رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«السردية الوطنية» مكتوبة وجاهزة.. فمتى تحكم؟


15-1-2026 | 16:09

.

طباعة
بقلـم: د. محمد فؤاد

لم يكن طرح السردية الوطنية للتنمية مجرد إضافة وثيقة جديدة إلى أرشيف التخطيط الاقتصادى، بل عكس إدراكًا متأخرًا لكنه ضرورى بأن الاقتصاد لا يُدار بالأرقام المجردة ولا بالخطط المنفصلة، وإنما عبر قصة متماسكة تُفهم، وتُدار، وتُتابَع عبر الزمن. فالدول التى تنجح فى التحول الاقتصادى لا تفعل ذلك لأنها تمتلك أفضل السياسات على الورق، بل لأنها تمتلك سردية واضحة تجعل هذه السياسات أجزاءً من مسار واحد، مفهوم لمن ينفذه، ومقنع لمَن يُراهن عليه.

 

السردية، فى معناها الحقيقى، ليست خطابًا سياسيًا ولا مادة ترويجية، بل إطار حاكم يربط بين الأهداف، والسياسات، والأدوات، والتمويل، والمسئوليات. هى التى تمنع الاقتصاد من التحول إلى سلسلة ردود أفعال متفرقة، وتمنحه اتجاهًا واضحًا حتى فى لحظات الارتباك والضغط. ومن هذه الزاوية تحديدًا، يُحسب للسردية الوطنية المطروحة حاليًا أنها تحاول للمرة الأولى تقديم الاقتصاد المصرى كقصة متكاملة، لا كمجموعة ملفات منفصلة تُدار كلٌّ على حدة.

السردية الحالية تحمل نقاط قوة حقيقية لا يمكن إنكارها. فهى أكثر واقعية من محاولات سابقة، وأقل انجرارًا وراء التفاؤل غير المسنود. هناك اعتراف صريح بقيود التمويل، وبأن النمو المرتفع لن يأتى من التوسع المالى أو التوظيف الحكومى، بل من الاستثمار الخاص، ورفع الإنتاجية، والإصلاح الهيكلى. كما أن اللغة المستخدمة أكثر هدوءًا وأقل ادعاءً، وتعكس فهمًا أفضل لمعادلة المفاضلة بين الطموح والقدرة على التنفيذ.

ويُحسب للسردية كذلك أنها تحاول إعادة تعريف دور الدولة، ليس كفاعل مباشر يقود النشاط الاقتصادى عبر الإنفاق والاستثمار، بل كمنظِّم ومُمكِّن يضبط القواعد ويُحسِّن البيئة ويترك مساحة أوسع للقطاع الخاص. هذا التحول الفكرى، إذا ما جرى الالتزام به فعليًا، يمثل تغييرًا مهمًا فى طريقة إدارة الاقتصاد، ويتسق مع دروس تجارب دولية نجحت حين أدركت أن الدولة القوية ليست بالضرورة الدولة الأكبر إنفاقًا، بل الدولة الأكثر وضوحًا وانضباطًا.

الأهم من ذلك أن السردية لا تقف عند مستوى الطموح أو التوصيف العام، بل تتضمن كتالوجًا تنفيذيًا واضح المعالم يحدد أولويات التدخل، وأدوات السياسة، ومسارات التمويل، وتوزيع المسئوليات المؤسسية. هذا الكتالوج، حتى وإن لم يصل بعد إلى مستوى الخطة التنفيذية التفصيلية الدقيقة بكل جداولها الزمنية، يمثل نقلة نوعية مقارنة بالنهج التقليدى، لأنه ينقل الوثيقة من مجرد عرض تصورى إلى مرجع يمكن الاحتكام إليه عند قراءة السياسات وربطها ببعضها البعض. وجود هذا الكتالوج فى حد ذاته تطور مهم، لأنه يربط بين سؤال «ماذا نريد أن نحقق» وسؤال «كيف سنفعل ذلك وبأى أدوات».

لكن، ورغم هذه الإيجابيات، تظل الإشكالية الأساسية فى الفجوة بين المكتوب والمُمارس. فالسردية، بكل ما تحمله من تطور، ما زالت أقرب إلى إطار إرشادى متقدم منها إلى وثيقة حاكمة مُلزِمة. الكتالوج موجود، نعم، لكن تفعيله لا يزال انتقائيًا، والمتابعة غير منتظمة، والمساءلة غير مؤسسية. يمكن لكل جهة أن تتحرك داخل السردية دون أن تكون مُقيدة بها بالكامل، وهو ما يُضعف أثرها ويُفرغها تدريجيًا من قدرتها على ضبط القرار الاقتصادى.

الخطر هنا لا يكمن فى فشل السردية، بل فى تآكلها. فالوثائق التى لا تتحول إلى أدوات حاكمة تُستنزف مع الوقت، وتتحول من مرجع يُحتكم إليه إلى نص يُستشهد به عند الحاجة فقط. ومع مرور الوقت، يعود الاقتصاد إلى ما كان عليه: تعدد فى الإشارات، وتباين فى الأولويات، وإدارة للحظة بدل إدارة للمسار. وهذا تحديدًا ما يرفع تكلفة عدم اليقين، ويضعف ثقة الفاعلين الاقتصاديين، لأنهم لا يرون اتجاهًا ثابتًا بقدر ما يرون نصًا قابلًا لإعادة التفسير.

السؤال الحقيقى إذن ليس: هل السردية جيدة؟ بل: هل نحن مستعدون لأن نُعاملها كوثيقة دولة لا كبيان حكومة؟ هل ستصبح مرجعًا ملزمًا عابرًا للأشخاص والمواقع، أم ستُعاد صياغتها أو تجاوزها مع أول تغيير إدارى أو أول أزمة طارئة؟.. الإجابة عن هذا السؤال لا تكمن فى إضافة فقرات جديدة أو إطلاق شعارات مكملة، بل فى طريقة الاستخدام اليومى للسردية داخل مؤسسات الدولة نفسها.

أن تكون السردية وثيقة حاكمة يعنى أن تُستخدم كمرجع عند اتخاذ القرار، وأن تُربط بها السياسات القطاعية، وأن تُراجع دوريًا على ضوء التنفيذ الفعلى، لا على ضوء تغير الخطاب. ويعنى أيضًا أن تكون هناك آلية متابعة واضحة، ومؤشرات أداء تُقاس بانتظام، ومساءلة حقيقية عند الانحراف عن المسار. دون ذلك، ستظل السردية خطوة متقدمة على مستوى الفكر، لكنها خطوة ناقصة على مستوى الحوكمة.

الخلاصة أن السردية الوطنية، كما هى مكتوبة اليوم، تمثل تقدمًا حقيقيًا فى لغة التخطيط ودرجة الواقعية، وفيها ما يكفى من النضج لتكون أساسًا لإدارة اقتصادية أكثر اتساقًا. لكنها لن تُقاس بجودة صياغتها ولا بتماسك أفكارها، بل بقدرتها على أن تتحول إلى وثيقة حاكمة تُدار بها السياسات، وتُتابَع عبر مؤشرات واضحة، ويُحاسَب على أساسها الأداء.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة