رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

السماء لا تمطر حكايات: حين يبدو الإفلاس رومانسيًّا!


23-5-2026 | 12:44

.

طباعة
بقلـم: عاطف محمد عبدالمجيد

«ماذا عن كاتبة عادت من وطنها المسروق فاقدة للذاكرة إثر رصاصة أصابتها بطلق نارى فى رأسها لم تُمتْها، إنما سرقت ذاكرتها، ماذا ستكتب عن وطنها المسلوب». هذا المقطع نقرأه فى «السماء لا تمطر حكايات»، الرواية الأحدث للروائية زينب عفيفى التى تهديها إلى الكتب الجيدة التى يتحدث فيها أبطالها معك قبل أن تغلقها، 

مفتتحة إياها بثلاث مقولات منها مقولة الشاعر الروسى سيرجى يسنين التى يقول فيها: «لا تقلد صوت الكروان، بل غنِّ بصوتك ولو كان أشبه بصوت الضفدعة»، وتدور أحداثها فى قرية متخيَّلة تُسمى «حكايا»، بينما تعيش الراوية حنان حياة العزلة لا يشغلها شيء سوى القراءة والتأمل والحياة مع أبطال الروايات الخياليين، كاتبها المفضل هو ستيفان زفايغ الذى وجدته رفيقًا مخلصًا، مناقشة فيها سطو الكتاب الكبار والمشهورين، الذين وصلوا إلى مرحلة العقم الإبداعي، على كتابات شباب الكتاب المبتدئين وغير المعروفين، وكذلك ما يتعلق بمسألة حقوق الملكية الفكرية. هنا، وهى فى تمام يقظتها وانتباهها، تحكى زينب عفيفى قصة حنان خريجة كلية الإعلام التى استعاضت بالقراءة عن المشاعر الأخرى ومنها الحب، معتبرة القراءة حياة وليست للتسلية، والتى ذهبت وهى طالبة إلى روائى شهير لتأخذ رأيه فى أولى رواياتها، لكنه بدلًا من أن يخبرها برأيه مقدمًا لها النصائح التى تضيء لها درب الكتابة والإبداع، نشر الرواية فى المجلة التى يرأس تحريرها باسمه هو، ونظرًا لصغرها لم تستطع أن تثبت حقها أمام كاتب شهير ينتظر كتاباته ملايين القراء، ما جعلها تتماهى فيما بعد مع روبرت فالزر الذى يسرق لها لصه الحكايات، بعد أن أصابتها فعلة الكاتب الشهير بـ»سَدّة نِفْس»عن الكتابة، لكنها تحاول أن تجدد فى السرقات الأدبية، رافضة سرقة ما جاء فى النصوص المنشورة، مفضلة سرقة أفكار الناس التى ولدت فى عقولهم قبل أن تٌنشر أو يعلم بها أحد، واصفة هذا بالسرقة المشروعة.

عقول المفلسين

ترى حنان، أو هكذا ترى الكاتبة، أن معظم الروايات الرائجة مبنية على الأفكار المسروقة، معجبة بفكرة سرقة الأفكار، ما دامت تثرى الحياة الثقافية الجافة وعقول المفلسين، هى فقط للتجديد وانعاش الأفكار وعلى المفلسين تدويرها، وبهذا، حسب رؤيتها، فإن للسرقة أهدافا نبيلة، قائلة إن الكاتب حينما يعيش حالة من التوقف عن الكتابة ويتحول إلى كاتب مفلس ومهمش ومأزوم يلجأ إلى سرقة كل فكرة مبتكرة تجول فى ذهن أى مبدع. الرواية التى قد يراها البعض موجهة إلى قارئ مثقف قرأ العديد من الروايات العالمية، عارفًا بالكثير من الكتاب وبرواياتهم الشهيرة، تقول لنا إن الإبداع القصصى والروائى يمر بأزمات مرتبطة بأزمات الحياة، وكل يوم نعيشه فى هذا العالم يزداد الأشخاص وحدة وعزلة، رغم كل وسائل التواصل الاجتماعى والمعلوماتى درجة أن الإنسان وظف الآلة فى التفكير بالنيابة عنه، حتى وصلنا إلى مرحلة الإبداع بالذكاء الاصطناعي، كما تقول إن الفن هو أرقى صور الحب، إن الكتابة ليس لها عمر، إن أسوأ عدو للإبداع هو أن تشك فى نفسك، إن الدنيا لا تتوقف عند أول إحباط، إن كل شيء قابل للكتابة، إن التفاصيل الصغيرة يمكن أن تكون مصدرًا للإلهام والتأمل، إن الحياة تحتاج بعضًا من المغامرات الصغيرة والكبيرة أحيانًا، وإن الكسل الذهنى والبلادة الفكرية يدفعان الكثير من لصوص النصوص إلى سرقتها.

موت الأفكار

«السماء لا تمطر حكايات»الرواية التى تناقش برودة الفلس الفكري، ونجد فيها مزجًا بين الخيال والواقع، مرة تخلق الكاتبة واقعًا داخل الخيال، وأخرى تخلق خيالًا داخل الواقع، لكن الخيال دائمًا ما ينتصر على الواقع، ترى أن العالم أصيب بالطرش حيال ما يحدث حولنا من جرائم وقتل وحروب متسائلة: هل ماتت الإنسانية مخنوقة على مسرح الأنانية والخوف والمصالح؟ هل صار الواقع أفظع من الخيال على الأوراق البيضاء الملطخة بالدماء.. أم هو إعلان موت الأفكار والأحلام؟ مثلما تستنكر حالة الخنوع والخوف والخذلان التى لحقت بالمبدعين الواعدين فى كل أنحاء العالم وتقلص مساحة حرية الرأى والتعبير، مشيرة إلى أن الجميع يريدون أشياء مسلية لطيفة لا تزعج خيال أحد. كذلك ترى الرواية التى تجسد الصراع النفسى الذى تعانيه بطلتها «حنان»التى تريد أن تكون كاتبة مرموقة، لكن الحال انتهى بها إلى أن تكون بائعة أفكار مسروقة، إن العالم المليء بالكلمات وبالخيال يمكن أن يصبح حقيقة جميلة وإن القوة الحقيقية للرواية تكمن فى قدرتها على ربط الأرواح وتحقيق التواصل العميق بينها، وإنه من الحماقة أن نبحث عن المثالية فى زمن المصالح الشخصية، وإن الكتابة كالصلاة تمحو الذنوب وتخفف أحمال الروح خاصة إذا التزمنا الصدق، وإن الصداقة والإبداع يحتاجان إلى الأمانة، وعندما تنتهك الثقة بين الأصدقاء تكون الخسارة أكبر من نص أدبي، إنها خسارة للإنسانية كلها.

تدور الرواية فى الأساس حول تساؤل كبير يتعلق بالسرقات الأدبية وقضية سطو البعض على أفكار وكتابات الآخرين بدم بارد: هل كلنا معرضون للجفاف الفكرى؟ وهل الحل فى سرقة الأفكار؟ مشيرة إلى أن سرقة الأفكار تعادل سرقة الأرواح، وأن الكتابة الإبداعية تتطلب مزج الخيال والتعبير العميق وهى تجربة ممتعة وتحررية تتيح استكشاف الأفكار والمشاعر بطرق جديدة غير متوقعة. وهكذا نكتشف أن زينب عفيفى كروائية متمرسة لم تفتتح روايتها «السماء لا تمطر حكايات»بمقولة سيرجى يسنين عبثًا، بل لتقول لقرائها، منذ صفحات الرواية الأولى: على الإنسان أن يكون نفسه كما هو، وليس عليه أن ينساق وراء تقليد الآخرين أو سرقة أفكارهم وإبداعاتهم، لأنه سيتحول لحظتها إما إلى نسخة باهتة ومكررة منهم وإما إلى سارق يسطو على حقوق الآخرين سينكشف أمره ذات يوم ويومها قد يندم على أنه ولد أصلًا، كما يمكننا أن نؤولها هكذا: اكتب ما يعن لك من أفكار تخصك أنت وحدك أيًّا كان مستواها ولا تلجأ إلى سرقة أفكار الآخرين، فثمة فرق كبير بين كاتب حقيقي، وكاتب لص يقتات على مجهود الآخرين وبنات أفكارهم. فى الأخير تدعونا الرواية إلى البحث عن قلب سليم يخلو من الزيف وسرقة الأرواح، حتى ولو انفض العالم من حولنا، ولو لم يبقَ فيه غيرنا وغير الروايات!.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة