتطوير البنية التحتية على كافة الأصعدة، من شبكات طرق ومرافق واتصالات، بهدف تهيئة بيئة مثالية لجذب الاستثمارات وتعزيز النمو الاقتصادى، وأصبح كل مَن يزور مصر يشهد ما جرى من تطوير، ليس فقط على مستوى البنية التحتية بل يشهد الطفرة الإنشائية والعمرانية التى تعد من أهم روافد الأجندة الاستثمارية، كما تتبنى الدولة نهجا استراتيجيا قائما على توطين الصناعة كركيزة أساسية لتحقيق الاستقلال الاقتصادى والتنمية الشاملة، مدفوعة بقرارات سيادية تهدف لتقليل الفجوة الاستيرادية وتعظيم الإنتاج المحلى.
وبيّن أن تنمية الموارد البشرية تعد ركيزة أساسية فى أجندة مصر التنموية، حيث تركز على رفع جودة حياة المواطن من خلال تطوير التعليم والتدريب، وتحسين الرعاية الصحية، وتمكين الشباب والمرأة، ما أهّل مصر لتصنّف ضمن فئة الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة، ومصر تعلمت من دروس الماضى وقامت بمعالجة تراكمات وتحديات كانت تثقل كاهل الاقتصاد القومى على مدار عقود طويلة، وتوظف حاليا كل الآفاق المتاحة لتنطلق بالاقتصاد والتجارة الصناعة، وتتبنى الدولة سياسة خارجية متوازنة ترتكز على تنويع الشركاء الدوليين، والاحترام المتبادل وبناء شراكات متنوعة لتعزيز استقلالية القرار الوطنى.