حرب الشرق الأوسط تتصاعد فى الوقت الذى أعلن فيه اسم المرشد الجديد مجتبى خامنئى والفجوة بين واشنطن وطهران تتسع أكثر من أى وقت مضى، ولم يُبدِ أى من الطرفين أى رغبة فى خفض التصعيد، فطهران لا تريد الحوار ولا التفاوض، ودعوة ترامب للاستسلام لم تحسم موقف الشارع بل عمّقت الانقسام، ومع اتساع رقعة المواجهة العسكرية المرتبطة بإيران، وتزايد المؤشرات على تحولات استراتيجية فى مسار الصراع؛ تتجه الأنظار إلى ما وراء العمليات العسكرية المباشرة وشكل السلطة فى مرحلة ما بعد الحرب.
لم يسبق أن كان النظام الثيوقراطى الثورى فى إيران فى مثل هذا الخطر، بعد اختيار الهيئة الدينية المكونة من 90 عضوًا والمكلفة بتسمية المرشد الجديد مجتبى خامنئى خلفًا لوالده على خامنئى، الذى قُتل فى بداية الهجوم الأمريكى الإسرائيلى على طهران فى 28 فبراير الماضى ما يعزز قبضة المتشددين على السلطة، فيما دعا مجلس خبراء القيادة الشعب إلى الحفاظ على الوحدة ومبايعة المرشد الجديد، وقال إنه تم اختياره حتى لا تقع البلاد فى فراغ قيادى، وبدوره أعلن الحرس الثورى فى بيان مبايعة للمرشد الجديد.
مجتبى خامنئى -56 عامًا- هو شخصية مؤثرة وإن كانت منعزلة، عمل فى الخفاء فى ظل إمبراطورية والده، وهو أحد الشخصيات الأكثر نفوذًا داخل الدائرة الضيقة للسلطة ويتمتع بنفوذ كبير وقوى داخل النظام الإيرانى ومؤسساته، بفضل الدعم الذى قدمه له والده. كما يحظى أيضًا بعلاقات طيبة فى صفوف الحرس الثورى الذى يعتبر العمود الفقرى للنظام الإيرانى، فضلا عن قوات الباسيج.
اختيار خامنئى الابن ستكون له تبعات كبيرة ويصعب التنبؤ بما قد يحدث لاحقًا، حيث تعهدت إسرائيل والولايات المتحدة بمواصلة حربهما دون هوادة، متوعدتين بقتل مَن يخلف «خامنئى»، بل وحتى أولئك المشاركين فى اختيار المرشد الجديد -وهى مجموعة قد تضم رجال الدين الذين يتخذون القرار رسميًا، وعناصر الحرس الثورى، وشخصيات سياسية. وكان الرئيس الأمريكى دونالد ترامب قد صرّح سابقًا بأن اختيار نجل «خامنئى» سيكون «غير مقبول»، وحذّر من أن أى مرشد جديد لن «يدوم طويلاً» دون دعم «ترامب». لذلك حذر مسئول إيرانى رفيع المستوى من أن الحرب تدخل مرحلة جديدة.
سيكون المرشد الجديد ثالث مَن يتولى هذا المنصب بعد مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخمينى وخامنئى نفسه، وهوية المرشد الجديد ستحدد مسار إيران فى المنطقة لسنوات مقبلة، إما نحو التصعيد والمواجهة مع الغرب وإسرائيل انتقامًا لاغتيال خامنئى، وإما باتباع نهج براجماتى يهدف لامتصاص الصدمة وضمان استمرار النظام.
يعود النظام الثيوقراطى فى إيران إلى ثورة عام 1979 التى أطاحت بالشاه، وقد أسس آية الله روح الله الخمينى، قائد الثورة، نظام حكم جديدًا: ولاية الفقيه، أو ولاية الفقيه الإسلامى، وهذا يعنى أن مَن يتولى منصب المرشد الأعلى، المخول بموجب الدستور بوصفه السلطة العليا التى توجه الرئيس المنتخب والبرلمان، ويجب أن يكون رجل دين رفيع المقام، فى عهد الخمينى، الذى تُوفى عام 1989، وخامنئى، الذى يحكم منذ ذلك الحين، كان للمرشد الأعلى الكلمة الفصل فى جميع شئون الدولة. لكن الزعيم الجديد سيضطر إلى ترسيخ سلطته فى لحظة انقسام هائل، وقد يواجه صعوبة فى ذلك.
تزامن ذلك مع الوقت الذى تواصل فيه إسرائيل هجماتها المكثفة على إيران لنسف البنية التحتية وهناك مظاهرات حاشدة تؤيد جيشها ونظامها والحرس الثورى. تحدث إيرانيون منذ الحرب لرسم صورة لحياتهم فى ظل القصف الأمريكى والإسرائيلى اليومى. وعبروا عن قلقهم وأيضًا عن الإحباط من ارتفاع الأسعار ويتساءلون عن دوافع الحرب وغايتها النهائية.
يرى الشعب أن هدف هذه الحرب ليس تحقيق الحرية أو الديمقراطية للشعب الإيرانى بل هو تحقيق مكاسب جيوسياسية لإسرائيل والولايات المتحدة، ويشعر الشعب الآن بقلق بالغ حيال المستقبل، ومع وجود نقاط تفتيش النظام فى كل مكان على الأرض والقصف الجوى، ويتحدث إيرانيون آخرون عن شعورهم بمزيج من الخوف والتوتر والأمل. يتزامن هذا مع ارتفاع حصيلة القتلى فى إيران، وانقطاع الإنترنت الذى فرضته الحكومة، ويقترب أيضًا عيد النوروز، رأس السنة الفارسية، الذى يحتفل فيه الإيرانيون بقدوم الربيع وبداية التجدد.
بعد اغتيال المرشد الإيرانى على خامنئى دخلت إيران مرحلة سياسية حساسة تطوى صفحة أربعة عقود أعادت خلالها طهران رسم خرائط النفوذ فى الشرق الأوسط، فيما تبدأ مرحلة جديدة قد تعيد تشكيل توازنات القوى فى الإقليم بأكمله. ويمثل اغتياله نقطة تحول تفتح مستقبل إيران والمنطقة المحيطة بها على سيناريوهات مفتوحة، وتعد هذه الحادثة نقطة تحوّل مهمة فى تاريخ إيران الحديث، حيث تأتى فى وقت تشهد فيه البلاد العديد من التحديات الداخلية والخارجية، كما يستعد الحرس الثورى، القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية المهيمنة فى البلاد، لتوسيع نفوذه إذا تمكن من الصمود فى وجه الصراع الحالى، وفى غضون ذلك، أشار «ترامب» إلى رغبته فى إزالة هيكل القيادة فى إيران بالكامل، وأنه يفكر فى بعض الأسماء لـ«قائد جيد».
فى هذا السياق أوضح الدكتور إسلام المنسى، الخبير فى الشأن الإيرانى، أن «الشعب لا يؤيد مطالبة ترامب للاستسلام ويراها إهانة له وهناك شعور بالخطر يوحد الجميع هذا الشعور ليس دعمًا للنظام، بل هذا النظام انتفض ضده الشعب الإيرانى طوال السنوات الماضية وحتى خلال الأشهر القليلة الماضية شهد قمعًا وقتلى بالآلاف بسبب رفضهم للنظام ولكن فى النهاية هناك شعور بالغضب والرفض للاستسلام التام أمام القوة الأمريكية ويراه الشعب أن هذا احتلال جديد».
وتابع «المنسى»: بعد اغتيال المرشد الإيرانى على خامنئى فى 28 فبراير الماضى، هناك مجلس ثلاثى يقود البلاد مكون من رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان ورجل الدين على رضا أعرافى ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسن إيجئى وهذا مجلس مؤقت لحين اختيار المرشد، ولكن ربما الحرس الثورى الإيرانى المؤسسة التى تمثل الدولة العميقة فى إيران هو مَن يقود المشهد بدرجة كبيرة سواء فى الداخل أو فى المعركة واستهداف الدول الأخرى، ولذلك هناك حالة من الفوضى وعدم الاتزان فى الداخل الإيرانى نتيجة غياب القائد، كما أن اختيار المرشد الجديد مجتبى خامنئى كان متوقعا فهو ابن المرشد على خامنئى، وهو يعد قائد الظل فى إيران وهو الذى كان يقود الأمور داخل طهران باسم والده، وهو الذى كان يقوم بتوصيل أوامره وتعليماته للقادة.