رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

المسعودى يروّج خرافاته فى «أخبار الزمان»


23-5-2026 | 12:40

.

طباعة
بقلـم: شعبان ناجى

لم يقل لنا أبو الحسن على بن الحسين، المعروف بالمسعودى (توفى 346هـ)، عندما نشر كتابه طويل العنوان «أخبار الزمان ومن أباده الحدثان وعجائب البلدان والغامر بالماء والعمران»، إن هذا كتاب من كتب الخيال العلمي، أو من كتب السير الشعبية كـ«ألف ليلة وليلة» أو «سيف بن ذى يزن» أو «حمزة البهلوان» أو «الإلياذة» أو «فيروز شاه» وغيرها، ولكنه قدم إلينا كتابه على أنه كتاب تاريخى متخصص يبحث فى نشأة الكون، ويتتبع أحوال الممالك وأخبار الرسل والملوك والبشر وكل الكائنات الأخرى. فلو كان صديقنا المسعودى قد نوّه عن ذلك، لكنا قد تفادينا الصدمة المزلزلة التى أحدثتها لنا قراءة هذا الكتاب الغريب المريب، ولكنا تكشفنا ما به من شطحات وخرافات وأساطير لا علاقة لها بالمنطق الإنساني، ولا تعدو كونها مجرد هذيانات ضالة مضلة.

 

والحقيقة أن الهذيانات فى هذا الكتاب كثيرة جدًا، استطعنا أن نرصدها جميعًا، ولكننا لا نستطيع أن نقدمها كلها إلى القارئ الكريم؛ لأننا نشفق عليه كل الإشفاق، ولا نحب أن نشتت عقله ونعكر دمه المعكر بالأساس، وإنما سنقتطف بعضًا من تلك الهذيانات التى كان لها التأثير الأكبر والأشمل على السواء.

فى مقدمة الكتاب، وعند الصفحة الثانية بالتحديد، ألقى المسعودى بقنبلة مدوية، فقال إن الله، تقدست أسماؤه، خلق الخلق من غير ضرورة كانت منه إلى خلقهم، وأنشأهم من غير حاجة كانت منه إلى إنشائهم.. هكذا كان أول القصيدة.. وقبل أن نلملم أطرافنا لكى نرد على هذا الشطط، فزّ المسعودى فجأة، فسبقنا بقوله إن الله خلقهم فقط ليعبدوه، وهو رد فى منتهى العجائبية والسذاجة. فإذا كان الله قد خلق البشر ليعبدوه، أليست هذه ضرورة مهمة وحاجة على رأس كل الحاجات، على الأقل عند قطاع عريض من البشر، وبناءً على ما ورد بالقرآن وبجميع الكتب المقدسة؟

وعندما ذكر الأرض وما فيها من خبايا وخفايا، تجلّى المسعودى وتسلطن واتسع على الآخر، فقال إن الأرض خُلقت على صورة طائر كبير مكتمل؛ رأسه مكة والمدينة واليمن، وصدره الشام ومصر، وجناحه الأيمن العراق وبلاد واق الواق، بينما جناحه الأيسر هو يأجوج ومأجوج، وأما الذيل فهو مستقر عند مغرب الشمس التى تسقط فى عين حمئة.

ونحن، إذا ما سلّمنا جدلًا بهذا الوصف الفنتازى الذى يضرب بكل النظريات العلمية التى تقول بكروية الأرض عرض جميع الحوائط، فإننا لا يمكن أبدًا أن نعقل هذا الكلام. فإذا ما قلنا إن الأرض طائر متوحش، فكيف تكون رأسه مكة والمدينة ومعهما اليمن البعيدة عنهما نسبيًا؟ كان الأجدر به أن ينسب إليهما أى مدينة أخرى تكون أقرب، كنجد مثلًا، وكيف ينتهى الجناح الأيمن عند بلاد واق الواق؟ فأين تقبع هذه البلاد بالتحديد؟ ثم نراه يتخيل أن ذيل الطائر عند مغرب الشمس، فهل عرف كائن، إنسيًا كان أو جنيًا، ذلك المكان الذى تغرب عنده الشمس؟

ويبدو أن صاحبنا المسعودى حاول أن يحيل هذه الخيالات إلى حقائق يقينية، فانتحل حديثًا عن الرسول، عليه الصلاة والسلام، يقول: «إن لله تعالى ثمانية عشر ألف عالم، عالم الدنيا هو عالم واحد منها، وما العمران فى الدنيا إلا كخردلة فى كف أحدكم». ومن الواضح أن هذا حديث ضعيف، فإذا ما كانت الأرض لا تساوى شيئًا عند الله، فلماذا خلق عليها الإنسان، ذلك الذى رضى وحده أن يحمل تلك الأمانة الثقيلة التى رفضتها كل كائنات ومكونات الكون الأخرى؟

بعد ذلك، غاص بنا المسعودى إلى البحر المحيط، فخرج لنا بتلك اللآلئ الغالية التى تؤكد أن لإبليس عرشًا بجوف هذا البحر، وهذا العرش يحمله نفر من العفاريت والأبالسة العظام، كما أن فى هذا البحر نفسه يستقر هيكل سليمان، عليه السلام. أفلم يعلم صديقنا المسعودى أن إبليس لا مكان له ولا مستودع، وإنما هو يجرى من الإنسان مجرى الدم فى العروق؟ ثم ما الذى ذهب بهيكل سليمان إلى البحر؟ وأى بحر يقصد بالضبط؟ هل البحر المتوسط أم الأحمر أم الأسود أم الميت؟ أم إنه يقصد أحد المحيطات الكبيرة الأخرى؟

ولا نود أن نترك البحر قبل أن نشير إلى ما ذكره المؤلف لعدد وأشكال الأسماك، ونتوقف عند تلك السمكة التى قال إن وجهها يأخذ وجه الإنسان تمامًا، وطبعا هو يقصد هنا عروس البحر، فهل عروس البحر سمكة بالفعل؟ إن ما نعرفه أنها مجرد خرافة شعبية جاءت فى إحدى قصص «ألف ليلة وليلة»، أم هل اكتشف كاتبنا اكتشافًا عظيمًا آخر سبق به ما يسمى بالذكاء الاصطناعي؟

وعندما جاء الحديث عن أهرامات الجيزة، ادعى المسعودى أنها بُنيت بناءً على رؤية لملك مصر آنذاك، رأى فيها النجوم تقع، والأرض تتزلزل، ويغرقها الطوفان، فما كان منه إلا أن أصدر أمره -أى الملك- ببناء الأهرامات لتثبيت الأرض المضطربة. فهل هذا كلام يُعقل؟ أى أرض يقصدها؟ هل مساحة الأهرامات تستطيع أن تغطى الأرض كلها فتثبت أركانها، وتجعلها تثبت أمام الطوفان؟

ثم إن الموضوع تضخم أكثر فى دماغه، فراح يعدد أسماء ملوك مصر قبل عصور الطوفان، كما أشار المقريزى وابن إياس. فهل كانت مصر موجودة قبل الطوفان؟ لا نستطيع أبدًا أن نقطع بذلك، وإذا ما سلّمنا بوجودها الفعلي، فهل كانت دولة مكتملة لها حكومة ودستور، ولها ملوك وزعماء ومذاهب؟ ربما قد نتخيل فقط أن عدد سكانها آنذاك لم يتعد المائة فرد.

ونجده أيضًا وقد ادعى على أبى البشر آدم، فقال إنه عندما نزل إلى الأرض تغيرت لغته من العربية إلى السريانية، ثم قلّ طوله، وتجعد شعره الناعم المسبسب، وقلت نسبة وسامته. فهل هناك حكمة من ذلك؟ وإذا كان هذا صحيحًا، فما الدليل القاطع عليه؟ ثم إنه لم يترك آدم عند هذا الحد، فقد خلّف له ابنة تدعى «عناق»، وقال إنها كانت مشوهة الخلقة والخُلق، وهى أول من بغى فى الأرض، ففجرت وجاهرت بالمعاصى والسحر، إلى أن رفع آدم يديه إلى السماء ودعا عليها، فأرسل الله لها أسدًا فأكلها. وتلك هى الأخرى قصة منتحلة انتحالًا مضحكًا؛ حيث لم ترد إشارة إليها فى نص قرآنى أو فى حديث، أو فى أى كتب للسيرة. وفى الحقيقة، لا نعرف من أين أتى بها المسعودي.

حتى عندما قال كلامًا معقولًا عن سيرة كل من موسى ويوسف، عليهما السلام، جاء كلامه مكررًا لم يضف شيئًا جديدًا، فوجدناه وقد راح يحكى لنا فقط تلك القصة القرآنية المعروفة لنا جميعًا بكل أبعادها وحذافيرها.

فى النهاية، نقول إننا، إذ نقدم نقدًا متواضعًا لكتاب المسعودي، لا نستطيع أن نقلل من منجزه أو نقيمه حق التقييم، كونه أديبًا موسوعيًا وعالمًا عملاقًا كتب فى الفلك والفقه والجغرافيا والفلسفة والتاريخ والأنساب، ويكفيه فخرًا كتابه المعجز «مروج الذهب».

 

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة