رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الرجل الذى قلب الهرم الغذائى؟!


26-3-2026 | 17:13

.

طباعة
بقلم: حمدى رزق

والرجل، هو المصرى ابن كلية طب المنصورة، الأستاذ الدكتور «أسامة حمدى» أستاذ الباطنة والسكر بجامعة هارفارد بالولايات المتحدة الأمريكية .

والهرم المقصود، الهرم الغذائى، واستغرق قلبه عقدين من الصراع العلمى (الطبى) الذى كاد يكلف الدكتور أسامة حمدى مستقبله، وتكتلت ضده وفريقه البحثى فى هارفارد مؤسسات طبية كونية، ملتحفة بكارتلات اقتصادية غذائية عابرة للقارات برءوس أموال مليارية .

 

 

فى النهاية انتصر العلم على سطوة المال، واستجابت الجمعية الأمريكية للسكر بعد طول امتناع لموجبات الهرم الغذائى الجديد، وقالت فى إرشادها للأطباء المعالجين لمرض السكر والسمنة «إن خفض النشويات فى الأكل هو أفضل ما يفيد مريض السكر والسمنة»، وأنها تنصح المرضى بذلك.

كان ذلك انتصارًا ساحقًا للعلم، وكما قال أبو قراط، إله الطب عند الإغريق. كان طريقًا صعبًا ومحفوفًا بالأخطار فى مواجهة سطوة المال والنفوذ؛ فصناعة الغذاء حول العالم بمليارات الدولارات، ودائمًا ما تبحث فقط عن مصالحها، حتى لو وقفت فى وجه العلم.

الهرم الجديد المقلوب سيغير صناعات واقتصاديات وتبادل منتجات غذائية بالمليارات حول العالم، ولكنه بالتأكيد سيفيد صحة الملايين الذين سقطوا تحت الهرم القديم .

***

لا يعلم الكثيرون أن ما حدث كان نتيجة صراع علمى محتدم وطويل لأكثر من عشرين عامًا، وتبدأ القصة بالتحديد منذ 23 عامًا حين كلف مدير مركز جوزلين بجامعة هارفارد -الباحث والعالم الكبير د. «رونالد كان»، الدكتور أسامة حمدى بقيادة فريق بحثى ليرد على اتهام مجلة US News and World Report الشهيرة، والتى اتهمت الجمعية الأمريكية للسكر ومركز جوزلين بأنهما ينصحان مرضى السكر بأسلوب تغذية يضرهم وربما يقتلهم .

كان مقال حرب الغذاء «Diet War» زلزالًا يهز كيان الموروث عن مفهوم التغذية ويقلبه رأسًا على عقب، فالهرم الغذائى الذى ظهر لأول مرة فى 1980 تحت اسم «إرشادات التغذية للمواطنين» US Nutrition Guideline وأصبح بعد ذلك مقدسًا ولا يمكن المساس به، كانت قاعدته العريضة، التى ينصح الناس بكثرة تناولها، مكونة من النشويات كالخبز ومنتجات القمح والحبوب وقمته، التى ينصح الناس بالإقلال منها، مكونة من الدهون واللحوم لاعتقاد الجميع وقتها أن الدهون فى اللحم ومنتجات الألبان هى القاتل الأول والمسبب لجلطات القلب والدماغ، وأن كثرة أكل البروتينات كالدجاج والسمك والبيض والبقوليات تدمر الكلى.

لم يكن الدكتور أسامة وقتئذ يدرك أنه سيقلب يومًا هرم التغذية الراسخ فى العقول رأسًا على عقب، فلقد كان العرف السائد منذ أن أجرى الباحث الشهير أَنسِل كيز Ancel Keys أبحاثه فى الستينات والسبعينات أنه لا ضرر على الإطلاق من النشويات كالخبز ومنتجات دقيق القمح والبطاطس والسكر، وإنما الخطر الأكبر على القلب والمخ يكمن فى تناول الدهون، مما حَدا بالناس إلى شرب الحليب خالى الدسم ونزع الدسم والكوليسترول من معظم المواد الغذائية ظنًا أنها وسيلة الوقاية الأولى من أمراض القلب.

بعد جهد علمى مضنٍ طوال عشرين عامًا انتهى الدكتور أسامة وفريقه البحثى إلى أن العكس هو الصحيح تمامًا، وأن الخطورة الحقيقية تكمن فى الإسراف فى أكل النشويات وخاصة السكر ومنتجات الدقيق والأطعمة المحتوية على كمية عالية من النشا مثل الأرز والبطاطس والذرة، وليس فى البروتينات والدهون المفيدة.

ثارت زوبعة كبيرة فى جميع الأوساط الطبية فى الولايات المتحدة الأمريكية حين طالب الدكتور أسامة حمدى بخفض النشويات لما لا يزيد عن 40-45 فى المائة من السعرات الحرارية، وزيادة البروتينات إلى نحو 30 فى المائة من السعرات الحرارية (وبالأدق 1-1.5 جرام لكل كيلو جرام من وزن الجسم)، مع تناول الدهون المفيدة بما يشكل الباقي.

كان هذا الرأى صفعة للموروث خلال ربع قرن، ووصل الأمر إلى مطالبة البعض بفصل الدكتور أسامة لإثارة هذه الزوبعة، وتحدى إرشادات الجمعية الأمريكية للسكر وجميع المنظمات التى كانت تحذو حذوها والتى كانت تنصح المرضى وقتها بتناول 50-60 فىالمائة من السعرات الحرارية من النشويات مع خفض البروتينات لما لا يزيد عن 15 فىالمائة .

***

الاعتراف بالهرم الغذائى الجديد جاء من بعيد من الجمعية الأسترالية للسكر ثم الجمعية الكندية للسكر .

الزوبعة بلغت ذروتها فتحولت إلى عاصفة، وفى العام 2008 كانت المناظرة الكبرى، ليلة قلب الهرم الغذائى، نظمت الجمعية الأمريكية للسكر الدكتور أسامة حمدى لمناظرة الباحث الذى أقنع الجميع أن البروتينات ضارة لمرضى السكر، وأنها تعصف بوظائف الكلى.

فى هذه المناظرة المسماة «مناظرة البروتينات الكبرى» The great protein debate، التى حضرها أكثر من 8000 طبيب وباحث فى مجال السكر من الحاضرين للمؤتمر السنوى للجمعية الأمريكية للسكر فى سان فرانسيسكو، حبس الجميع أنفاسهم انتظارًا لنتيجة هذه المناظرة العلمية الفريدة والمدعومة بالبراهين العلمية الرصينة. ورغم هجوم المناظر الشرس، استطاع الدكتور المصرى أسامة حمدى أن يثبت نظريته التى قلبت الهرم رأسًا على عقب .

على أثر المناظرة عقد مركز جوزلين سيمنارًا علميًّا لكبار الباحثين فى مجال التغذية لمرضى السكر؛ لبحث أهمية تناول البروتين وكميته الآمنة لمرضى السكر، ورغم القناعة الطبية عالميًا بالهرم المقلوب، لم تسلم وزارة الزراعة US Department of Agriculture بالجديد وأصدرت إرشاداتها الجديدة للتغذية فى 2015 ( تتجدد كل 5 سنوات)، التى لم تختلف كثيرًا عن سابقتها، فكوّن الدكتور أسامة ومجموعة من الباحثين والعلماء فى علوم التغذية مجموعة مناهضة لقرارات الحكومة سميت «جبهة التغذية» Nutrition Coalition Group، وأعلنوا رفض الإرشادات الجديدة، وأنها لا تخدم سوى مصالح أباطرة الصناعات الغذائية وجماعات الضغط الذين يريدون بقاء الحال كما هو عليه لما لهم من فائدة .

نتيجة هذا الضغط جرى إصدار قرار بتنظيم القواعد التى تُوضَع على أساسها الإرشادات الغذائية للمواطنين، والتدقيق فى اختيار واضعيها من خلال لجنة محايدة تحت إشراف أكاديمية العلوم الوطنية National Academy of Science وهى أكبر هيئة علمية فى الولايات المتحدة. وجرى ترشيح الدكتور أسامة لعضوية هذه اللجنة، ولكن الأكاديمية عادت لسحب ترشيحها، ربما تحت ضغط الهيئة التى تضع هذه الإرشادات وتصرف على هذه اللجنة لمعرفتهم بسابق آرائه .

فى العام التالي، وفى خضم المنافسة على الرئاسة بين المرشح الجمهورى ترامب والمرشحة الديمقراطية هيلارى كلينتون، كتب الدكتور أسامة حمدى مقالًا كبيرًا فى 10 سبتمبر 2016 على صفحة كاملة من عدد الأحد من صحيفة النيويورك تايمز، الواسعة الانتشار، قال فيه: لو عدنا إلى علاج السكر عن طريق التغذية السليمة -كما كانت الحال قبل الأدوية- لانتصرنا على هذا المرض ومرض السمنة المستشريين فى المواطنين ووفرنا المليارات.

عندئذٍ قامت القيامة، حيث أرسلت الجمعية الأمريكية للسكر إلى مركز جوزلين خطابًا شديد اللهجة، تهدد ضمنيًّا بقطع دعمها للأبحاث بالمركز، وثارت شركات الدواء ثورة عارمة لسبب قد يبدو مفهومًا، وطالب آخرون بفصل الدكتور أسامة مجددًا .

لكنه لم يصمت، واستمر فى الدفاع عن نظريته فى جميع الجبهات، ونشر أكثر من مقال وبحث فى أكبر المجلات الطبية، وهى مجلة Lancet لتوضيح علاقة الغذاء بانتشار مرض السكر. وبعد ذلك بعامين نشر مقالًا فى مجلة US Endocrinology بعنوان «نهاية عصر زيادة النشويات The End of High Carbohydrates Era”، ونشر حديثًا مقالًا مع بعض كبار الباحثين فى مجال التغذية فى الولايات المتحدة «ننصح بنظام غذائى جديد يكون عماده خفض النشويات وزيادة البروتينات»، وأجرى مع زملائه بحثًا تكلف أكثر من مليون دولار أثبت به عدم خطورة دهون منتجات الألبان على مرضى السكر.

***

وهنا أترك الدكتور أسامة حمدى ليسجل انطباعاته عن تلك المعركة العلمية الطبية ..

أخيرًا، وبعد التأكد من البراهين العلمية الرصينة، استجابت الجمعية الأمريكية للسكر، وقالت فى إرشادها للأطباء المعالجين لمرض السكر والسمنة «إن خفض النشويات فى الأكل هو أفضل ما يفيد مريض السكر والسمنة»، وأنها تنصح المرضى بذلك. كان ذلك انتصارًا ساحقًا للعلم، وأكد لى أن الإصرار المؤيد بالأبحاث العلمية يمكنه أن يغير معتقدات راسخة كان من المستحيل المساس بها، وأن صحة البشر فوق كل اعتبار مادى أو معنوي. وكانت سعادتى لا توصف حين منحتنى الأكاديمية الأمريكية للتغذية وعلوم الغذاء الأمريكية وسامها بالعضوية الفخرية للأكاديمية؛ تكريمًا لمجهودى وأبحاثى سنوات طوالًا فى تطوير النظام الغذائى لمرضى السكر والسمنة. ثم تبعتها فى ذلك وزارة الزراعة فى نشر إرشادات الغذاء الأخيرة، والتى قلبت الهرم رأسًا على عقب وجعلت رأسه فى الأسفل من النشويات القليلة والقاعدة الكبيرة فى أعلى من البروتينات والدهون المفيدة للحفاظ على العضلات والصحة العامة. تعلمت من كل ما مر بى «أن الخطأ قد يصبح عقيدة لا تقبل المساس ولكن حتمًا سيهزمه العلم، والعلم وحده، آجلًا أم عاجلًا”.

 

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة