رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

هل يوجد أدب قبطى أم كتابة عن الأقباط؟


11-5-2026 | 16:56

.

طباعة
بقلـم: نجوان عبداللطيف

سؤال افتتحت به الدكتورة نيفين مسعد، الندوة التى أعدتها دار العين للنشر، عن كتابها الجديد «الشخصية القبطية فى الأدب المصرى»، ويأتى هذا الكتاب واحدًا من أحدث إصدارات الدار لعام 2026. وكما عودتنا الدكتورة فاطمة البودى، صاحبة دار العين، طوال أكثر من 25 عامًا هى عمر الدار، الجرأة فى التصدى للموضوعات الشائكة، وغير المألوفة على حد تعبير د. نيفين. هذا الكتاب من بين تلك الكتب التى تقتحم موضوعًا حساسًا، هذا بخلاف الجهد المبذول فى إعداده، الذى يرقى إلى مصاف البحث العلمى الجاد، حيث اطلعت د. نيفين على عدد ضخم من الروايات تجاوز المائة، وبعض المجموعات القصصية، و14 مقالاً، و11 صفحة (فيسبوك)، و6 مواقع إلكترونية، وعمل متواصل لخمسة أعوام، من أجل إنجاز هذا الكتاب، الذى يضع اللبنة الأولى فى هذا الموضوع، ما يتسنى للباحثين البناء عليها.

فى مقر دار العين فى وسط البلد العتيقة، اجتمع لفيف من المثقفين والأدباء والشخصيات العامة، جلس على المنصة الكاتبة د. نيفين مسعد أستاذ العلوم السياسية فى جامعة القاهرة، والأديب الكبير نعيم صبرى، والشاعر الناقد المتميز سيد محمود، وفى القاعة أطلّت الأديبة الرائعة سلوى بكر، والكاتب الكبير د. نبيل عبدالفتاح، والشاعر المبدع زين العابدين فؤاد، والسفير محمد توفيق، والأديبة الشابة كارولين كامل، وغيرهم.

لم يكن غريبًا أن تتناول د. نيفين، أستاذة العلوم السياسية، النابهة الحاصلة على جائزة الدولة التقديرية فى العلوم الاجتماعية للعام الماضى موضوعًا يتعلق بالأدب، هى كما قالت شغوفة بقراءة الأدب منذ صغرها.

 وهى فى أبحاثها العلمية تتناول السياسة متداخلة مع الواقع الاجتماعى، ورسالتها للدكتوراه كانت عن الأقليات والسياسة فى الوطن العربى، كما أنها تمتلك لغة بسيطة جميلة ترقى إلى لغة الأدب، ما جعلها واحدة من أبرز الكتاب فى صحيفتى «الأهرام» و»الشروق».

 نعود للسؤال الأول: هل يوجد أدب قبطى أم كتابة عن الأقباط؟

تقول د. نيفين بكلمات قاطعة: «لا يوجد أدب قبطى»، وتكمل: «الأدب ليس له دين ولا نوع»، وترفض تصنيف الروايات التى تكتبها أديبات، بالأدب النسائى أو أدب الأظافر الناعمة.

 المطروح أمامنا هو الكتابة عن الأقباط التى تصور حياتهم، وحالتهم النفسية، ونزعاتهم العاطفية، وخصوماتهم الطائفية، واتجاهاتهم الفكرية، وميولهم السياسية، وأمانيهم الوطنية.

السؤال الثانى: لماذا اختارت الكاتبة لفظ القبطى دون المسيحى؟

كان اختيار د. نيفين للفظ القبطى -كما قالت- يعبر عن الخصوصية المصرية المسيحية، وذلك ردًا على مَن أخذ عليها هذا الاختيار، فالأقباط مصطلح كان يُشار به إلى عموم أهل مصر قبل دخول الإسلام، فالقبطى يعنى مصريا، وهى أرادت من ذات المنطق أن تؤكد تلك الخصوصية، والأمر الآخر أن البعض يرى أن لفظ الأقباط يشار به إلى المسيحيين الأرثوذكس فقط، بينما الكاتبة تستخدم مصطلح «قبطى مصرى» بالمعنى الواسع الذى يشمل الطوائف الثلاث؛ أرثوذكس وبروتستانت وكاثوليك.

السؤال الثالث: لماذا اختارت د. نيفين ثورة يناير 2011 كنقطة زمنية محورية تمثل طفرة فى الكتابة عن الشخصية القبطية؟

تقول الدكتورة نيفين: كان هناك اهتمام كبير بالشأن القبطى منذ يناير2011، وما يميز هذا الاهتمام محاولة النفاذ داخل المجتمع القبطى، وجعل الأقباط يعبرون عن أنفسهم بدلاً من الكتابة عنهم وعن مجتمعهم من خارجهم، وإعادة قراءة تاريخ بعض الشخصيات القبطية الأكثر خلافية مثل شخصية المعلم «يعقوب حنا» الذى استعان بالفرنسيين ضد المماليك. وهناك اتجاه لتقديم قراءة لاهوتية لبعض النصوص الأدبية مثلما تعرض روبير الفارس لكتاب عبقرية المسيح للعقاد، واهتمام الأقباط بالتوثيق وإضاءة مساحات غير معروفة من حياتهم.

ويأتى دور وسائل التواصل الاجتماعى فى توثيق كل ما له علاقة بالأقباط، منها صفحات على «فيسبوك»، مثل: «أبناء الأنبا ميخائيل» و»سراج الحق» وغيرها من المواقع، مثل: «أقباط متحدون» و»المرصد القبطى» و»صوت المسيحى» وغيرها.

وتردد موقف الأقباط من الثورة بين العزوف أو المشاركة أو الرحيل والهجرة، واستشهدت د. نيفين بكتاب سليمان شفيق «الأقباط بين المشاركة والعزلة» الذى فسّر هذا الحراك السياسى للبعض من الأقباط ونزول التحرير بقيادة التيار العلمانى المسيحى ومن رموزه جورج إسحاق وأمين إسكندر باتساع مناخ الحرية للتعبير عن الغضب من نظام مبارك وأيضًا من الممارسات الكنسية المتشددة مثل رفض الطلاق.. وأشارت د. نيفين إلى أن الصورة العامة لثنائية المشاركة والإحجام صورة متحركة بعد انتهاء الـ18 يوما.

معظم الأقباط بدأوا يستشعرون أن الآتى يمثل لهم تهديدًا وجوديًا ما يوجب الاحتماء بالكنيسة ومنهم مَن انغمس فى العمل العام، وتكونت الحركات الاحتجاجية وأبرزها شباب ماسبيرو، وآخرون انضموا إلى أحزاب تنحو باتجاه العلمانية، والمؤكد أن ثورة 30 يونيو كانت نقطة التقاء الأقباط ضد حكم الإخوان.

 الأديب نعيم صبرى الذى كتب مقدمة الكتاب قال إن الكتاب يثير تساؤلات: هل فعلا توجد الشخصية المسيحية؟ وهل تتميز عن الشخصية المسلمة؟ وبافتراض وجودها كيف تعيش فى المجتمع؟ وكيف تشعر؟ هل تشعر بالإقصاء؟ وكيف تحتفل بمناسباتها؟ ماذا تأكل وتشرب؟ ما طبيعة انتماءاتها الوطنية والقومية؟ ما وضعها فى المجتمع؟ وفى الحب والزواج وماذا عن الزيجات المختلطة؟ وعن مشاكلها المعقدة وتأثيرها على السلام الاجتماعى؟

 يقع الكتاب فى 275 صفحة من خلال 3 فصول؛ الأول بعنوان الشخصية القبطية بين تاريخين، والفصل الثانى الشخصية القبطية فى الأدب المصرى قبل يناير 2011، والفصل الثالث الشخصية القبطية المصرية بعد ثورة يناير 2011.

