لم يكن الخبر مجرد خبر وفاة فنان بل كان صدمة وطن كامل، شعر فجأة أن صوتا عاش داخله لعشرات السنين قد صمت للابد ،فمنذ أيام استيقظت مصر علي خبر رحيل أمير الغناء العربي الفنان الكبير هاني شاكر، وكأن شيئا دافئا انطفأ في قلبها وكأن زمنا كاملا من الرومانسية والرقة والاحساس الجميل يودع الحياة في صمت موجع ، لم تودع مصر فنانا عابرا في تاريخ الغناء بل واحدا من أهم أصواتها، تودع صوتا عاش في وجدانها لعقود وغني للحب والحنين والوجع، كان صوته يشبه مصر الجميلة يشبه الشرفات التي كانت تخرج منها الأغنيات في المساء والقلوب التي تؤمن أن الفن رسالة ومشاعر وحياة، لم يكن مجرد فنان يعتلي المسرح ويغني بل كان حالة إنسانية خاصة استطاعت أن تمنح الناس الطمأنينة والحب والحنين في زمن صار فيه كل شيء سريعا وقاسيا، لم يكن هاني شاكر مجرد نجم كبير بل كان مدرسة كاملة في الرقي الفني والأخلاقي والإنساني فعلي مدار أكثر من خمسين عاما نجح في أن يحافظ علي صورته وعلي احترامه لنفسه وجمهوره وفنه في زمن تغيرت فيه ملامح كثيرة ومعايير كثيرة، كان صاحب حضور هادئ يشبه زمن الفن الجميل ،كان إنسانا يحمل ملامح الطيبة الحقيقية بشوشا مهذبا، محبا للخير متواضع قريبا من الناس.
بدأ هاني شاكر رحلته الفنية مبكرا وكان واضحا منذ ظهوره الأول أن الساحة الغنائية أمام موهبة مختلفة تحمل ملامح الأصوات الكلاسيكية الراقية فقد امتلك منذ شبابه صوتا دافئا واحساسا صادقا جعلاه قريبا من القلوب سريعا، خاصة في فترة كانت المنافسة فيها قوية جدا بين كبار نجوم الغناء في مصر والعالم العربي وكانت انطلاقته الحقيقية بمثابة إعلان عن ميلاد مطرب رومانسي من طراز خاص يستطيع أن يغني للحب والالم والحنين دون مبالغة أو صخب معتمدا فقط علي صدق الإحساس ونقاء الصوت، ومع الوقت أصبح واحدا من أهم نجوم جيله واستطاع ان يصنع لنفسه مدرسة فنية مستقلة، وقد تأثر هاني شاكر كثيرا بالموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب الذي كان يري فيه نموذج الفنان الحقيقي القادر علي الجمع بين الرقي الموسيقي والاحساس العميق، وهذا التأثر واضحا في اختياراته الفنية وفي اهتمامه بالتفاصيل الموسيقية الراقية، وحرصه علي تقديم أغنيات تعيش طويلا ولا ترتبط بمرحلة مؤقتة، وهذا كان أكثر ما يميزه حفاظه علي اللون الرومانسي الراقي رغم تغير الاذواق واتجاهات السوق الغنائي، فبينما اتجه الكثير إلي الضجيج والايقاعات السريعة ظل هاني شاكر مؤمنا بأن الأغنية الحقيقية هي التي تلمس القلب وتبقي في الذاكرة.
فقدم شاكر علي مدار تاريخه عشرات الأغنيات التي أثرت فينا وتأثرنا بها، لم تكن أغانيه مجرد أغان رومانسية عابرة بل كانت جزءا من ذاكرة أجيال كاملة ارتبطت بالحب والحنين والذكريات فبمجرد أن نسمع أغاني "علي الضحكاية ،أو نسيانك صعب أكيد ، ياريتني، كده برده يا قمر، والأغاني الوطنية الرائعة وأنت ماشي في مصر و بلدي" وغيرها تشعر القلوب أنها تعود إلي زمن أكثر دفئا وصدقا ، لم يكن أمير الغناء يعيش حياه الأضواء فقط بل ما خلف الأضواء من حياته الشخصية كان أعمق بكثير ، كان إنسانا يحمل قدرا كبيرا من الرقة والهدوء والوفاء هذا كان يظهر في بساطته وحبه للخير وهو ما جعل صورته الإنسانية لا تقل جمالا عن صورته الفنية، وما جعل من ملامح شخصيته الإنسانية أكثر وضوحا ،طريقته في الحديث عن زوجته ورفيقة مشواره نهله وهذه العلاقة العميقة من أكثر الجوانب التي لمست قلب جمهوره، فقد هاني كان يتحدث عنها دائما بكل حب وامتنان فلم يكن يراها مجرد زوجة، بل كان يقول إنها أخته وابنته وأحيانا أمه التي احتوته في لحظات النجاح والانكسار معا، واضحا لكل من يشاهده وهو يتحدث عنها أنه وجد فيها الأمان والسعادة الحقيقية ولعل أغنيته الشهيرة "انتي لسه بتسألي ..إنتي بالنسبالي إيه ؟ لا ياحبيبتي اطمني الجواب عندي تلاقيه" ، كانت واحدة من أصدق التعبيرات عن هذا الحب الكبير ،حيث علق في حديث له وقال أري زوجتي أمامي عندما أغني هذه الأغنية بالفعل، فكانت كلماتها تخرج منه بإحساس حقيقي يلمس القلب ورغم النجاح الكبير الذي حققه، مرت حياته بأقسى لحظة يمكن أن يعيشها أب وهي فقدان ابنته الوحيدة دينا، ولكن شاكر واجه هذه المأساة بإيمان وصبر شديدين ، مستندا إلي محبه زوجته الوفية وابنه ومحبة جمهوره ، استطاع أن يتجاوز المحنة تدريجيا وأن يمنح أحفاده من ابنته حبا واحتواء كبيرين فكان قريبا منهم يحيطهم بالحنان وكأنه يحاول أن يزرع فيهم امتداد روح ابنته التي رحلت.
ولم يكن إخلاص ووفاء هاني شاكر يتوقف علي محبته لأسرته بل امتد لمهنته، فعندما تولي مسؤولية نقيب المهن الموسيقية دخل معارك كثيرة دفاعا عن الفن المصري وعن قيمة الأغنية الحقيقية، حاول أن يحمي المهنة وأن يحافظ علي الذوق العام والهوية الفنية المصرية، وتحمل بسبب ذلك ضغوطا كبيرة أثرت علي صحته ولكنه لم يتراجع عن قناعاته لأنه كان يؤمن أن الفن رسالة وليس مجرد شهرة.
بعد مشوار طويل من النجاح والشهرة والنجومية رحل هاني شاكر جسدا لكن صوته سيظل باقيا في ذاكرة المصريين والعرب، يملأ البيوت والقلوب دفئا وحنينا ويذكرنا دائما بزمن كان فيه الفن أكثر صدقا، وكانت الأغنية تحمل مشاعر حقيقية لا تموت، نعم فقدت الساحة الفنية واحدا من أنقي اصواتها وفقدت مصر وجها فنيا حمل ملامحها الحقيقية الرقة والدفيء والاحترام والاحساس الذي لا يشتري ولا يصنع، ولكن سيظل اسم هاني شاكر محفورا في وجدان الوطن كصوت أحب مصر بصدق فأحبته وبكته من القلب يوم الرحيل .