في الخامس والعشرين من أبريل عام 1982، كانت مصر على موعد حدثها التاريخي الذي سالت الدماء لتحقيقه بتحرير أرض سيناء، وتمام الانسحاب الإسرائيلي من أرض الفيروز ورفع العلم المصري عليها، في ذكرى يحيها المصريون في هذا اليوم من كل عام، حيث يحتفلون بتحرير سيناء والتضحيات التي بذلت من أجلها.
وجاء تحرير سيناء تتويجا لسلسلة من الملاحم والانتصارات العسكرية، استمرت منذ حرب الاستنزاف ١٩٦٨م، وحتى انتصارات السادس من أكتوبر١٩٧٣م، ثم معركة سياسية ودبلوماسية ومفاوضات استرداد الأرض حتى توقيع معاهدة السلام وبدء الانسحاب الإسرائيلي، حتى تمام الانسحاب في 25 أبريل 1982، حتى تمام التحرير واسترداد آخر شبر من مصر، وهي طابا بمعركة قانونية دولية ودبلوماسية انتصرت فيها مصر في 19 مارس 1989، لتصبح آخر جزء تم تحريره من سيناء.
مراحل استرداد الأرض
ويقول اللواء محمد زكي الألفي مستشار الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، إن هذه المناسبة دائمًا مصدر فخر واعتزاز لنا جميعًا، تذكرنا بانتصار أكتوبر المجيد في العاشر من رمضان عام 1973، ذلك النصر الذي قدّم فيه أبناء هذا الوطن الأبطال أغلى ما يملكون، من أرواحهم ودمائهم، فداءً لمصر، وضربوا أروع الأمثلة في البطولة والتضحية والوطنية الصادقة، دفاعًا عن كرامة الوطن وعزته وصون ترابه.
وأوضح الألفي، في تصريح لبوابة "دار الهلال"، أن أبناء الوطن، من رجال القوات المسلحة والشرطة والأجهزة الأمنية والشعب المصري بأكمله، الذين وقفوا صفًا واحدًا خلف قيادتهم، داعمين لها في أصعب الظروف وأشد الأزمات التي حاول العدو افتعالها، مؤكدا أن الخامس والعشرون من أبريل يومًا تاريخيًا، حيث استردت مصر كامل أرض سيناء، بعد مراحل طويلة من العمل السياسي والدبلوماسي وبذل الكثير من الجهود من كل مؤسسات الدولة.
وأشار إلى أن هذه المراحل استمرت بعد انتصارات السادس من أكتوبر 1973، بدأت بزيارة الرئيس الراحل محمد أنور السادات إلى القدس في 19 نوفمبر 1977، تلتها اتفاقيات كامب ديفيد ثم معاهدة السلام في 26 مارس 1979، وصولًا إلى رفع العلم المصري على العريش، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي من سيناء، باستثناء طابا التي استُعيدت لاحقًا عبر التحكيم الدولي.
وأكد أن سيناء مرت بعدة مراحل حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم، حيث يجري تنفيذ استراتيجية شاملة لتنميتها، وهو ما يمثل الركيزة الأهم في هذه المرحلة، مشيرا إلى أن التنمية تُعد السلاح الأهم لمواجهة عدم الاستقرار والتحديات المختلفة، وتحقيق الأمن والاستقرار، وتجسدت هذه الرؤية من خلال تنفيذ مشروعات قومية كبرى، وإنشاء مجتمعات عمرانية متكاملة، وربط سيناء بباقي أنحاء الوطن عبر شبكة من الجسور والأنفاق، إلى جانب الاستغلال الأمثل لمواردها الطبيعية، والاهتمام ببناء الإنسان فيها.
نهضة تنموية شاملة في كل القطاعات
وأضاف أنه منذ عام 2014، تم وضع خطة استراتيجية للتنمية الشاملة في سيناء، بلغت تكلفتها التقديرية نحو 650 مليار جنيه مصري، وشملت أبرز المشروعات، تطوير البنية التحتية، من خلال إنشاء نحو 2400 كيلومتر من الطرق، خاصة في مناطق مثل وادي سعال وسانت كاترين وطريق دهب – نويبع، كما تم إنشاء أربعة أنفاق لربط سيناء بمدن القناة، لتصبح شرايين حيوية للتواصل بين الوادي وسيناء، بالإضافة إلى تطوير ورفع كفاءة 6 موانئ، وتعزيز النشاط الصناعي عبر إنشاء خمس مناطق صناعية في بئر العبد ووسط سيناء وأبو زنيمة والمساعيد والقنطرة
وأشار إلى أنه تم إنشاء منطقة صناعية جديدة في وسط سيناء، وتطوير المنطقة الصناعية في أبو زنيمة، إلى جانب إقامة عدد من مصانع الأسمنت، أما فيما يخص الموانئ، يأتي من أبرزها موانئ شرق بورسعيد وغرب بورسعيد والعريش والطور، والتي تمثل دعائم أساسية لحركة التجارة والتنمية، كما أُقيمت مناطق صناعية مهمة في شرق بورسعيد وشرق الإسماعيلية والقنطرة غرب، لما لها من دور محوري في دعم الاقتصاد الوطني.
ولفت إلى أنه في القطاع الصناعي، تم إنشاء مصنع أسمنت جديد في العريش بطاقة إنتاجية تصل إلى سبعة ملايين طن سنويًا، إلى جانب إنشاء مزارع سمكية ومصنع لتصنيع وتعبئة الأسماك بطاقة تبلغ نحو 2500 طن سنويًا، كما أُنشئت مجمعات لصناعة الرخام في منطقة الجفافة، بالإضافة إلى مراكز خدمات للمستثمرين في شرم الشيخ.
وأضاف أنه في مجال الكهرباء، تم توصيل التغذية الكهربائية لنحو 250 ألف مشترك، إلى جانب إنشاء وتطوير شبكات كهرباء بتكلفة تقارب 10 مليارات جنيه، وفي قطاع الاتصالات، تم ربط أكثر من 703 جهات داخل سيناء بشبكات الاتصال، فضلًا عن إنشاء العديد من محطات مياه الشرب والصرف الصحي، ومشروعات تحلية المياه.
وأشار إلى أنه في قطاع الإسكان، تم إنشاء مدن سكنية جديدة مثل شرق بورسعيد ورفح الجديدة، إلى جانب تنفيذ نحو 47 ألف وحدة سكنية، و2794 منزلًا بدويًا، بما يسهم في تحسين مستوى المعيشة وتوفير حياة كريمة للمواطنين، وفي المجال الزراعي، تم إنشاء 18 تجمعًا تنمويًا متكاملًا، مع استصلاح نحو 400 ألف فدان حتى الآن، ضمن خطة تستهدف الوصول إلى 600 ألف فدان، كما تم دعم قطاع الثروة السمكية بشكل كبير، لما له من أهمية اقتصادية وغذائية.
وأكد أنه في قطاع السياحة والثقافة، أُطلق مشروع "التجلي الأعظم" في منطقة الوادي المقدس، إلى جانب تطوير المتاحف الأثرية وترميم الآثار الإسلامية، بما يعزز من مكانة سيناء السياحية والدينية، أما في مجال التعليم، تم إنشاء وتطوير 131 مدرسة تضم نحو 1300 فصل دراسي، بالإضافة إلى التوسع في التعليم الجامعي من خلال إنشاء فروع لجامعة السويس في الطور، وجامعة الملك سلمان الدولية بفروعها في شرم الشيخ والطور ورأس سدر.
وتابع: في قطاع الصحة، تم إنشاء أكثر من 13 مستشفى و42 وحدة صحية، مع توفير مخزون استراتيجي من الأدوية، خاصة في ظل التحديات المختلفة، كما شهد قطاع الشباب والرياضة إنشاء العديد من الملاعب والمنشآت الرياضية، وصالات مغطاة في مدن مثل العريش وشرم الشيخ والطور، أما في مجال الحماية الاجتماعية، استفادت نحو 181 ألف أسرة من برنامج "تكافل وكرامة"، في إطار دعم الفئات الأكثر احتياجًا وتحقيق العدالة الاجتماعية.
وشدد على أن هذه الجهود الكبيرة تعكس حجم العمل المتكامل الذي تشهده سيناء، والذي يقف وراءه المواطن المصري في مختلف المواقع، سواء في القوات المسلحة أو الشرطة أو مؤسسات الدولة المدنية، وتأتي هذه الإنجازات في ظل حالة من الاستقرار، رغم التحديات الإقليمية والدولية المحيطة، مما يؤكد استمرار مصر في تنفيذ خطط التنمية الشاملة في سيناء وكافة أنحاء الجمهورية، لتظل دائمًا مرفوعة الرأس ورايتها خفاقة.