من زحام المدن الصاخب، ومن سكون المقاهى الحميم، خرج وحيد الطويلة كاتبًا يحمل فى قلبه وفرة من الحكايات، وفى عينيه مائة غمزة تنضح بالسخرية والشجن، وتمتزج فيها المرارة بابتسامة خافتة، والتمرد بنبرة إنسانية دافئة لا تخلو من حنين. لم يكن مجرد راوٍ للأحداث، بل شاهدًا عليها، ومنخرطًا فى نسيجها، يعيد تشكيلها عبر لغة شفيفة تبدو بسيطة فى ظاهرها، لكنها عميقة الأثر، قادرة على أن تُضحك وتُوجع فى اللحظة نفسها.
وُلد الطويلة فى محافظة كفر الشيخ عام 1960، فى زمن كانت فيه الأحلام تتقلب، والحدود بين الواقع والخيال تتهاوى وتُعاد صياغتها باستمرار، فى هذا المناخ المتوتر والخصب معًا، تفتحت موهبته السردية، وتكوّنت حساسيته الخاصة تجاه العالم، ليصبح لاحقًا أحد أبرز الأصوات فى المشهد الأدبى العربى المعاصر؛ لا بسبب صوته المرتفع أو حضوره الصاخب، بل بفضل لغته الخافتة التى تهمس فتوقظ، وتداعب فتوجع، وتبوح بما يُستحى من قوله.
ليس غريبًا، إذن، أن يكون الطويلة رئيسًا للمنظمة العربية للمقاهي، وعضوًا فى اتحاد المقاهى العالمي؛ فالمقهى لديه ليس مجرد مكان عابر، بل فضاء وجودى ومختبر يومى للحكايات. كتب معظم أعماله القصصية والروائية داخل المقاهي، حتى كاد المكان يتحول إلى شريك خفى فى الكتابة.. يقول فى أحد حواراته: «لن يتبقّى لى شيء إذا انقرضت المقاهي، أمشى أحيانًا خمسة كيلومترات لأكتب فى المقهى الذى يناسبني».. هذه العلاقة العضوية بالمقهى تكشف الكثير من ملامح كتابته؛ حيث تتداخل الأصوات، وتتقاطع الحكايات، وتتحول التفاصيل اليومية العابرة إلى مادة سردية نابضة بالحياة.
وحيد الطويلة لا يكتب الحكاية فحسب، بل يسكنها وتَسكنه، يتنقل بين شخصياته كما لو كان واحدًا منها، يمنحها من روحه بقدر ما يستعير منها ملامح إنسانية مركبة.. عالمه يشبه طاولة صغيرة على رصيف مزدحم، وذاكرة تفوح منها رائحة البنّ، وضجيج المارة، وكلمات عابرة تلتقطها الأذن لتتحول لاحقًا إلى نصوص مكتملة، تتكئ على الهامشى لتقول الجوهري.
منذ بداياته، اتجه إلى السرد كما لو كان يكتب بنبض القلب لا بإيقاع الجملة.. فى مجموعته الأولى «خلف النهاية بقليل» (مكتبة الأسرة، 2002)، ثم «كما يليق برجل قصير» (مكتبة الأسرة، 2003)، وصولًا إلى «مائة غمزة بالعين اليسرى» (المجلس الأعلى للثقافة، 2016)، نلحظ ميلًا واضحًا إلى الكتابة عن الإنسان العادي؛ أولئك الذين يعيشون على هامش الحدث، لا يصنعونه، لكنهم يتحملون نتائجه، ويشهدون تحوّلاته، بل ويقعون ضحاياه أحيانًا.. هؤلاء هم أبطال الطويلة الحقيقيون: المهمّشون، المنسيّون، والذين لا يملكون إلا حكاياتهم.
فى الرواية، شقّ الطويلة مسارًا خاصًا لا يعتمد على الصخب أو البناء التقليدي، بل على الإيحاء والاقتصاد اللغوي، وعلى ما يمكن تسميته بـ«شعرية التفاصيل اليومية». فى «ألعاب الهوى» (دار ميريت، 2004) و«أحمر خفيف» (دار المحرر، 2008)، تتجلى طاقته السردية التى تستمد قوتها من التفاصيل الصغيرة، ومن الحنين إلى الجسد الغائب، والمدينة المكسورة، والعلاقات الإنسانية المتشابكة بين الحب والسلطة، وبين الرغبة والقهر، وبين الفرد وسلطات الواقع المختلفة.
لكن روايته الأشهر «باب الليل» (دار بتانة، 2013) شكّلت نقطة تحوّل فارقة فى مسيرته الأدبية.. فى هذا العمل، يقتحم عوالم العتمة والقهر والاستبداد، عبر سرد حميمى لا يخلو من المكر والتهكم، ويكشف عن طبقات خفية من الواقع الاجتماعى والسياسي.. هذه الرواية، التى فازت بجائزة ساويرس للرواية عام 2015 (فئة كبار الكتاب)، استطاعت أن تمزج بمهارة بين الهمّ السياسى واللذة السردية، وأن تحجز لنفسها مكانًا بارزًا فى أرشيف الرواية العربية المعاصرة.. وقد حققت انتشارًا واسعًا، حتى صار يُشار إليه أحيانًا بـ«كاتب باب الليل»، كما أشار هو نفسه فى بعض حواراته.
وفى رواية «حذاء فيليني» يحلّق الطويلة فى فضاء الواقعية السحرية، مستعيرًا - على نحو فني- كاميرا الحلم، كما لو كان يستلهم روح السينما الإيطالية، ليعيد تصوير الواقع بلقطة طويلة، حالمة، ومخدوشة بالدهشة.. تنتمى الرواية إلى أدب السجون، لكنها تتجاوزه لتغوص فى سيكولوجية الإنسان المقهور، والجلاد، والضحية، عبر سرد سريالى يكشف صراعات السلطة وأشكال القهر المركّب.. صدرت الرواية عن منشورات المتوسط (ميلانو، 2016)، ثم أعادت دار نهضة مصر ودار خطوط وظلال نشرها عام 2020، وهو ما يعكس حضورها واستمرار الاهتمام بها.
أما رواية «جنازة جديدة لعماد حمدى» (دار الشروق، 2019)، فهى عمل يمزج بين الواقعى والرمزي، مستفيدًا من اسم الممثل الشهير بوصفه علامة ثقافية ودلالة زمنية. تغوص الرواية فى عوالم الفساد والبنية الأمنية، وتناقش صراع الفرد مع السلطة، معتمدة على بنية سردية تقوم على الذاكرة والنسيان، وكأنها تعيد كتابة التاريخ الشخصى والجماعى فى آنٍ واحد، عبر منظور إنسانى حاد.
وفى «كاتيوشا» (دار بتانة، 2021)، يقدم الطويلة رواية حداثية بامتياز، تتوغل فى نفسية المرأة وتناقضاتها العاطفية. تعتمد الرواية على لغة مكثفة، ومونولوج داخلى يكشف لحظات الانكسار والخيانة بوصفها انفجارًا داخليًا يعيد تشكيل الذات. من خلال شخصية «مشيرة»، يرصد الكاتب أثر الخيانة لا كحدث عابر، بل كزلزال وجدانى يعيد ترتيب العلاقة مع الذات والآخر.
أما روايته «الحب بمن حضر» (دار بتانة 2024)، فيصنع فيها الطويلة ما يشبه أسطورة معاصرة، يمزج فيها بين الخيال والموروث الشعبي، ويُضمر داخل السطور واقعًا حاضرًا نابضًا، مستفيدًا من تقنيات السرد الحديثة، ليعيد إنتاج الحكاية فى صورة جديدة، تتداخل فيها الأزمنة وتتقاطع فيها الدلالات.
وفى أحدث أعماله «سنوات النمش» (دار المحرر 2025)، يعود الطويلة إلى الطفولة بوصفها ذاكرة جريحة لا تُمحى، وكنزًا سرديًا لا ينضب. تمزج الرواية بين الواقعية والأسطورة، وتقدم رؤية خاصة للريف المصري، حيث تتشابك التفاصيل اليومية مع الحكايات الشعبية لتخلق عالمًا موازيًا نابضًا بالحياة. العمل ليس مجرد حكاية عن قرية أو شخصيات، بل شهادة إنسانية عميقة عن القهر والجوع، وعن سعى الإنسان الدائم نحو الحرية، وعن الندوب التى تتركها الحياة فى الروح.
وراء هذا الروائى الحالم، يقف مثقف صاحب رؤية، شغل مناصب ثقافية وإعلامية مهمة؛ منها عمله خبيرًا إعلاميًا فى جامعة الدول العربية لسنوات طويلة (1993–2006، و2009–2012)، وخبيرًا للعلاقات الثقافية فى الحى الثقافى «كتارا» فى قطر (2006–2009)، حيث كان محررًا رئيسًا للخطة الثقافية، وأسهم فى رسم ملامح المشهد الثقافى الخليجى والعربي. كما يتولى حاليًا إدارة مكتب مجلة الدوحة فى القاهرة، ليبقى فى قلب التفاعل الثقافي، شاهدًا ومشاركًا فى آنٍ واحد.. لم يغب وحيد الطويلة عن المنابر الثقافية، بل ظل حاضرًا وفاعلًا؛ إذ شارك فى مهرجانات وفعاليات عربية ودولية، مثل مهرجان كفافيس الدولى فى اليونان، ومهرجان المحبة فى اللاذقية، ومعارض الكتب فى تونس (2010)، وأبو ظبى (2014)، والشارقة (2015)، كما شارك فى ندوات فكرية وثقافية، منها ندوة «أثر الإعلام الجديد على الواقع العربى بمستوياته المختلفة» فى الأردن عام 2001، وندوة «الرواية والسينما» فى وهران بالجزائر عام 2015.
نال جائزة ساويرس للرواية عام 2015، وتم تكريمه من «ديوان العرب» عام 2024، كما وصلت روايته «سنوات النمش» إلى القائمة الطويلة لجائزة كتارا للرواية العربية عام 2025، فى تأكيد جديد على حضوره المستمر وتأثيره فى المشهد الروائي.
ما يميز كتابة وحيد الطويلة أنه يكتب كما يتنفس، بلا تكلّف ولا ادّعاء، لا ليُبهرك، بل ليُقنعك بأن الحياة مليئة بما يُروى وما لا يُروى. فى نصوصه، تسكن اللمحة، ويشتغل الصمت بوصفه عنصرًا دلاليًا، وتتحول الجملة القصيرة إلى سؤال طويل مفتوح على التأويل. لا يقدّم الحكاية على طبق جاهز، بل يسلّمك طرف الخيط ويتركك تتبع النسيج وحدك.. إنه كاتب يغمزك بعينه اليسرى، ويتركك تُخمّن ما وراء الغمزة.