 تحتل الشخصية القبطية مساحة واسعة فى الأعمال الأدبية بعد ثورة يناير أكثر من قبلها كما تقول د. نيفين فى كتابها، وتوضح أوجه الشبه والاختلاف فى التناول، حيث تظهر نزعة التمرد بعد الثورة، وقد أخذت مساحة أكبر تتمدد فيها مثلما فى رواية مينا فايق «خلف أسوار الكنيسة»، ويرفع أدب روبير الفارس القداسة عن الكهنة فى روايته «صلاة القتلة»، وما قبل الثورة كان هناك تمرد فى أدب «إدوار الخراط» على السلطة البطريركية وأعمال سعيد نوح وغيرها.

الانتقاد الواضح للأعمال الأدبية ما بعد الثورة لشبكة المصالح المعقدة التى تربط بين الكنيسة والدولة مثل رواية «خلف أسوار الكنيسة» لمينا فايق، هذا البعد غير موجود فى أدب ما قبل الثورة، ولكن كان الانتقاد للرؤساء لغياب الديمقراطية.

أدب ما بعد الثورة اقتحم مواضيع بالغة الحساسية مثل المثلية والتحول الجنسى مثل «حكاية ميم» لمايكل بشرى، ولكن لم تنجح ثورة يناير فى معالجة معضلة الزواج المختلط.

الأدب فى الفترتين تناول العلاقة بين مسلمى مصر وأقباطها فيها؛ الجيرة والصداقة والعادات المشتركة والمفردات من نفس القاموس، وفيها من الاستظراف والتسخيف والمزاح حتى التنمر، والتشابه فى طقوس الموالد، حيث لا تختلف بين مولد المرسى أبوالعباس ومولد مار جرجس، فالصورة المبهجة التى يرسمها البهجورى وإبراهيم عبدالمجيد روحها تسرى فى مولد العذراء بجبل الطير فى رواية مينا عادل.

ويشترك الأقباط والمسلمون فى الخوف من الحسد، ويتباركون بالعين الزرقاء والسمكة وهى من الأعمال الأدبية التى تناولتها د. نيفين فى الفصل الثالث رواية فيكتوريا، أول أعمال الكاتبة كارولين كامل التى أوضحت كيف مع المد الإسلامى تحول مجتمع المسيحيين إلى «جيتو». تقول بطلة الرواية: إن صديقتها المسلمة دعاء قررت الابتعاد عنها بعد أن تحجبت، وهو ما حدث بالضبط لوالدتها مارى فى محيط عملها.

فيكتوريا تحولت من فتاة انطوائية أو معقدة مرعوبة من السير فى الشوارع العامة إلى فتاة تثرثر وتتجمل وتحب، ربما يرمز هذا التحول إلى ما كان ينشده الأقباط من تبدل أحوالهم بعد الثورة.

«كارولين» قالت فى الندوة: إنها عندما انتقلت من المحلة إلى القاهرة فوجئت بأن هناك مسلمات غير محجبات.

يصف سيد محمود ثورة يناير بأنها ضوء فى لحظة إظلام مع الضوء، تعرف الناس على بعضهم بعضا؛ المسلمون مع الأقباط مع السلفيين، كانت فرصة للمكاشفة والمصارحة، أن يرى المسيحى أن هناك مسلمًا أو سلفيًا طيبًا، والعكس بالعكس، أن تصبح من أشهر صور الميدان جورج إسحاق يحمى المصلّين المصريين، واستخدام مواقع التواصل الاجتماعى لها وسيطًا لنقل قضايا الأقباط أعطى فرصة للجميع، ومنهم الكُتاب للتعرف على تلك القضايا واكتشافها. أما روايات مثل رواية كارولين ورواية مينا، فتقدم لنا الحياة اليومية للشخصية القبطية، هذا مفيد للتعرف على الآخر.

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة