رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الثعالبى يكتب «اللطائف» لتسلية خوارزم شاه


11-5-2026 | 16:55

.

طباعة
بقلـم: شعبان ناجي

غريب أمر أبى منصور الثعالبى، فقد ألّف الرجل أربعة كتب متطابقة فى عناوينها ومضمونها.. والذى أسعده الحظ وأسعفه الوقت فتابع هذه الكتب أو اطلع عليها أو ألمّ بطرف منها سوف يتأكد تماما من ذلك، وسوف يقف مبهوتًا من فعلة الثعالبى هذه، وقد يروح فى تفكير بعيد من أجل اكتشاف سر هذا الأمر؛ لكنه من الراجح أنه لن يصل إلى شيء، لأن الثعالبى نفسه ربما لا يعرف يقينًا لماذا قدّم مثل هذه الكتب الأربعة المتشابهة فى شكلها ومضمونها.

والكتب الأربعة التى نقصدها هى «تحسين القبيح وتقبيح الحسن»، و«اليواقيت فى بعض المواقيت»، و«سجع المنثور» و«اللطائف والظرائف».. وهذا الأخير هو الذى سنتناوله فى هذه المقالة، وهو كتاب تقوم مادته على مجموعة من المقتطفات والاختيارات الدينية والأدبية، التى تعبر عن مدح الأشياء وذمها فى الوقت نفسه، مثل مدح الدنيا وذمها، أو مدح الفقر وذمه، أو مدح الشعر وذمه، وغير ذلك من الأشياء.. وهو يعتمد فى ذلك على مجموعة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التى تعد بمثابة العمود الفقرى لهذا الكتاب، فضلا عن بعض الأمثال والحكم وأقوال أخرى متفرقة لبعض الحكماء والفلاسفة والشعراء والفقهاء والمتحدثين.

تلك هى الفكرة العامة لكتاب أبى منصور الثعالبي، وهى كما نرى ليست فكرة جديدة لامعة، فمثل هذه الكتب القائمة على المختارات تم تناولها كثيرًا من قبل كتّاب وشعراء وفلاسفة، فالجاحظ مثلا قدم لنا «المحاسن والأضداد»، ولكم أن تتأملوا فى عنوان هذا الكتاب؛ لأنه العنوان المتشابه تماما مع عنوان كتاب الثعالبى «تحسين القبيح وتقبيح الحسن»، وهو لمن قرأه يحمل نفس فكرة كتب الثعالبى الأربعة وعلى رأسها «اللطائف والظرائف».. وهنا يتضح لنا أن الثعالبى قد أخذ عن الجاحظ - السابق عليه - فكرة كتابه، بل إنه نقل أجزاء كثيرة منه، لا سيما التى تتعلق بمدح الجوارى وذمهن أو بمدح الموت وذمه، كما أن للجاحظ كتابا آخر اسمه «الآمل والمأمول» أخذ الثعالبى بعض فقرات منه وضمنها فى كثير من كتبه وبخاصة الكتب الأربعة سالفة الذكر، وهناك كتب أخرى غير كتاب الجاحظ نقل عنها الثعالبى نذكر منها «المحاسن والمساوئ» للبيهقى، و«ذم الغيبة والنميمة» لابن أبى الدنيا، فضلا عن كتب أخرى لابن قتيبة وابن عبد ربه.

وإذا كانت فكرة كتاب اللطائف تقوم على مدح الشيء وذمه، فلماذا كتب الثعالبى كتابه «تحسين القبيح» ولماذا كتب كتابه «اليواقيت فى المواقيت»، ولماذا كتب أيضا كتابه «سجع المنثور» طالما أنها تدور كلها فى فلك واحد؟ هل أراد الثعالبى أن يحصى كتبا وفقط؟ هل أراد أن يتفوق على مجايليه فى عدد المؤلفات دون الالتفات إلى الجوهر؟ أم ترى كان همه الأول مصبوبا فى أن يكون ذا حظوة عند السلطان أو ولى الأمر؟

فى حقيقة الأمر نرجح أن يكون هذا كله هو ما حصل بالفعل، فالثعالبى رغم نشأته فى أسرة رقيقة الحال كان دائما متطلعا إلى المناصب والنفوذ والثروة؛ لذا نراه متزلفا للسلطة على الدوام، حيث نشأت بينه وبين أغلب سلاطين عصره علاقات وطيدة عتيدة لدرجة أنه ألفّ بعض الكتب خصيصا باسم بعض هؤلاء الملوك يمدحهم فيها ويعدد مناقبهم ومواهبهم التى لم يأت الزمان بمثلها.

ولقد كان على رأس السلاطين الذين تقرب إليهم الثعالبى «أبو العباس بن مأمون خوارزم شاه»، فقد ألفّ كتابه «الظرائف» من أجل خاطره وتسليته والتسرية عنه فى أوقات الضيق والملل والفراغ (وما أكثر أوقات الملل والفراغ فى حياة هؤلاء الملوك والسلاطين)، ثم بعد ذلك يوضع الكتاب معززًا مكرمًا فى خزانة السلطان لتزيينها مع كتب أخرى قليلة النفع والقيمة، ولا أدل على ذلك من مقدمة كتاب الظرائف التى راح الثعالبى يمدح فيها سلطانه الأثير، بل نجده يستميت فى البحث والتنقيب عن كل صفة مدفونة ليستخرجها ويلصقها بمولاه حتى وإن لم تكن متوافقة معه أو راكبة على شخصيته، فهو يقول: «شكرا شكرا لبحر المجد وبدر الأرض مولانا الأمير الملك المؤيد العادل العالم أبى العباس مأمون، أدام الله سلطانه، وحرس عزه ومكانه، فقد بسط باع العدل، وأطال عنان الفضل، وجلا صفحة الإحسان، وفرش مهاد الأمان والأمن».

وهنا يتضح لنا مدى التملق الذى كان يتملقه الثعالبى لسلطانه الذى نراه معطالا من كل تلك المدائح والحسنات التى أغدقها عليه الثعالبى، فنحن لم نعرف يومًا أنه كان من زمرة العلماء أو الفقهاء، ولم نعرف شيئا عن ورعه وعدله أو عن بنائه لتلك الحضارة المترامية التى سدت عين الشمس، بحسب تعبير الثعالبي.

وأما عن تناول الثعالبى لمدح الأشياء وذمها، فقد جاء دوره سلبيا فى كثير مما قدم، فهو كان مجرد ناقل لا أكثر، اعتمد فقط على ثقافته الواسعة فى نقل أقوال العلماء والحكماء، لكنه لم يقدم لنا وجهة نظره فيما يعرضه علينا ولم يفند أو ينتقد تلك الأقوال المنقولة عن غيره من الكتّاب، بل وضعها كما هى من دون قراءة أو مناقشة.

ونحن نعتقد أن الشيء الممدوح ليس ممدوحًا بذاته، كما أن الشىء المذموم ليس مذموما أيضا بذاته، وإنما هناك عدة عوامل وظروف وملابسات وأقاويل أوصلت جميعها هذا الشيء لأن يكون ممدوحًا أو لأن يكون مذمومًا، فهل عالج الثعالبى كل هذه الظروف والملابسات؟ هل أدلى بدلوه إزاء أقاويل غيره؟ هل جاء بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية لتكون مجرد حلية يجمل بها كتابه؟ هل ناقش تلك التفسيرات التى وضعت لبعض الآيات والتى فسرت خطأ أو الأحاديث التى جاء معظمها ضعيفا ومشكوكا فى نسبه إلى النبى صلى الله عليه وسلم؟.. للأسف الشديد لم يفعل الثعالبى أيًا من هذا كله، وإنما ترك الأمور على عواهنها، فجاءت رميته من غير رام.

من هنا، كان لا بد وأن يفقد كتاب اللطائف والظرائف مصداقيته وبريقه فى عصر مثل عصرنا هذا، فمادة الكتاب لم تعد تنفع القارئ و الباحث على السواء.. فالقارئ العادى لن يجد فيه المتعة الكافية؛ لأن هناك عشرات بل مئات من الكتب التى تقدم مثل تلك الطرائف والظرائف بصورة أسهل وأسرع، وأما الباحث فلن يعتمد على كتاب للتسلية لا علاقة له بالمنهج العلمى إلا قليلا، ولا يقدم رأيا مستنيرا، كما لا يقدم أفكارا متجانسة أو وجهة نظر مخالفة.

 
 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة