رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

إبراهيم داود.. الشاعر الذى جاء متأخرًا ليصل أولًا


23-5-2026 | 12:45

.

طباعة
بقلـم: عبدالله السلايمة

فى مشهد أدبى تتزاحم فيه الأصوات وتتداخل فيه المرجعيات، يختار إبراهيم داود موقعًا مختلفًا؛ لا استعجال فى الحضور، ولا ميل إلى لفت الانتباه، ولا رغبة فى التصدّر. يظهر كما يظهر الشعر حين يتخفف من ضجيجه الخارجى ويستقر فى منطقه الأعمق: لحظة هدوء تتكشف فيها الدلالة تدريجيًا، بعد أن يهدأ الغبار، وتصفو الرؤية. تأخر عن صخب الواجهة، لكنه رسّخ حضوره فى وجدان القارئ عبر كتابة هادئة، مكثفة، تُراهن على الصدق لا على الافتعال، وعلى الإنصات لا على الإبهار.

 

تشكّل وعى داود الأدبى فى منطقة بعيدة عن الصخب المؤسسى للمشهد، بعيدًا عن الاصطفافات والبيانات الجيلية والرهانات الإيديولوجية المباشرة. اختار منذ بداياته أن يقف فى المسافة الفاصلة بين الحياة والكتابة، حيث لا تنفصل التجربة عن النص، ولا يتحول الشِعر إلى خطاب معزول عن تفاصيل العيش اليومي، بل إلى طريقة فى النظر وإعادة ترتيب العالم.

وُلد إبراهيم داود فى قرية هورين التابعة لمركز بركة السبع بمحافظة المنوفية عام 1961. تخرّج فى كلية التجارة بجامعة طنطا عام 1983، ثم التحق بالعمل فى مجال الصحافة.

بدأ مسيرته المهنية بالعمل فى مكتب جريدة «الوطن» الكويتية بالقاهرة، ثم شغل منصب سكرتير تحرير «مجلة أدب ونقد». بعد ذلك، عمل فى «مجلة الهلال»، ثم تولّى منصب المحرر العام فى جريدة «الدستور»، كما عمل فى جريدة «الأهرام»؛ حيث شغل منصب مدير التحرير .كما تولّى رئاسة تحرير «مجلة ديوان»، ورئاسة تحرير «مجلة إبداع» الثقافية.

يكتب إبراهيم داود من موقع أقرب إلى التأمل منه إلى الادعاء، وكأن النص لديه امتداد لحالة داخلية مستمرة، لا ممارسة منفصلة عن الحياة. شاعر وقاص وروائي، غير أن هذا التعدد لا يعنى تشتتًا بقدر ما يكشف عن حسّ واحد يتكرر بأشكال مختلفة: حساسية عالية تجاه التفاصيل الهامشية، وتقاطعات الحياة اليومية، وتلك اللحظات الصغيرة التى لا تُلتقط إلا بعين مدرّبة على الإصغاء. لا يرفع صوته داخل النص، لأن مشروعه الجمالى يقوم على اقتصاد التعبير، وعلى الثقة بأن ما يُقال بصدق لا يحتاج إلى زخرف إضافي.

فى دواوينه الأولى مثل مطر خفيف فى الخارج(1993)، والشتاء القادم(1996)، ويبدو أننى جئت متأخرًا(1997)، وحالة مشي(2007)، يتبلور صوت شعرى يعتمد على التخفف من البلاغة لصالح التقاط اللحظة. قصيدة تبدو بسيطة فى ظاهرها، لكنها تنفتح على طبقات من المعنى كلما اقترب القارئ منها. يتجاور فيها الحنين مع القلق، واليومى مع التأمل، والمشهد العابر مع إحساس خافت بالفقد، وكأن الكتابة كلها محاولة دائمة للإمساك بما يمر سريعًا دون أن يُرى.

مع ديوان أنت فى القاهرة(2014)، يتقدم هذا الصوت خطوة أخرى نحو النضج، حيث تتحول المدينة إلى كائن شعرى قائم بذاته، لا مجرد خلفية للأحداث. القاهرة هنا ليست مكانًا جغرافيًا فحسب، بل تجربة شعورية مركّبة، تتداخل فيها الذاكرة مع الواقع، والحنين مع الاغتراب. وقد نال هذا الديوان جائزة أفضل ديوان فى معرض القاهرة الدولى للكتاب عام 2015، فى اعتراف متأخر نسبيًا، لكنه كاشف عن استقرار تجربة كانت تتشكل بصمت بعيدًا عن المركز الإعلامى للمشهد.

ثم يأتى ديوان كن شجاعًا هذه المرة(2020)، وكأنه امتداد لنبرة داخلية أكثر حدّة ووضوحًا، نبرة تميل إلى المواجهة الهادئة لا الصدام، وإلى استدعاء الذات بوصفها مساحة اختبار لا مساحة يقين. العنوان نفسه يبدو أقرب إلى خطاب داخلي، أو وصية يهمس بها الشاعر لنفسه قبل أن يوجهها للقارئ، بما يحمله من توتر بين الرجاء والإدراك الصامت لثقل التجربة.

