أهدانى الدكتور خالد أبو الليل، القائم بأعمال رئيس مجلس إدارة هيئة الكتاب دار النشر، الكبرى فى مصر والوطن العربى والعالم الثالث نسخة من كتاب تأملات فى ثقافة الطفل، لمؤلفه أحمد عبد العليم.
وعندما عدتُ إلى بيتى وبدأت القراءة أدركت أننى أمام مؤلف ليس صاحب كتاب فقط، ولكن صاحب رسالة، فهو يؤمن بالطفل بصورة مطلقة، لدرجة أن الإهداء يحتل صفحة كاملة من الكتاب، ويهديه للذين يرون العالم بعين الدهشة، وعلمونا أن الثقافة ليست دروساً تُلقَّن بل روح تنمو وصوت يكتشف ذاته.
ويبدأ كتابه بكلمة جميلة لجبران خليل جبران، يقول فيها إن أبناءنا أبناء الحياة المشتاقة إلى نفسها. ومع أن الأطفال يعيشون معنا فهم ليسوا ملكا لنا، نحن نستطيع منحهم محبتنا ومودتنا ونصنع لهم مستقبلاً جميلاً.
ويقول المؤلف فى كتابه الذى يقع فى أكثر من 250 صفحة من القطع الكبير ويباع بسبعين جنيها فقط، يقول عنه إننا فى عالم يتغير وتتشابك فيه الأصوات والصور والمعارف، وتبقى صورة الطفل نقطة البدء. إنه المستقبل فى طور التحقيق، ولابد أن تُعد ثقافة الطفل متناً رئيسياً لا فرعاً من فروع المعرفة. ولا اختصاراً هامشياً يُترك للسلطة. فعبرها تنبت البذرة الأولى فى حقل الوعى بوصفها الأساس الذى تتأسس عليه تصورات الإنسان عن ذاته، وعن الآخر وعن العالم.
إن الكتاب محاولة للاقتراب من عالم الطفل، ليس بوصفه كائناً ينتظر أن نشكله، بل بوصفه ذاتاً فاعلة تحمل أسئلتها ورؤاها وطاقتها على الاكتشاف، ونحن نقرأ الطفل لنفهم المجتمع، ونفهم المجتمع لنُعيد قراءة الطفل. وبين الاثنين تنشأ مساحة واسعة من الحوار والتحليل وإعادة النظر فى الأدوار التربوية والثقافية التى نؤديها كأسرة أو مدرسة أو مؤسسة ثقافية أو كمبدعين.
إن الكتاب ليس بحثاً دراسياً فى مناهج الطفولة، ولا دراسة تربوية تقليدية، بل رحلة تفكير هادئة تضع الطفل فى بؤرة السؤال: كيف نصنع له بيئة داعمة وصديقة تُنصِت إليه، وتمنحه الأدوات التى تجعله يكتشف ويتخيل ويُعبِّر لنستعيد نحن الكبار دهشة البدايات لنفهم ما يفعله الأدب والمعرفة فى وجدان الصغار، لنفتح أمامهم أبواباً نحو عالم يتسع لأسئلتهم وأحلامهم.
إن صاحب الكتاب وهو سكرتير تحرير مجلة ثقافة الطفل، ومدير الحديقة الثقافية للأطفال بالسيدة زينب، ومدير تحرير لمجلة الطفل، صدرت له أعمال سابقة تدور حول هذا الموضوع، وتدعو له لأنه يعتبر الطفل نقطة الارتكاز الأساسية فى عالمنا، وأن الاهتمام به هو رهانٌ على المستقبل وعلى الزمن الآتى بكل ما يمكن أن يحمله لنا من سمات.
إنه كتاب مهم يخرج من كونه ليس مجرد تأملات فى ثقافة الطفل، بقدر ما هو دليل لنا كيف نتعامل مع أطفالنا؟ وكيف نعدهم للزمن الآتى الذى ينتظرهم؟ فالمستقبل ليس كياناً منفصلاً، بل هو امتداد طبيعى للحاضر والماضى والمستقبل من خلال الفهم العلمى للعلاقة بين الأزمنة الثلاثة.
ومن خلال هذا الفهم يمكننا تصميم خطط وبرامج تُسهم فى بناء مجتمع قادر على التكيف مع التحديات المستقبلية، فالزمن ليس مجرد حركة عابرة، بل هو مساحة لإبداع الإنسان وابتكاره وحقلٍ مفتوح لتحقيق طموحاته وتطلعاته.
والكاتب يهتم حتى بالتدريس للأطفال، فالتدريس ليس مجرد نقل للمعرفة، بل إنه نسق يتعلق بإثارة الأسئلة وإثارة التساؤلات عن المقصود من هذا السؤال أو ذاك. من أجل إثارة فضول المتعلم المعرفى والمحافظة على مواصلة فضوله، وما إن يتم إشباع فضول ما حتى يبدأ البحث من جديد، وقد لا يوجد شيء مثل الوجود الإنسانى يمثل هذا الانفتاح على المعرفة وعلى العالم.
ويركز كثيراً فى كتابه على التعليم الذاتى القائم على الاستكشاف الذى يعتمد على النهج البنائى للتعليم، حيث يصل الأطفال إلى المعانى الخاصة بهم من خلال التفاعل مع المواد والبيئات المباشرة من حولهم.
إن الأطفال فى الفئة العمرية من 6 إلى 8 سنوات ينتمون إلى مرحلة العمليات الملموسة للنمو التى تتصف بالقدرة على تنظيم المعلومات بطرق منطقية، وعلى الرغم من أن الأطفال قد يكون صعوبة فى التفكير المجرد وفهم الأفكار المجردة، فإنه من الأهمية أن يقوم الأطفال بتكوين المعرفة اعتماداً على ما يعرفونه بالفعل من خلال المعرفة المسبقة وما يريدون معرفته، وأن يتم تقديم خبرات التعليم القائم على اللمس بالأطفال باعتبارها وسائل تعليم رئيسية.
إنه كتاب فيه الجديد الذى أقرؤه لأول مرة فى حياتى. وقد استمتعتُ بكل حرفٍ فيه، علاوة على أننى أقرأ هذا الكلام العلمى البسيط لأول مرة، ففيه طريقٌ جديد لتعلم كل ما فى الدنيا من أمور لم نتعلمها من قبل.