وقد اتفق المشاركون فى هذه الحلقة على أن الأمن القومى المصرى يتعرض لتحديات ومخاطر ثلاثية الأبعاد.. البعد الأول، عالمى، حيث يشتد الصراع الدولى الآن لتشكيل نظام عالمى تريده أمريكا أحادى القطبية، ويريده منافسوها متعدد الأقطاب، ولعل أهم وأخطر التحديات والمخاطر العالمية يتمثل فى إحياء نهج تغيير النظم السياسية من الخارج التى كانت تجرى بهمّة ونشاط مع حكم بوش الابن فى أمريكا.. والبعد الثانى للتحديات والمخاطر التى تواجه الأمن القومى المصرى هنا، هو السعى الحثيث الذى يجرى على قدم وساق لإعادة صياغة الخريطة السياسية للشرق الأوسط، بما يضمن هيمنة لإسرائيل برعاية أمريكية، تمكّنها من المضى قدمًا فى تصفية القضية الفلسطينية بعد إضعاف القوى الإقليمية فيها وتقوية إسرائيل اقتصاديا وعسكريا.. أما البعد الثالث للتحديات والمخاطر التى تواجه الأمن القومى المصرى فإنه البعد الداخلى، وفيه يمتزج ما هو اقتصادى بما هو سياسى، حيث تؤرق الضغوط المعيشية على الأغلب الأعم من المصريين وفى المقدمة منهم أصحاب الدخول المحدودة وأبناء الطبقة المتوسطة.
وتوافق المشاركون فى الحلقة النقاشية على رؤية استراتيجية يرون أنها خارطة طريق لمواجهة كل هذه التحديات والمخاطر التى تواجه أمننا القومى، سواء العالمية أو الإقليمية أو الداخلية.. وتقضى هذه الرؤية أولا باستمرار انتهاج سياسة خارجية مستقلة جوهرها عدم الانحياز لأى قوة عالمية، والحرص على نسج علاقات متوازنة مع كل القوى العالمية المتصارعة الآن على الساحة العالمية، مع الاهتمام بتوطيد العلاقات الشعبية وعدم الاكتفاء بالعلاقات الرسمية فقط بخاصة مع الدول الإفريقية والآسيوية، وهنا يبرز دور مهمم ينتظر منظمة تضامن شعوب إفريقيا وآسيا بعد الجهد المبذول الآن لإعادة إحيائها، وهو يُبين صحة وسلامة رؤيتنا باحتضان مصر لها.
ولكى نتمكن من استمرار انتهاج سياسة خارجية مستقلة، فإننا نحتاج ثانيا إلى الاستمرار فى نهج دعم قواتنا المسلحة وتقويتها بتزويدها بما هو ضرورى من معدات وأسلحة لتكون جاهزة للدفاع عن أرض الوطن ومصالح أهله وحمايتهم من أطماع البعض فى مقدراتنا وثرواتنا بل وأرضنا ورغبة البعض الآخر فى إخضاع المجتمع لسيطرة المتطرفين دينيا، باعتبار أن حكم الإسلام السياسى لنا سوف يؤهلنا للقبول بالخضوع السياسى للإرادة الأجنبية.
كما أننا نحتاج إلى الحفاظ على علاقات طبيعية خالية من التوتر مع القوى البارزة فى إقليمنا، وتحديدا مع تركيا وإيران، حتى لا تصبح إسرائيل هى صاحبة الصوت الأعلى فى المنطقة كما تخطط حكومة نتنياهو وإدارة ترامب فى أمريكا، لأن ذلك إذا تحقق سوف يتيح لهم التقدم فى تنفيذ إسرائيل الكبرى الممتدة من النيل إلى الفرات، والتى تشمل أراضى من سوريا ولبنان والأردن والسعودية ومصر، فضلا عن كل الأراضى الفلسطينية أيضا فى غزة والضفة الغربية والقدس.
كذلك نحتاج إلى أن تستعيد مصر دورها الريادى عربيا والمعلن عنه، فقد أثبتت أحداث المنطقة العربية أن الأشقاء العرب يحتاجون إلى عودة هذا الدور وبشكل معلن.. فإن الوضع الذى يشوبه الاضطراب الآن على امتداد الجغرافيا العربية يقتضى مواجهته بشكل حاسم وعاجل أيضا.. ونحن هنا لا نتحدث عن ممارسة زعامة للمنطقة العربية تثير وأثارت حساسيات لدى بعض الأشقاء العرب فى أوقات مختلفة؛ وإنما نحن نتحدث عن دور ريادى مصرى افتقده العرب وعانوا لذلك.
ومفهوم بالطبع أننا لكى نستعيد هذا الدور نحتاج إلى مواجهة التحديات الداخلية التى تواجه أمننا القومى، وأبرزها مواجهة التطرّف الدينى الذى يجلب لنا التخلف ويقوّض أركان الدولة الوطنية، والضغوط المعيشية التى تؤرق عموم المصريين.. وهذا يقتضى نهضة ثقافية تشمل التعليم وسياسات اقتصادية تراعى الأكثر احتياجا من المصريين، وتهتم بحماية أيضا الطبقة المتوسطة.
وقد توافق حضور الحلقة النقاشية حول أمننا القومى على إعداد ورقة تضعها لجنة التضامن المصرية تحت نظر مستشارة الرئيس للأمن القومى، القديرة فايزة أبوالنجا، ونحن نثق فى أنها سوف تهتم بها خاصة أن اللجنة المصرية تعد أكبر وأقدم لجان منظمة تضامن الشعوب الإفريقية والآسيوية، وكان أول رئيس لها الرئيس الراحل أنور السادات، وتشكلت بقرار من الرئيس الراحل جمال عبدالناصر.