ولا تنحصر تجربة داود فى الشعر وحده؛ فقد كتب الرواية والقصة أيضًا، فى مسار يظل مشدودًا إلى الحسّ الشعرى حتى حين يغادر شكل القصيدة. فى عمله خارج الكتابة(2002)، يقترب النص من سيرة ذاتية متخيلة، تتداخل فيها الوقائع بالتأمل، ويصبح السرد مساحة للتفكير فى معنى الكتابة نفسها، وفى علاقة الكاتب بما يكتبه وما يعيشه فى آنٍ واحد.

أما مجموعته القصصية الجو العام(2011)، فقد لاقت حضورًا نقديًا لافتًا، ونالت جائزة ساويرس للقصة القصيرة (فرع كبار الكتّاب) عام 2012، لما تتميز به من قدرة على التقاط التوترات اليومية فى سياقات تبدو عادية ظاهريًا، لكنها تكشف عن طبقات إنسانية خفية، تتعلق بالخوف، والعزلة، والرغبة فى الفهم، والانكسار الصامت الذى يرافق الشخصيات دون إعلان.

ومن اللافت أيضًا حصوله على جائزة ساويرس فى وقت مبكر نسبيًا عام 2009 عن روايته كيرياليسون، وهو ما يعكس مرونة واضحة فى الانتقال بين الأجناس الأدبية، دون أن يفقد بصمته الخاصة أو يتحول إلى كاتب متعدد الأصوات بلا مركز جمالى واضح.

وانطلاقًا من إيمانه بأن الثقافة تمثّل القوة الحقيقية للبلاد، وبأن مصر ستظل عاصمة الثقافة فى المنطقة العربية، شارك فى لجنة الحوار الوطني، مؤكدًا أهمية طرح القضايا الثقافية على مائدة الحوار الذى يُعقد تحت رعاية الرئيس، بما يعكس اهتمام الدولة بإبداعها .وفى هذا السياق، قال: «لدى طموحات فيما يخص الشأن الثقافي، وأتمنى أن أكون عند حسن ظن الجميع. ومن بين أحلامى دعم المبدعين، والعمل على إشاعة مناخ إبداعى فى البلاد، بما يبعث الطمأنينة فى الوجدان المصري، ويؤكد أنه فى حالة جيدة على المستويين الثقافى والإبداعي».

فى مجمل تجربته، يكتب داود عن الحب بوصفه أثرًا قابلًا للكسر، وعن الصداقة بوصفها ذاكرة تتشكل وتتلاشى، وعن القاهرة بوصفها مدينة لا تمنح طمأنينة كاملة، وعن الإنسان بوصفه كائنًا يعيش دائمًا على تخوم الفهم. لغته لا تسعى إلى التزيين، ولا إلى إثبات حضورٍ بلاغي، بل تنحاز إلى كشف العالم فى حالاته الأكثر هشاشة، حيث يصبح المعنى جزءًا من التفاصيل لا نتيجة لها.

وفى لفتة تُحسب لمجلة «ميريت الثقافية» احتفى القائمون عليها بمسيرة إبراهيم داود المتميزة، حيث خصصت له ملفًا ثقافيًا فى عددها (35)ديسمبر 2021، بعنوان «إبراهيم داود.. الاحتفاء بالتفاصيل وشعرية الهشاشة»، وتضمن عشرة مقالات: كتابة الشعر... وهشاشة الوجود للدكتور أحمد يوسف علي، البعد الصوفى فى شعر إبراهيم داود للدكتور إبراهيم منصور، تجليات الاستعارة الإدراكية فى شعر إبراهيم داود للدكتور أحمد الصغير، بين شعرية البساطة وفينومينولوجيا اللغة للدكتور ماهر عبد المحسن، المحاولات الست والمرايا الخمس للدكتور فيصل الأحمر (من الجزائر)، الإيقاع والغناء.. قراءة فى «أنت فى القاهرة» للدكتور محمد السيد إسماعيل، الحمولات الفلسفية والجمالية فى ديوان «أنت فى القاهرة» للدكتورة هويدا صالح، خطاب التصورات وثنائية (الآخر/ الظل) فى قصائد إبراهيم داود للدكتورة رشا الفوال، سينمائية المشهد اليومى فى شعر إبراهيم داود للباحث المغربى نصر الدين شردال، وإبراهيم داود.. مطر غزير فى الداخل.. شهادة كتبها الشاعر عبد الرحيم طايع.. بالإضافة إلى حوار أجراه معه رئيس تحرير المجلة بعنوان «نحن جيل متنوع رغم مجيئنا جميعاً من بيئات متشابهة.

فى النهاية، يمكن القول إن إبراهيم داود إلى لم يسعَ إلى لفت الأنظار، بل يكتفى بأن يترك أثره فى نصوصه كما تفعل التفاصيل الصغيرة فى الذاكرة: بهدوء وعمق، ومن دون ضجيج. يكتب كأنه يقيم داخل اللغة لا على تخومها؛ بأسلوب رصين، وبصيرة تسبق العبارة، وإيمانٍ راسخ بأن الشعر الشعر الصادق لا يحتاج إلى رفع الصوت كى يُسمَع.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة