تدخل سلطنة عُمان فى هذه الآونة مرحلة عمرانيَّة تحمل ملامح تحوُّل اقتصادى واسع تقوده رؤية تتعامل مع التخطيط الحضرى باعتباره أداة إنتاج وتنمية، حيث تكشف المؤشرات فى عُمان، عن بناء منظومة متكاملة تتحرك بالتوازى مع مستهدفات التنويع الاقتصادى ورفع جودة الحياة، وتعزيز تنافسيَّة البيئة الاستثماريَّة.
المؤكد أن سلطنة عمان قد أولت اهتمامًا بالغًا بالتنمية العمرانية، وقد تجسّد هذا فيما تضمنته أول استراتيجية للتنمية بعيدة المدى من إدراك مبكر لأهمية البعد المكانى للتنمية الشاملة، تمثّل فى العديد من الأهداف مثل توزيع الاستثمارات جغرافيًا، ودعم المراكز السكانية والمحافظة عليها، واستكمال هياكل البنية الأساسية، والاهتمام الكبير بالبيئة والمحافظة عليها .
وتعد الاستراتيجية العمرانية الإطار العام لتوجيه النمو العمرانى خلال العشرين عامًا القادمة، بما يحقق التوازن بين أبعاد التنمية الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، والتى تتجسد مكانيًا فى التنمية العمرانية، لذلك تعد ممكنًا أساسيًا لتحقيق "رؤية عمان 2040"، كما أنها تضمن تنافسية المدن وقدرتها على الصمود أمام المتغيرات المختلفة، وتتسق كذلك فى أهدافها مع أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030، حيث كانت سلطنة عمان ولا تزال من ضمن الدول التى وقّعت على الالتزام بتطبيق مبادئها فى الخطط والاستراتيجيات الوطنية كافة.
وتمثل الاستراتيجية العمرانية على المستويين الوطنى والإقليمى نتاجًا لمراحل عديدة من النهج التشاركى الذى اتسم بالتزامن لضمان التغذية الراجعة، وتحقيق التكامل فيما بينها، بالإضافة إلى التوافق مع "رؤية عمان 2040" والتنسيق مع مختلف القطاعات الحكومية والخاصة والمؤسسات الأكاديمية، وبمشاركة مجتمعية واسعة للأخذ بتطلعات وآراء أصحاب العلاقة .
كما تعد الاستراتيجية الإطار العام لتحقيق التنمية العمرانية المستدامة، بما يحقق التكامل ما بين التنمية الاقتصادية والتنمية الاجتماعية، مع الحفاظ على الموروث البيئى والثقافى، وبالتوافق مع الأهداف والأولويات الوطنية المتمثلة فى "رؤية عمان 2040".
ومن أهدافها تنمية متوازنة وعادلة تعزز الميزة النسبية والتنافسية للحواضر والمحافظات، وإقامة مجتمعات ممكنة تسهم فى صياغة أولوياتها الاجتماعية والاقتصادية والبيئية وتعمل ضمن إطار اللامركزية الإدارية والاقتصادية، وتوفير نظام تسلسل هرمى للتجمعات السكانية بشكل فعّال يوجّه التنمية الحضرية المستدامة لاستيعاب النمو السكانى المتنامى ويوفر الخدمات والمرافق الأساسية، إلى جانب توفير وسائل نقل متنوعة وسهلة الوصول، متكاملة مع التنمية العمرانية، وبنية أساسية مستدامة عالمية المستوى، وإقامة مناطق حضرية وريفية وتراث طبيعى وثقافى يتميز بمرونة وقدرة عالية على التعامل مع المتغيرات المناخية .
إذ تضمنت الاستراتيجية 57 سياسة وطنية تتوزع على 7 محاور رئيسية، يتضمن المحور الأول الاستدامة والاستجابة لتغير المناخ والتكيف مع تغيراته والتخفيف من آثاره، ويشمل المحور الثانى تحقيق التنمية العمرانية الاستراتيجية تنمية متكاملة تستند إلى مقومات كل محافظة، أما المحور الثالث فيركز على تحقيق النمو الاقتصادى والازدهار الاقتصادى وتنمية إقليمية متكاملة تعزز الميزة النسبية للمحافظات.
ويتضمن المحور الرابع إدارة البيئة والتراث الطبيعى والثقافى وإدارة وحماية مواقع التراث الثقافى والطبيعى، بالإضافة إلى إدارة الموارد الطبيعية وكفاءة الاستهلاك والاستخدام الأمثل للموارد وإنتاج الطاقة وكفاءة إدارة المياه والنفايات، وتوفير نظام نقل فعّال وبنية أساسية تتسم بالصمود والاستدامة .
والمثير للانتباه أن النمو المتصاعد فى التداول العقارى والاستثمارات الخليجيَّة والأجنبيَّة يعكس انتقال القطاع العقارى فى عمان إلى موقع أكثر تأثيرًا داخل الاقتصاد الوطنى العُمانى، ويؤكد أن المُدن الجديدة والمخططات الهيكليَّة أصبحت جزءًا من معادلة جذب رؤوس الأموال وتحفيز الأنشطة الاقتصاديَّة، خصوصًا مع وضوح الرؤية التشريعيَّة واستقرار البيئة التنظيميَّة، وتوسع الشراكة بين القطاعين الحكومى والخاص، وهو ما يمنح هذا القطاع قدرة أكبر على قيادة حركة النمو خلال المرحلة المقبلة، ويضع عُمان أمام مشهد عمرانى مختلف تتداخل فيه التنمية الاقتصاديَّة مع التخطيط الحضرى ضمن رؤية تستهدف بناء مُدن قادرة على المنافسة إقليميًّا ودوليًّا.
ولا شكّ أن التحولات العمرانيَّة التى تشهدها سلطنة عُمان تعكس انتقالاً واضحًا من مفهوم توفير السكن إلى بناء مجتمعات متكاملة تقوم على جودة الحياة والاستدامة وكفاءة الخدمات، حيث تقدِّم مدينة السُّلطان هيثم ومدينة الثريا نموذجًا لمُدن مستقبليَّة ترتبط فيها البيئة الحضريَّة بالاقتصاد والتقنيَّة والرفاهيَّة ضمن رؤية تستهدف صناعة بيئة معيشيَّة أكثر قدرة على جذب الإنسان والاستثمار فى الوقت ذاته. .
ويتصل هذا التوجُّه بمستهدف «عيش عُمان» الذى يضع جودة الحياة ضمن أولويَّات التنمية الوطنيَّة العُمانية عبر تطوير البنية الأساسيَّة والمرافق والخدمات والمساحات الترفيهيَّة والتجاريَّة والسياحيَّة، بما يعزز من تنافسيَّة عُمان عالميًّا ويرفع من قدرتها على استقطاب الكفاءات والاستثمارات، كما يكشف تحقيق سلطنة عُمان مركزًا متقدمًا عالميًّا فى مؤشر جودة الحياة عن أثر السياسات المرتبطة بالتخطيط الحضرى والتوسع فى المُدن الحديثة، ويؤكد أن بناء المُدن أصبح يرتبط بصناعة الاستقرار الاجتماعى والاقتصادى وخلق بيئة تمنح الإنسان شعورًا أكبر بالأمان والانتماء والاستقرار.
وهنا يمكن الإشارة إلى معرض ومؤتمر عُمان العقارى والتصميم والبناء 2026، والمقام حاليا بمركز عمان للمؤتمرات والمعارض، حيت تم الكشف عن عدد من المشروعات العقارية فى محافظات سلطنة عُمان، لا سيّما الإعلان عن مشروع "مستير هايتس" الذى سيُقام بالجبل الأخضر فى محافظة الداخلية.
ويتماشى هذا المشروع مع الأولويات الوطنية الهادفة إلى تعزيز التنمية الحضرية المستدامة، واستقطاب الاستثمارات السياحية والعقارية عالية القيمة، وترسيخ مكانة سلطنة عُمان وجهةً رائدةً لتجارب الحياة العصرية والاستجمام، فى ظل تزايد اهتمام المستثمرين المحليين والدوليين، والتسهيلات المتقدمة المتعلقة بالتملك الأجنبى والاستثمار العقاري. وسيتم تطوير المشروع ليكون وجهة للاحتفاء بالإرث الثقافى الغنى لسلطنة عمان؛ إذ يقع على ارتفاع يقارب 2400 متر فوق سطح البحر.
وعلى هامش ذات المعرض والمؤتمر، وقّعت مدينة خزائن الاقتصادية على اتفاقية استثمار لتطوير مشروع متعدد الاستخدامات بنظام التملك الحر، بقيمة استثمارية تُقدّر بنحو 18 مليون ريـال عُمانى، وعلى مساحة تبلغ 14 ألف متر مربع. ولعل هذا المشروع يأتى ليواكب النمو المتسارع فى حجم المشروعات والاستثمارات من خلال توفير مرافق تجارية وخدمية وسكنية داعمة، تسهم فى تعزيز تجربة المستثمر وتطوير منظومة الأعمال فى المدينة.
كما تعكس الأرقام المرتبطة ببرامج الإسكان والتحول الرقمى حجم التحول المؤسسى الذى تشهده وزارة الإسكان والتخطيط العمرانى فى عُمان، حيث أصبح الوصول إلى الخدمات السكنيَّة أكثر سرعة وكفاءة بفضل أتمتة معظم الخدمات المقدمة وارتفاع معدلات رضا المستفيدين، وهو ما يكشف تطورًا فى فلسفة العمل الحكومى يقوم على تبسيط الإجراءات وتحسين تجربة المواطن والمستثمر فى الوقت ذاته، كما يعبِّر ارتفاع أعداد المستفيدين من المساعدات والخيارات الإسكانيَّة عن توجُّه يستهدف تعزيز الاستقرار الاجتماعى، وتوسيع قدرة الأُسر على الوصول إلى السكن ضمن بيئة أكثر تنظيمًا ومرونة.
ويتصل هذا التحول بقدرة التخطيط العمرانى الحديث على
خلق توازن بين النمو الحضرى والاحتياجات المجتمعيَّة، خصوصًا مع توسع المُدن والمشروعات الجديدة، وهو ما يمنح التنمية بُعدًا إنسانيًّا يرتبط بتحسين جودة الحياة ورفع كفاءة الخدمات العامة، ويؤكد أن نجاح الخطط العمرانيَّة يُقاس بمدى انعكاسها المباشر على حياة الناس واستقرارهم اليومى.
إن اتساع المشروعات العُمانية العمرانيَّة الكبرى يعزز من حضور المحتوى المحلِّى داخل الدورة الاقتصاديَّة، حيث تتحول المُدن الجديدة ومشروعات التطوير العقارى إلى منصَّات تدعم نمو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتفتح المجال أمام الشركات الوطنيَّة للمشاركة فى تنفيذ مشروعات ذات طابع استراتيجى، وهو ما يرسخ مفهوم التنمية القائمة على توسيع قاعدة الاستفادة الاقتصاديَّة داخل السوق المحلِّى، كما تعكس الشراكات مع المطوِّرين والاستشاريين العالميين توجُّهًا يستهدف نقل الخبرات وتعزيز كفاءة القطاع العقارى ورفع قدرته على المنافسة.
إذ يتجاوز أثر هذه المشروعات حدود البناء والتشييد ليصل إلى تحفيز قطاعات متعددة مرتبطة بالخدمات والتقنيَّة والسياحة والتجارة، بما يمنح الاقتصاد العُمانى مساحات أوسع للنمو وخلق فرص العمل. ويؤكد أن التخطيط العمرانى الحديث أصبح جزءًا من رؤية اقتصاديَّة أشمل تراهن على بناء مُدن قادرة على إنتاج القيمة وتحريك التنمية وصناعة حضور عماني أكثر تأثيرًا داخل المشهد الحضري والاستثمار العماني