إن سيناء العزيزة إلى قلب كل مواطن لها خصوصية لدى كل المصريين جيلًا بعد جيل، وحبها مفطور في القلوب ومسطور في العقول، وصون ترابها مبدأ ثابت عبر التاريخ، ويكفيها شرفًا وفخرًا أنها أرض التجلي، فهي البقعة الوحيدة في العالم التي تشبعت من نور الحق، وتشرفت باختيار الذات الإلهية للتجلي عليها بالبركات والرحمات، وكلم الله على جبالها موسى تكليمًا، كما أنها كانت مسرى الأنبياء وممر الصالحين، فضلًا عن موقعها الجغرافي المميز بين ملتقى القارات، مما جعلها محط الأنظار لكل القوى في مختلف الأزمنة، وزاد من أهميتها الاستراتيجية أنها بوابة مصر الشرقية التي جاء منها الكثير من حملات العدوان طمعًا في السيطرة عليها وسرقة خيراتها العامرة في مجالات عدة، وهذا ما جعلها أرض الاختبارات التي تتواصل في سبيلها البطولات من المصريين القدماء إلى يومنا هذا، وفي كل اختبار يثبت المقاتل المصري أنه صلب لا يُكسر، وشجاع لا يُهزم، وبنفس الدرجة يضرب الشعب العظيم مع كل امتحان أروع الأمثلة لولائه وانتمائه لوطنه، ويقف صفًا واحدًا في ظهر قيادته ليحمي سيناء من تدبير المتآمرين ويفسد حقد الكارهين، لتظل أرض الفيروز آمنة مطمئنة رغم كيد المعتدين.
ويعلم المصريون علم اليقين أن سيناء المباركة كانت علامة فارقة على نضال وطننا الطويل، لأن أرضها الطاهرة ومعالمها الشامخة تلاحمت مع شجاعة جنودنا البواسل في أحداث جسام ووقائع خطيرة حاول خلالها الأعداء النفاذ منها إلى بنية الوطن والاعتداء على سيادته وتلويث أرضه في فترات زمنية متعددة وحقب تاريخية متتابعة، لكن القرار الوطني دائمًا هو النجاح في الاختبار مهما عظمت التحديات أو كثرت المهددات وتنوعت المخاطر، فالموت في سبيل الوطن أسمى الأماني وأغلى المطالب، فنحن قوم نحرص على الكبرياء ونتمسك بالعزة ونتسلح بالفداء في مواجهة كل الأعداء، فالشهادة شرف والنصر واجب ولا ثالث لهما، وسيرة الأبطال على هذه الأرض الطيبة عصية على الحصر، وحكايات الشهداء صعبة على العد، فقد ارتوت رمالها الشاسعة وأرضها الواسعة بالدم المصري الطاهر الذي قدمه مقاتلونا السمر الشداد عن طيب خاطر ورضا نفس خلال معارك الدفاع عن استقرارها، ولتبقى درة التاج المصري، وهي أمانة ثقيلة تتحملها الأجيال بكفاءة واقتدار جيلًا بعد جيل، ولا ترضى بديلًا عن حمايتها من كل المؤامرات الخبيثة.
والأمر المؤكد أن معركة التحرير هي واحدة من أخطر اختبارات إرادة الدولة شعبًا وقيادةً وجيشًا في الحفاظ على مصرية أرض سيناء الأبية، فقد دبر العدو الإسرائيلي خطة محكمة مع سبق الإصرار والترصد بالتنسيق مع العديد من الأجهزة الاستخباراتية والمعلوماتية الغربية، وخصوصًا الأمريكية، لاحتلال سيناء أبد الدهر، وصال وجال في تحصينها بكل الوسائل وجميع الدفاعات، وأنفق مبالغ طائلة على التسليح والمراقبة حتى يقضي على كل محاولات استعادتها لحضن المصريين، من خط بارليف المنيع والمانع المائي لقناة السويس، فضلًا عن تزويدها بأنابيب النابالم الحارقة، ناهيك عن امتلاك أحدث الأسلحة وأعتى المعدات برًا وبحرًا وجوًا، وكانت الترسانة الأمريكية والغربية ملك يمين جيش دولة الاحتلال، يأخذ منها ما يشاء بلا حساب، وهذا ما جعل قادة جيشهم يصابون بغرور القوة وتتمكن منهم غطرسة القدرة، وجميعهم راح يردد في السر والعلن أنهم جيش لا يُقهر ودولة لا تُغلب، وعلى المصريين أن ينسوا سيناء، لأن أي تفكير في أخذها بقوة السلاح مغامرة معروفة النتائج ومحددة المصير، فمن يدخل قناة السويس لن يعود سالمًا مرة أخرى، ناهيكم عن مئات الروايات وآلاف السرديات الإسرائيلية الخرافية، لكن عندما حانت ساعة الصفر يوم السادس من أكتوبر المجيد، فوجئ العالم أجمع وليس العدو فقط، أنه على مدى 6 سنوات كان المصريون يستعدون بلا ضجيج ويتأهبون بلا صياح، فالجنود تحولوا إلى أسود بعد تدريب شاق وتأهيل شامل، والقيادة السياسية أحسنت التوقيت وأجادت عنصر المفاجأة، والشعب ظهر معدنه الأصيل، فاكتملت الثلاثية الوطنية، وفي ساحة المعركة فرضت قواتنا المسلحة بكافة تشكيلاتها وأفرعها الرئيسية كلمتها على ميدان القتال، ولقنت العدو المتغطرس درسًا في فنون العسكرية لن ينساه أبدًا، وفي 6 ساعات فقط سقطت أسطورة جيش العدو الذي لا يُهزم، فقد تجرع كأس الانكسار وذاق مرارة الإخفاق، وحقق جيشنا العظيم معجزة النصر في أفضل صورها، وفتح الباب واسعًا لاستكمال مسيرة التحرير بالمفاوضات.
ولم يكن اختبار براعة المفاوض المصري أقل جهدًا وأدنى حنكة خلال مسار التفاوض الشاق في مراحله الصعبة وجولاته المتلاحقة من بطولات المقاتل المصري في ميدان العمليات، لأن العدو الإسرائيلي، كما هو معروف عنه، يجيد المراوغة ويتقن صناعة الأكاذيب ويحترف أساليب التضليل، مما جعل مهمة المفاوضين المصريين من المحطة الأولى وحتى تحرير طابا في حالة حرب دبلوماسية لتذليل كل العقبات وفضح كل الافتراءات والرد على جميع الاستفسارات بمعلومات دقيقة ووقائع موثقة وخرائط مثبتة لا تقبل التأويل ولا التفسير. وهذه العبارة التي قالها الرئيس السيسي خلال كلمته في ذكرى الاحتفال بعيد تحرير سيناء 2020 تلخص المشهدين العسكري والدبلوماسي في معركة تحرير سيناء:
«لقد مضت مصر في سبيل استعادة سيناء في مسارين متتاليين، مسار الحرب الذي أعاد جزءًا من هذه الأرض الطيبة والذي سار على دربه أبطال الجيش المصري، الذين خاضوا حربًا عسكرية أشبه بالمعجزة، وهي حرب أكتوبر المجيدة، فأعادوا لمصر العزة والكرامة، وللعسكرية المصرية الكبرياء والشموخ، ثم جاء مسار المفاوضات التي لم تقل ضراوة عن مسار الحرب، خاضته مصر مستندة إلى خبرة الدبلوماسية المصرية التي أحسنت استخدام أدواتها وتمكنت في نهاية المطاف من استعادة أرضنا الحبيبة».
وكعادتنا الحميدة مع أرض سيناء التي نحبها وتحبنا ونخلص في الدفاع عنها، هي أيضًا تخلص في الوفاء لنا، فأرضها تهتز تحت أقدام الأعداء لتبتلعهم، وأشجارها تبلغ عن مكامنهم لاصطيادهم، لكنها في الوقت نفسه تثبت أقدام أبنائها خلال جولات الدفاع عنها، وتخفي تضاريسها تحركاتهم عن عيون المتربصين بهم من أهل الشر، وهو ما تكلل بالنجاح لقواتنا المسلحة وشرطتنا المدنية خلال سنوات الحرب على الإرهاب، وما أصعبه من اختبار وما أجمله من انتصار تحقق بتطهيرها من الإرهاب، لتظل هذه البقعة المباركة عنوانًا للصمود والفداء ورمزًا لقوة الدولة المصرية في كل العصور. وهو ما لفت إليه الرئيس السيسي بوضوح خلال كلمته بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ41 لتحرير سيناء، فسيناء الغالية هي عنوان لكفاح الشعب المصري عبر التاريخ كمطمع للغزاة ومحط أنظار الطامحين والطامعين، وهي كذلك المستهدف الأول بأشرس وأخطر موجة إرهاب مرت على مصر في تاريخها كله. وهنا قال الرئيس:
«تعود سيناء لتخوض اختبارًا صعبًا وغير مسبوق، إذ يتوافد إليها إرهابيون وتكفيريون من كل حدب وصوب يهدفون إلى فصلها عن الوطن من خلال نشر الرعب والإرهاب، يظنون واهمين أن بمقدورهم إرهاب جيش مصر وشرطتها، متغافلين أن هذا الجيش العظيم والشرطة الباسلة مقاتلون أشداء لا يخشون الموت في سبيل الله والوطن، ومن خلفهم شعب عظيم طالما صبر وصمد وقاتل وانتصر.. وإن التضحيات والبطولات التي قدمها رجال القوات المسلحة والشرطة المدنية خلال الحرب على الإرهاب في السنوات العشر الماضية ستتحاكى عنها الأجيال لأزمنة طويلة قادمة بفخر وكبرياء».
وكما هو معلوم بالضرورة وموثق بالأرقام والصور والفيديوهات، لم تركن الجمهورية الجديدة إلى النجاح الباهر في القضاء على الإرهاب في أرض الشهداء، بل سارعت إلى خوض غمار اختبار التنمية الشاملة من الصحة والتعليم إلى التصنيع والزراعة مرورًا بالإسكان والطرق والأنفاق، فشهدت أرض الفيروز نقلة نوعية وملحمة تنموية غير مسبوقة بعزيمة جبارة أثمرت مشروعات عدة، وأتاحت فرصًا متنوعة لتوطين ملايين المصريين، ليكون ذلك بمثابة خط الدفاع الأول عنها. وكما نسمع من الرئيس السيسي في هذه المناسبة العطرة:
«كما كانت الحرب من أجل تحرير سيناء واجبًا وطنيًا مقدسًا، وكذلك كانت الحرب من أجل تطهيرها من الإرهاب؛ فإن تنمية سيناء وتعميرها هو واجب وطني مقدس أيضًا».
وكأن أرض سيناء قدرها أن تكون ميدانًا لاختبارات المصريين وسجلًا حافلًا لانتصاراتهم، فقد وقفت الدولة المصرية شعبًا وقيادةً وحكومةً بالمرصاد ضد مؤامرة تهجير أهل غزة إلى أرض الفيروز، ومنذ الأيام الأولى لحرب غزة في 2023 أكد الرئيس السيسي ومعه كل الشعب المصري أن التهجير خط أحمر، لن يحدث أبدًا منعًا لتصفية القضية الفلسطينية، ولن يحدث أبدًا على حساب الأمن القومي المصري. وبفضل الله ووحدة المصريين فشلت مؤامرة التهجير والتصفية، ورغم تطاير شرارة الحرب إلى عدة دول وصولًا إلى الحرب الإيرانية التي لا يعلم أحد متى تنتهي ويصعب حصر توابعها الكارثية على المنطقة والاقتصاد العالمي، إلا أن سيناء آمنة مستقرة، وعلينا جميعًا الاصطفاف الوطني لمواصلة المشروع القومي لتنميتها والحفاظ على نتائجه العظيمة.
حمى الله مصر وشعبها وقيادتها
ومؤسساتها الوطنية من كل سوء