تتبنى سلطنة عُمان دبلوماسية "الحياد الإيجابي" والوساطة الهادئة لإدارة أزمات المنطقة، خاصة الحرب الراهنة على إيران، عبر الحفاظ على علاقات متوازنة بين طهران، واشنطن، ودول الخليج، إذ ترتكز السياسة العمانية على خفض التصعيد، ورفض الحروب، وضمان أمن الملاحة، لا سيما في مضيق هرمز، معتبرة الحوار والحلول الدبلوماسية هي السبيل الوحيد للاستقرار.
والحقيقة أن سلطنة عُمان برزت كنموذج رائد للحياد الإيجابي في منطقة شرق أوسط شديدة الاستقطاب السياسي والأزمات. فمنذ تولي السلطان قابوس بن سعيد - طيب الله ثراه- الحكم في سبعينيات القرن الماضي، وضعت عُمان ركائز سياستها الخارجية على الحياد، عدم التدخل في شؤون الآخرين، واحترام السيادة الوطنية للدول، وهو النهج الذي استمر وأكد عليه السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان منذ توليه الحكم في 11 يناير عام 2020.
لقد أدركت القيادة العُمانية مبكرًا أن منطقة الخليج والشرق الأوسط تمثل ساحة معقدة من التقاطعات الإقليمية والدولية، وأن أي انحياز لطرف على حساب آخر سيجعل البلاد عرضة لضغوط وتهديدات متعددة. لذلك، اعتمدت عُمان استراتيجية دبلوماسية تقوم على بناء علاقات متوازنة مع جميع الأطراف، من الشرق والغرب، من الدول الكبرى والصغرى، ومن مختلف المحاور السياسية، مما جعلها محط ثقة الجميع. استطاعت عُمان البقاء على مسافة واحدة من جميع الأطراف دون انحياز إلى أي طرف، كما امتنعت عن الانخراط في أية تحالفات عسكرية ضد الدول الأخرى، وعلاوة على ذلك برزت كوسيط دبلوماسي موثوق به في حل النزاعات مستعينة بالدبلوماسية الوقائية للحد من انتشار النزاعات ولبناء السلام والأمن في المنطقة والعالم.
وفي عالم تتصاعد فيه المخاطر الجيوسياسية، يٌقدم النموذج العُماني درسًا بليغًا على أن الحياد ليس انعزالًا، بل هو أداة فعّالة لبناء السلام. إن الحياد العُماني هو موقف عقلاني يتيح للدول أن تكون مؤثرة وفاعلة على مسرح العلاقات الدولية، دون الانحياز لأي محور، بل بالانحياز لقيم الحوار والتفاهم والسلام. ومن خلال مواقفها المحايدة عبر أكثر من خمسة عقود من الزمن، جسدت ومارست عُمان الحياد الإيجابي في عدة محطات تاريخية. ولعل من أشهرها خلال الحرب العراقية الإيرانية، والأزمة الخليجية، والأزمة اليمنية، والملف النووي الإيراني، وغيرها من الأزمات التي امتنعت فيها عُمان من الانحياز إلى أحد أطراف النزاع، مفضلة الانحياز إلى السلام والدبلوماسية والمشاركة بفاعلية في الوساطة وحل النزاعات والتي نجحت في كثير منها.
هذا النهج العُماني يعكس إرث البلد التاريخي العريق المبني على التسامح والاعتدال والانفتاح، وكذلك إدراكًا عميقًا لأهمية الموقع الجغرافي المطل على مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة العالمية. فبدلًا من الانخراط في صراعات القوى الكبرى، وظفت عُمان موقعها لتعزيز دورها كوسيط موثوق، قادر على مد الجسور بين الشرق والغرب. كما أن الحياد مكّنها من حماية سيادتها، وامنها الوطني، وتنميتها الاقتصادية، وجذب الاستثمارات، وتعزيز صادراتها، في وقت كانت فيه المنطقة تعاني من اضطرابات مستمرة. لقد ظلت فلسفة الحياد العُماني الفريدة في الشرق الأوسط لفترة من الزمن عصية على الفهم لدى البعض، متهمين هذا الحياد الإيجابي بالانعزال أو الصمت السلبي أو حتى الضعف.
إلا أن تطورات أزمة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران والتي دخلت شهرها الثاني، كشفت عن مصداقية ووثوق الموقف العُماني، حتى أصبحت هذه الفلسفة واضحة وباتت موضع إشادة وتقدير من المجتمع الدولي ودول المنطقة بعد أن لاح في الأفق مجدداً دور الدبلوماسية العُمانية والذي تمثل في المباحثات التي عقدتها الخارجية العُمانية مع الخارجية الإيرانية لبحث سبل انسيابية المرور في مضيق هرمز. وهو الأمر الذي يعول عليه اليوم خبراء العلاقات الدولية؛ إذ يرون أن التزام الدول بالحياد يعكس نضجًا سياسيًا ورؤية استراتيجية بعيدة المدى، ويمنحها القدرة على بناء شبكة واسعة من العلاقات المتوازنة بعيدًا عن الاستقطابات التي كثيرًا ما تقود إلى أزمات غير محسوبة. كما يؤكدون عى أن الحياد الإيجابي يُعدّ استراتيجية فعّالة في حماية سيادة الدول وتعزيز استقرارها الداخلي.
وبحسب ما قاله عاصم الشيدي، رئيس تحرير جريدة عُمان،فإنه "كثيرا ما قُرئ الحياد العُماني بوصفه ميلا إلى تجنب الصراعات، وهذه قراءة ناقصة. فسياسة مسقط لم تقم على الهروب من التناقضات، بل على فهم متراكم لها، وعلى قناعة بأن الاقتصاد في الكلام قد يكون أحيانا جزءا من الفعل السياسي نفسه. وفي السياسة الخارجية، توجد دائما عوامل ثابتة وعوامل متحركة. الثوابت تصنعها الجغرافيا والتاريخ. أما المتغيرات فتولّدها موازين القوة، وحالة الإقليم، ومزاج الداخل، وطبيعة اللحظة الدولية. وفي حالة عُمان، ـ كما أفردها الشيدي ـ تدخل الجغرافيا في صميم القرار السياسي. فعُمان تطل على مدخل مضيق هرمز، أحد أكثر الشرايين حساسية في الاقتصاد العالمي، وتعيش في بيئة إقليمية تعرف من تجاربها المتراكمة أن الحروب فيها لا تبقى داخل حدودها الأولى.
وحين تكون الدولة واقعة عند هذا المفصل بالذات، فإنها تتعلم مبكرا أن اندفاع الآخرين نحو القوة يخلق عليها أعباء لا تملك ترف تجاهلها. ثم يأتي التاريخ ليضيف طبقته الخاصة. فعُمان الحديثة لم تبنِ علاقاتها الإقليمية على فكرة الاصطفاف الحاد، وإنما على قدرة متدرجة على التحدث إلى قوى لا تتحدث إلى بعضها. وهذا ثمرة استثمار طويل في المصداقية والثقة.
والثقة هنا لا تصنعها التصريحات، وإنما يصنعها سلوك متكرر يقتنع معه الفرقاء بأن هناك طرفا يستطيع صون قنوات التواصل من دون أن يعبث بمضمونها. وأكد الكاتب العُماني على فكرته المحورية قائلاً إن أخطر ما تفعله الحروب أحيانا أنها تغلق الأبواب واحدا بعد آخر. وكل باب يُغلق يفتح احتمالا آخر للفوضى. والدولة التي تقرر- عن وعي وبكلفة معروفة - تُبقي بابا واحدا مفتوحا، تؤدي وظيفة سياسية نادرة. وهذا هو معنى الموقف العُماني في هذه الحرب. فمسقط لا تدعي أنها توقف العواصف، لكنها تعرف أن الإقليم الذي يفقد قنواته جميعا يصبح أكثر عرضة لأن يُدار بلغة واحدة. وعندئذ يخسر الخليج أحد الشروط الضرورية لمنع الحرب من أن تصبح قدرا دائما.
المؤكد جملة وتفصيلاً أن سلطنة عُمان لا تمارس الحياد كمبدأ نظري، بل كنهج عملي راسخ أثبت قدرته على تحقيق السلام والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي. تقدم عُمان درسًا عالميًا حول قوة الحياد عندما يقترن بالدبلوماسية النشطة والحكمة السياسية والتوازن، مما يجعلها منارة للدبلوماسية الهادئة ومثالًا يحتذى به على كيفية أن تكون الدولة فاعلة ومؤثرة دون الانحياز لأي طرف، بالانحياز فقط لقيم السلام والحوار.
المؤمل أن تكلل جهود الدبلوماسية العُمانية بنجاح بقدرتها على إدارة الأزمة المعقدة والراهنة بالجمع بين التوازن والحياد، مستندة في ذلك على إرثها الحضاري والتاريخي، يعضدها في ذلك كل الجهود العربية والإقليمية والدولية المخلصة، بالتوصل إلى اتفاق أو توافق مرحلي ووقف الحرب التي أدت إلي تدمير البنى التحتية في الدول أطراف الأزمة المباشرين وغير المباشرين، والتي طالت آثارها الاقتصادية السيئة جميع دول العالم.