رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

لا أنام!

28-1-2026 | 21:56

محمد السيد

طباعة
محمد السيد

ليس عملاً جديداً ولم أبحث عنه بل ساقتني إليه الصدفة البحتة أثناء تشغيل فلاشة قديمة، ليظهر أمامي فيلم للفنان علي ربيع، عن قصة شاب يصاب فجأة بمرض نادر وقاس يفرض عليه الحركة الدائمة ويحرم عليه التوقف.

التوقف هنا ليس راحة بل خطر التوقف يعني أصابته بتجلط الدم يعني الموت، مرض يشبه لدغة بعض العناكب أو الثعابين، لكنه لا يأتي ويذهب، بل يبقى يلازم صاحبه ويطارده في كل لحظة سكون.

يبدأ الفيلم بعائلة مكونة من ثلاثة أجيال الجد و الأب والابن عائلة يجمعها كسل مزمن، خمول ممتد كأنه ميراث لا ينقطع، ومن هنا بدا المرض وكأنه جاء لحكمة ما، كأنه صفعة قاسية لإيقاظ من كان نائما في هذه السلالة منذ زمن.

فالمرض رغم قسوته، صار المحرك الوحيد للحياة، والابن وجد نفسه في مواجهة مواقف متتابعة، كلها مرتبطة بعرض واحد لا تتوقف لا ترتاح لا تنم.

ومن هنا طرحت الدراما سؤالها الأهم سؤالاً بسيطا في شكله مرعب في مضمونه، ماذا تفعل إذا كان النوم نفسه تهديداً لحياتك؟  ماذا تفعل إذا كان الاستسلام للراحة مخاطرة؟ أو إذا كان الإغماض الكامل للعينين احتمالاً أخيراً؟

هذا السؤال لم يمر علي كمشاهد مثل الآخرين بل توقف بداخلي طويلاً و جعلني أكتب هذه السطور، في الواقع هناك أناس كثيرون لا يملكون رفاهية النوم، مرضى في المستشفيات معلقون بالمحاليل، لا يستطيعون النوم بعمق، ولا التقلب بحرية، خوفاً من انقطاع سلك أو انتهاء جرعة دون انتباه، ما قد يؤدي إلى تجلط الدم داخل الأوردة، وإعادة معاناة تركيب القسطرة من جديد.

النوم لديهم ليس راحة بل حذر دائم، أما أنا فمنذ أكثر من عامين ونصف  فلم أعرف النوم الحقيقي، نومي هش مكسور يتأثر بأبسط حركة حولي، أستيقظ كل نصف ساعة تقريبا لا لأنني أريد ذلك بل لأنني مضطر، كيس طعام خارجي وضع لي بديلاً للمعدة وتعويضاً لفشل عملية سابقة، يفرض علي الاستيقاظ المتكرر لتفريغه وإن لم أفعل قد ينفجر فلا طعام بالجوف ولا نوم بالعين.

وهكذا تحول النوم لدي من احتياج جسدي إلى معادلة حسابية لا علاقة لها بالراحة بل بدرجة امتلاء الأمعاء، الغريب أنني طوال أحداث الفيلم كنت أنتظر النهاية، كنت أظن  أو ربما أتمنى أن ينكشف الأمر، وأن يكون كل ما حدث مجرد خدعة أو حيلة صنعتها الأم لإنقاذ ابنها من الكسل المزمن.

كنت أريد نهاية تطمئنني نهاية تقول إن الألم مؤقت، وإن الاستيقاظ قادم، وقد حدث تماما كما أتمنى لبطل العمل، أما عن نفسي  فمازلت  أتمنى وأن استفيق من حلم قاس طويل، ولكنني للأسف في قلب  الواقع،  النوم بالنسبة لي ليس راحة  بل  اختبار قاسي للبقاء، وحتى ينجو  الجسد لا بد وأن تظل الروح ساهرة.