رغم اختلاف المكان..
لن ينفلت أبدا عقد الزمان بل ستظل دُرَره فى القلوب قبل الخرائط
رغم اختلاف الثقافات..
لن تضيع أبدا التجارب هباء بل ستتراكم على ناصية جوهرٍ واحد
رغم اختلاف المسارات..
لن تموت أبدا العزائم بل ستوُلد التحديات من رحم ونبع واحد
عن الحضور النسوى فى البرلمان أتحدث..
أخذنى الشغف لكتابة مقال عن جذور الحضور النسوى فى البرلمان بين الأمس واليوم ونحن على مشارف الانتهاء من الفصل التشريعى 2021-2026
قبل أن أمسك بقلمي، عاهدت قلبى ألا تأخذنى مشاعر حماس مبالغة أو أى شكل من أشكال الانحياز للشرق عن الغرب، والعكس وقطعت على نفسى عهدًا أن يكون سردى متوازن، ومستندًا إلى مراجع تاريخية، بالإضافة إلى قراءة تحليلية من واقع ما عشته على مدار خمسة أعوام كاملة كنائب شعب فى هذا المحفل السياسى المتفرد.
وانطلق فكرى من سؤال بدى لى منطقيا.. كيف وصلت أنا ووصلت المرأة بصفة عامة إلى البرلمان؟ من هن اللواتى فتحن باب الانتخاب أمام المرأة؟
درية شفيق وميليسنت فاوست..
نجمتان ما زالتا يسطعان على وجه أوطانهما ولكن أيضا محركات البحث الإلكترونى حتى اليوم!
فى الحقيقة أنه حينما نبحث عن جذور الحضور النسوى البرلمانى حول العالم، يقف محرك البحث عند أسمائهن ضمن أبرز أسماء نضال السيدات للحصول على حقوق المرأة، درية فى القاهرة أيقونة النضال النسوى العربى فى منتصف القرن العشرين والتى اشتهرت بمقولة:
«إن المرأة التى لا صوت لها فى البرلمان هى مواطنة منقوصة الحقوق، مهما كُتبت لها الوعود فى الدساتير» واستكملت تصريحها أيضا بأن «تحرير المرأة ليس قضية نسوية ضيقة، بل قضية وطنية تمس الأسرة والمجتمع والدولة معًا»
فى المقابل، ميليسنت فى لندن قائدة حركة حق المرأة فى التصويت السلمية، وصاحبة مقولة: «نحن لا نطلب امتيازًا خاصًا للنساء، بل نطالب بحق إنسانى».. تكشف تجربة درية شفيق وميليسنت فاوست - اللواتى أكتب عنهما اليوم - أن نضال المرأة من أجل الحصول على حقها السياسى لم يكن حكرًا على ثقافة بعينها ولا نتاج سياق محلى مغلق، بل مسار إنسانى مشترك تشكّل عبر تماسٍ حى بين الشرق والغرب.
فعلى اختلاف البيئات والأنظمة، التقت السيدتان عند قناعة جوهرية مفادها أن البرلمان ليس مجرد مؤسسة تشريعية، بل مرآة لمدى اكتمال المواطنة وعدالتها، ومن لندن إلى القاهرة، ظلّ المطلب واحدًا: أن يكون للمرأة مكان تحت القبة وصوت فى تكوين المصير. أن هذا الالتقاء بين التجربتين يؤكد أن قضايا الحرية والتمثيل والعدالة تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية، وأن النضال النسوي، حين يرتبط بالوطن والمجتمع، يتحول إلى فعل كونى جامعا لا يفصل بين شرق وغرب.
غير أنّني، إذ اجتررتُ ما عشته من تجارب مهنية، لم أقرأ مسيرتَى دُرّية شفيق وميليسنت بوصفهما تاريخين منفصلين، بل سألتزم بقراءتهما كفصلين متوازيين فى حكاية واحدة، عنوانها أن الديمقراطيّة لا تكتمل إلّا حين يُسمَع صوت المرأة، وأنّ الميزان لا يستقيم ـ ولن يستقيم ـ ما لم يُمثَّل نصف المجتمع فى البرلمان.. ففى تاريخ النضال من أجل حقوق المرأة، تتقاطع مسارات نسائيّة عابرة للحدود، توحّدها قضيّة المشاركة السياسيّة والتمثيل البرلماني.
عزيزى القارئ
كانت البدايات الأولى لنضال المرأة من أجل حضورها السياسى قد خطت بأقدام ثابتة وتوِّجت بنجاحات موثقة منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، واستمر هذا النضال ـ فى الشرق كما فى الغرب ـ سواء جسّدته درية شفيق أوميليسنت فاوست، نضال عتي، صامد حتى فى أحلك فترات التحديات والأزمات السياسية والاجتماعية.
وبما أننى واحدة من اللواتى ذقن وتذوّقن ثمار اجتهاد هؤلاء السيدات اللواتى أدركن مبكرًا أن تمثيل المرأة فى البرلمان ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وطنية، فقد تعمّقت قناعتى بأهمية النضال النسائى ومع ما عايشته على مدار مهمتى تحت القبة من تحدياتٍ جسام واجهها العالم بأسره، ازداد إدراكى لدور المرأة الحيوى فى المجتمع، فهى كانت ولا تزال ـ بعقلها وقلبها ـ رمانة الميزان معيار الثبات فى أوقات الأزمات..
ومن خلال هذه القراءة المقارنة، أمكن رصد نقاط تماس واضحة بين التجربتين، وكيف تحول البرلمان إلى فضاءً ممتدًا للاعتراف بالمواطنة الكاملة للمرأة، لا مجرد مؤسسة سياسية بما أدركته كل من فاوست وشفيق فى أن حرمان المرأة من دخول هذا المحفل التمثيلى للمجتمع، انتخابًا أو ترشحًا، يعنى إبقاء نصفه خارج عملية صناعة القرار. ويجمع خيط نضالى واضح بين المصرية درية شفيق والبريطانية ميليسنت فاوست، إذ خاضت كلتاهما معركتين متوازيتين من أجل الحقوق السياسية للمرأة، وفى القلب منها حق التصويت والتمثيل النيابي. وقد التقت السيدتان فى المبدأ، بما يؤكد أن الاختلاف بينهما لم يكن فى جوهر النضال، بل فى أدواته التى فرضها السياق السياسى لكل واقع اجتماعي.
وكعادتى، أجدنى مشدودةً إلى تأمّل نشأة الإنسان، وإلى تتبّع خيوط تكوينه العائلى الأول، وما تتركه من أثرٍ عميق فى ملامح الشخصية التى تتشكّل لاحقًا داخل المجتمع. وربما تشاركنى هذا الفضول الإنسانى تجاه الآخر، والرغبة فى فهم دوافع سلوكه وحدود أدائه ضمن الفضاء المشترك الذى نعيش فيه.. ومن هذا المنطلق، قادنى الفضول إلى كتابٍ عثرتُ عليه مصادفةً فى مكتبة أكاديمية الفنون فى روما، مترجم إلى الإنجليزية عن دُرّية شفيق، وقد تصدّر غلافه حضورها الأنيق ونظرتها الثاقبة، كأنها تدعونى إلى الاقتراب أكثر من عالمها..
وُلدت درية شفيق عام 1908 فى مدينة طنطا بدلتا النيل، وتلقت تعليمها الأولى فى مدرسة البعثة الفرنسية بطنطا. شاءت الأقدار أن تكون ضمن أول بعثة من الطالبات المصريات من قِبل وزارة المعارف إلى فرنسا، حيث التحقت بجامعة السوربون فى وحصلت هناك على ليسانس ثم الدكتوراه فى الفلسفة عام 1940 من الجامعة نفسها. جمعت درية شفيق بين الذكاء والجرأة والطموح اللامحدود، حيث كانت تؤمن أن المرأة قادرة على التغيير، فحملت أفكارها بثقة ولم تخشَ التحدى والاختلاف. عادت درية شفيق من فرنسا وهى تحمل طموحًا علميًا كبيرًا، لكنها تلقت صدمة كبيرة عندما رفض عميد كلية الآداب بجامعة القاهرة تعيينها لكونها “امرأة”.. وكان هذا الحدث نقطة انطلاق لرحلتها الشاقة مع القوى الرجعية فى المجتمع، التى وقفت ضد فكرة المساواة بين الرجل والمرأة وناهضت كل ما تمثله من فكر تنويري.. ولأنها لم تكن قادرة على البقاء بلا عمل، اضطرت إلى قبول وظيفة مفتشة للغة الفرنسية فى المدارس الثانوية بمصر. غير أن هذا المنصب لم يُرضِ طموحها طويلًا، فمع مرور الوقت شعرت برتابة العمل وبأنه لا يليق بمستواها العلمى ولا يعكس قدراتها الحقيقية..
وفى عام 1945، فُتح أمامها باب جديد، حين عرضت عليها الأميرة شويكار تولى رئاسة مجلة المرأة الجديدة، لم تتردد درية فى خوض التجربة، قبل أن تخطو خطوة أكثر جرأة بإصدار مجلة «بنت النيل» التى أصبحت أول مجلة نسائية ناطقة بالعربية، خُصصت لتعليم المرأة المصرية وتثقيفها، ولتكن منبرًا جريئًا للدفاع عن حقوقها ودورها فى المجتمع. ومن ولعى بهذه المجلة وبمسيرة درية شفيق، أهدانى صديقى مجموعة نادرة من الأعداد الإلكترونية لهذا الإصدار التنويرى ما حفزنى على المضى قدما فى كتابة هذا المقال وإحياء ذكرى أحد أشهر حاملى مصابيح التنوير.
وعلى الشط المقابل للبحر المتوسط، فى إنجلترا وبالتحديد بلدة ألدبوره بمقاطعة سوفولك المعروفة بالسماء الضبابية فى معظم أيام السنة، ولدت طفلة عام 1847 أتت لاحقا بالنور على الحضور النسوى بأجمعه فى وطنها، ميليسنت فاوست.
نشأت ميليسنت فى أسرة ليبرالية مستنيرة لعبت دورًا محوريًا فى تشكيل وعيها المبكر.. كان والدها تاجرًا ناجحًا يؤمن بأهمية التعليم، بينما شجعتها والدتها على الاستقلال الفكري، وهو أمر غير مألوف للفتيات فى ذلك العصر. تأثرت أيضا بشكل خاص بشقيقتها الكبرى إليزابيث غاريت أندرسون، أول طبيبة فى بريطانيا، ما زرع فيها منذ الطفولة الإيمان بقدرة المرأة على كسر القيود الاجتماعية. تلقت الطفلة ميليسنت تعليمًا جيدًا مقارنة بنساء جيلها، ونشأت فى بيئة تحفّز النقاش وتقدّر العقل، الأمر الذى صقل شخصيتها وجعل الدفاع عن حقوق المرأة مسارًا طبيعيًا فى حياتها لاحقًا.
وبالعودة إلى الشرق، وعلى الرغم من جرأة تحركات درية شفيق، فإنها، شأنها شأن فاوست، التزمت بالنضال السلمي. فالسلمية لدى ميليسنت فاوست كانت استراتيجية طويلة الأمد، قوامها التنظيم المحكم، والعرائض، والمسيرات القانونية، أما درية شفيق، فقد اتخذت من السلمية أداة ذكية إلى كسر الصمت المجتمعى، واستطاعت أن تجعل البرلمان ذاته مسرحًا للاحتجاج، حين قادت عام 1951 تحركًا نسويًا غير مسبوق أمام البرلمان المصري، فى رسالة مباشرة مفادها أن المرأة يجب أن تمثل تحت القبة وقالت حينها عبارتها الشهيرة: «احتجاجنا سلمي، لكن صمتنا ليس خيارًا، لأن الصمت هو الوجه الآخر للظلم»
ولم تنظر أى من السيدتين إلى الحقوق السياسية بوصفها قضية نخبوية معزولة.. فقد ربطت ميليسنت فاوست بين تصويت المرأة وإصلاح قوانين العمل والتعليم والرعاية الاجتماعية، معتبرة أن غياب المرأة عن البرلمان ينعكس ظلمًا تشريعيًا على الأسرة والمجتمع. وبالمنطق نفسه، رأت درية شفيق أن تمثيل المرأة فى البرلمان شرط أساسى لتحريرها من التهميش القانوني، ولا سيما فى قضايا الأحوال الشخصية والتعليم وحقوق العمل.
إن قراءة مسيرتى درية شفيق وميليسنت غاريت فاوست معًا تُظهر أن دخول المرأة إلى البرلمان لم يكن منحة، بل ثمرة كفاح طويل، وأن هذا الكفاح قد يتخذ أشكالًا متعددة، من الإصلاح الهادئ إلى الاحتجاج الرمزي. وتبقى تجربتاهما شاهدتين على حقيقة واحدة: لا مكان عادلا للمرأة فى المجتمع من دون مكان واضح لها تحت قبة البرلمان، ولا صوت ديمقراطيا مكتملا من دون صوت النساء فى التشريع والرقابة وصناعة القرار.
عزيزى القارئ
فى ختام مقالى هذا، أود أن أُذَكر أن عام 2021 كان نقطة فارقة وقيمة مضافة لمسيرة نضال المرأة، هذا العام الذى لم يأتِ مصادفة، بل دشّن فصل تشريعيا سجّل أعلى مشاركة للمرأة تحت قبة البرلمان المصرى منذ زمن درية شفيق، متجاوزة حاجز 27 فى المائة، فى حدث متفرد وسباق تحت القبة.
وهنا، عزيزى القارئ، اسمح لي، وأنت تمضى معى فى قراءة هذه السطور، أن أستعيد لحظةً شخصيةً ذات بُعدٍ قومي، إذ أهدتنى الأقدار شرف التمثيل النيابى فى إطار هذا البرلمان الذى سجل لحظة فارقة من تاريخ التمثيل النيابى للمرأة، برلمان عام 2021 إذ إنى تشرفت بتعيينى ضمن ثمانيةٍ وعشرين عضوًا مُعيَّنًا بقرارٍ من رئيس الجمهورية، كان نصفهم من السيدات. بل وأرادت أيضا الأقدار أن أصبح أول سيدة متخصصة فى علم الآثار المصرية القديمة تعبر إلى تحت القبة، حاملةً مع زميلاتى مهمة الدفاع عن ذاكرة الوطن والحفاظ عليها أمام تحديات غير مسبوقة.. حتى إذا ما استطعنا إليها سبيلا!