رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

موازنة الانحياز الاجتماعى والانضباط المالى


16-4-2026 | 18:31

.

طباعة
بقلم: د. عبد المنعم السيد

تأتى الموازنة العامة المصرية للعام المالى 2026-2027 فى لحظة اقتصادية دقيقة، تتداخل فيها التحديات الداخلية مع الضغوط الخارجية، وهو ما دفع الحكومة ووزارة المالية إلى تبنى مقاربة تسعى لتحقيق توازن بالغ الحساسية بين دعم المواطن والحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلى. وتعكس الأرقام المعلنة ملامح هذا التوجه بوضوح، حيث تبلغ الإيرادات نحو 4 تريليونات جنيه بزيادة 23 فى المائة عن العام السابق، مقابل مصروفات تصل إلى 5.1 تريليون جنيه بزيادة 13.5 فى المائة، مع استهداف تحقيق فائض أولى عند 5 فى المائة من الناتج المحلى بما يعادل نحو 1.2 تريليون جنيه، وخفض العجز الكلى إلى نحو 5 فى المائة، إلى جانب العمل على تقليص نسبة الدين إلى 78 فى المائة من الناتج المحلى الإجمالى.

 

هذه المؤشرات تعكس فلسفة مزدوجة تقوم على زيادة الموارد دون انفلات الإنفاق، وفى الوقت ذاته توجيه جزء كبير من المصروفات نحو البعد الاجتماعى، وهو ما يظهر جليًا فى زيادة بند الأجور إلى 821 مليار جنيه مع تطبيق حد أدنى يبلغ 8 آلاف جنيه شهريًا، ولا يمكن قراءة هذه الزيادة بمعزل عن موجات التضخم التى أثرت على القوة الشرائية، حيث تمثل محاولة مباشرة لتحسين مستوى معيشة المواطنين وتحفيز الطلب المحلى، وإن كانت تحمل فى الوقت ذاته مخاطر تضخمية إذا لم تقابلها زيادة موازية فى الإنتاج.

وتبرز مخصصات الدعم والحماية الاجتماعية كأحد أهم أعمدة هذه الموازنة؛ إذ بلغت 832.3 مليار جنيه بزيادة 12 فى المائة، فى إشارة واضحة إلى انحياز اجتماعى مقصود، ويتوزع هذا الدعم بشكل يعكس أولويات الدولة، حيث تستحوذ السلع التموينية على 175.3 مليار جنيه يستفيد منها أكثر من 60 مليون مواطن، بما يشمل الخبز والسلع الأساسية، فى تأكيد أن الأمن الغذائى لا يزال فى صدارة الأولويات، كما تم تخصيص 55.3 مليار جنيه للدعم النقدى الذى يغطى نحو 4.7 مليون أسرة من خلال برامج مثل تكافل وكرامة، وهو ما يعكس توجهًا تدريجيًا نحو دعم أكثر استهدافًا وكفاءة، ويأتى دعم الكهرباء بقيمة 104.2 مليار جنيه بزيادة كبيرة، فى محاولة لتخفيف عبء الطاقة على المواطنين والقطاعات الإنتاجية، بينما خُصص نحو 69.1 مليار جنيه لدعم القمح المحلى، فى خطوة ترتبط مباشرة بتقليل الاعتماد على الاستيراد وتعزيز الاكتفاء النسبى.

ولا يغيب عن المشهد دعم الإسكان، حيث تم تخصيص 13 مليار جنيه للإسكان الاجتماعى و4.6 مليار لتطوير المناطق العشوائية، بما يعكس بعدًا تنمويًا يتجاوز مجرد الدعم الاستهلاكى، أما دعم الوقود، فقد بلغ نحو 120 مليار جنيه، بزيادة ملحوظة مقارنة بالعام السابق، وهو ما يطرح تساؤلات مهمة حول اتجاهات أسعار الطاقة، فهذه الزيادة لا تعنى بالضرورة غياب نية رفع أسعار البنزين والسولار، بقدر ما تعكس استمرار سياسة التحريك التدريجى للأسعار وفقًا للتطورات العالمية، مع محاولة تجنب صدمات سعرية حادة. وفى حال انخفاض الأسعار عالميًا، قد ينعكس ذلك جزئيًا على السوق المحلى، لكن ليس بالضرورة بشكل فورى أو كامل، نظرًا لاعتبارات مالية وهيكلية.

وبالتوازى مع هذا الانحياز الاجتماعى، تحافظ الموازنة على قدر من الانضباط المالى، يتضح فى استهداف خفض الاحتياجات التمويلية بنحو 10 فى المائة من الناتج المحلى على المدى المتوسط، وهو ما يثير تساؤلًا مهمًا حول قدرة الحكومة على تقليل الاعتماد على القروض والأموال الساخنة، الواقع يشير إلى أن هذا الهدف قابل للتحقيق جزئيًا، من خلال تعزيز الفائض الأولى وزيادة الإيرادات وجذب الاستثمارات، لكنه لن يلغى الحاجة إلى الاقتراض فى المدى القريب، خاصة فى ظل التزامات خدمة الدين. ومن هنا، يظل تمويل العجز قائمًا على مزيج من أدوات الدين المحلية، مثل الأذون والسندات، إلى جانب الاقتراض الخارجى، مع السعى لتحسين شروط التمويل وتقليل تكلفته.

أما فيما يتعلق بزيادة الإيرادات، فإنها لا تعنى بالضرورة فرض ضرائب جديدة، بل تعتمد بشكل أساسى على تحسين كفاءة التحصيل وتوسيع القاعدة الضريبية ومكافحة التهرب الضريبى، وهى أدوات يمكن أن تحقق نموًا فى الإيرادات دون تحميل المواطن أعباء إضافية مباشرة، خاصة أن وزارة المالية تستهدف التيسيرات الضريبية كمنهج تنتهجه.

ويكتسب ملف الطاقة أهمية خاصة فى هذه الموازنة، حيث تم احتساب سعر برميل النفط عند مستويات 75 دولارًا، فى حين أن السعر الحالى تجاوز 95 دولارًا فى ضوء التوترات الجيوسياسية العالمية، وقد تم تقدير السعر فى الموازنة بناءً على متوسطات وتوقعات السوق وقت إعداد الموازنة، مع الأخذ فى الاعتبار سيناريوهات ارتفاع الأسعار، وبما أن الموازنة تتمتع بقدر من المرونة، فمن الممكن تعديل هذه التقديرات قبل بدء التنفيذ إذا تغيرت الظروف بشكل جوهرى، وهو ما يعد عنصر أمان مهمًا فى إدارة المالية العامة.

وفى السياق ذاته، يتم تحديد سعر الدولار فى الموازنة كقيمة استرشادية تُستخدم فى حساب الإيرادات المرتبطة بالصادرات وتحويلات المصريين بالخارج وإيرادات قناة السويس، وكذلك فى تقدير تكلفة الواردات وخدمة الدين الخارجى. ولا يمثل هذا السعر التزامًا فعليًا، بل أداة فنية لضبط التقديرات، تعكس فى الوقت ذاته توقعات الدولة بشأن استقرار سعر الصرف.

فى المجمل، تعكس هذه الموازنة محاولة جادة لتحقيق توازن دقيق بين متطلبات العدالة الاجتماعية وضرورات الاستقرار الاقتصادى. فهى من ناحية توسع نطاق الدعم وتزيد الإنفاق على الأجور والصحة والتعليم، ومن ناحية أخرى تسعى للسيطرة على العجز وخفض الدين وتحقيق فائض أولى مرتفع. ويظل التحدى الحقيقى فى قدرة الحكومة على تنفيذ هذه السياسات بكفاءة، فى ظل بيئة عالمية غير مستقرة، وضغوط داخلية مستمرة. وإذا نجحت فى ذلك، فقد تمثل هذه الموازنة خطوة مهمة نحو بناء اقتصاد أكثر توازنًا واستدامة، يضع المواطن فى قلب أولوياته دون أن يغفل متطلبات الاستقرار المالى.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة