رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الأسرة فى عصر «الانفجار الرقمى»


13-12-2025 | 14:18

.

طباعة
بقلم: د. محمود علوان

تعيش الإنسانية فى مفارقة وجودية؛ فمع تعاظم الاتصال الرقمى، تتعمق الهوة فى الصلات الإنسانية الحقيقية، ويشكل هذا التناقض جوهر الأزمة البنيوية التى تواجه الكيان الأسرى المعاصر، حيث تجف منابع العاطفة الأصيلة فى خضم فيض البيانات، وتتقلص المساحات العاطفية الآمنة مع اتساع رقعة الشبكات الافتراضية، يهدف هذا التحليل إلى تشريح الجذور الفلسفية والاجتماعية والاقتصادية للأزمة، وتقديم إطار نظرى وتطبيقى متكامل لاستعادة دور الأسرة كخلية أساسية لبناء الإنسان المتوازن فى عالم باتت فيه القيمة تُقاس بالمؤشرات الرقمية أكثر من عمق الوجود الإنسانى.

 

لا يُعدّ الدفاع عن الأسرة عودة إلى الماضى، بل استثمار فى مستقبل إنسانى أكثر توازناً، إن حماية الروابط الأسرية ليست موقفاً محافظاً، بل ممارسة حضارية مقاومة للهيمنة المادية والرقمية، فالأسرة ليست عبئاً على الحداثة، بل ركيزة أساسية لاستمرار المعنى الإنسانى.

الإطار النظرى والتحليلى:

تشخيص العوامل البنيوية المؤثرة

أولاً: القوى الفاعلة فى إعادة تشكيل البنية الأسرية:

1. المادية الحداثية: فلسفة تختزل الكينونة الإنسانية إلى وحدة إنتاجية واستهلاكية، وتتنكر للأبعاد الغائية والمعنوية التى تتجاوز الحسّ والمادة.

2. التفسيرات الراديكالية للنسوية: تحولت بعض الخطابات من المطالبة بالإنصاف إلى أيديولوجيا تفكيكية، تروّج لصراع مستدام وتنكر مبدأ التكامل الطبيعى بين الأدوار الاجتماعية.

3. النظام الاقتصادى النيوليبرالى: نموذج يستفيد - على المستوى البنيوي- من الفرد المعزول، المتحرر من الروابط التقليدية، ليكون أكثر مرونة فى سوق العمل وأكثر اندفاعاً نحو الاستهلاك.

4. الثورة الرقمية وتأثيراتها الاجتماعية: لم تعد التكنولوجيا أدوات محايدة، بل تحولت إلى فاعل مؤثر يعيد برمجة أنماط التواصل، ويهيكل الوعي، ويشكل الأولويات القيمية.

ثانياً: العوامل المساعدة والمُحفّزة:

• تحوُّل مفهوم العمل من وسيلة لإعمار الأرض إلى غاية تستهلك الزمن الحيوى للإنسان.

• هيمنة ثقافة الاستهلاك التى تصنع رغبات وهمية وتقدم السعادة كسلعة قابلة للاقتناء.

• العولمة الثقافية ونشر نماذج حياتية منفصلة عن السياقات المحلية والنسق القيمى للمجتمعات.

• تآكل الشبكات الداعمة التقليدية (العائلة الممتدة، الجيرة، المجتمع المحلى) التى كانت تشكل شبكة أمان اجتماعى.

الإطار الإحصائى: مؤشرات التفكك الأسرى عالمياً:

تشير البيانات الصادرة عن مراكز إحصائية عالمية (مثل مكتب الإحصاء الأمريكى، ويوروستات، ومنظمة التعاون الاقتصادى والتنمية) إلى تسارع مؤشرات التفكك:

• ارتفاع معدلات الطلاق: فى العديد من المجتمعات الغربية، تقترب نسبة الزيجات التى تنتهى بالطلاق من 40-50 فى المائة فى بعض السياقات العربية، تشير تقديرات محلية إلى ارتفاع نسب الطلاق فى السنوات الخمس الأولى من الزواج لتتجاوز 30 فى المائة فى مناطق حضرية محددة.

• تراجع معدلات الزواج وارتفاع متوسط عمره: يتأخر سن الزواج الأول بشكل ملحوظ، مع ارتفاع نسبة من يختارون العزوبية الدائمة أو العيش المشترك غير الرسمى.

• انخفاض الخصوبة تحت مستوى الإحلال: فى أكثر من 50 فى المائة من دول العالم، انخفض معدل الخصوبة الإجمالى إلى أقل من 2.1 طفل لكل امرأة، وهو المستوى المطلوب للحفاظ على حجم السكان دون انخفاض.

• اتساع ظاهرة الأسر أحادية الوالد: تُظهر بيانات الأمم المتحدة أن الأسر التى يعيلها أحد الوالدين تشكل ما بين 15 فى المائة إلى 30 فى المائة من جميع الأسر مع الأطفال فى العديد من الدول، مما يضاعف الضغوط الاقتصادية والتربوية.

تحليل نقدى لخطاب النوع الاجتماعى: بين المطالبة بالإنصاف والأيديولوجيا التفكيكية

شهد الخطاب النسوى تحولات جوهرية، فبينما انبثق كحركة إنسانية تدعو للكرامة والعدالة، تشعبت تفسيراته لتشتمل على تيارات راديكالية تقدم رؤية إشكالية:

• اختزال مفهوم العدالة فى إطار الصراع: تحويل الشراكة بين الرجل والمرأة إلى ساحة تنافس عدائية.

• نفى الفروق الوظيفية والتكاملية: التعامل مع الاختلافات البيولوجية والنفسية بين الجنسين كأشكال من القمع يجب إزالتها.

• ربط التحرر بالنمط الاستهلاكى: تقديم نموذج «المرأة المتحررة» ككيان منفصل، مرتكز على الاستقلال المادى والإنفاق بلا حدود، ومتحرر من الالتزامات العلائقية.

• تقويض القيم الرمزية للأدوار التقليدية: تصوير الأمومة والتربية المنزلية كمهام دنيا تُعيق تحقيق الذات.

الآثار الاجتماعية المترتبة: إحصاءات عن إهمال دور الأمومة والمخاطر المرتبطة:

تظهر دراسات نفسية واجتماعية (منشورة فى دوريات مثل «Child Development» و «Journal of Marriage and Family») نتائج مقلقة:

• الوقت الفعلى للرعاية: أظهرت دراسة أمريكية طويلة الأمد أن متوسط الوقت الذى تقضيه الأمهات العاملات بدوام كامل فى التفاعل المباشر واللعب مع أطفالهن دون سن 13 عاماً قد انخفض إلى أقل من 30 دقيقة يومياً فى أيام العمل.

• تأثير الحضانات طويلة الأمد: تشير تحليلات ميتا (جمع وتحليل لعدة دراسات) إلى أن قضاء أكثر من 30 ساعة أسبوعياً فى الرعاية غير الأبوية فى السنوات الأولى قد يرتبط بزيادة طفيفة فى مشاكل السلوك العدوانى والقلق لدى بعض الأطفال، خاصة عند جودة رعاية منخفضة.

• مفارقة الرضا والواقع: فى استطلاعات للرأى، تعبر نسبة تصل إلى 70 فى المائة من الأمهات العاملات فى بعض المجتمعات الغربية عن شعور عميق بالذنب والإجهاد المزمن بسبب التوفيق بين العمل والأمومة، رغم تبنيهن خطاب «التحرر» علناً.

• الصحة النفسية للأمهات: ارتفعت معدلات اكتئاب ما بعد الولادة والقلق العام بين الأمهات العاملات بنسبة تفوق المعدلات بين ربات المنازل فى عدة دراسات مقارنة، مما يشير إلى عبء نفسى غير مُعترف به.

النتيجة الخطيرة: زيادة خطر التعرض للانتهاك الجنسى (البيدوفيليا)

يُشكل غياب الرقابة الأسرية المتواصلة أحد عوامل الخطر البيئية التى تُستغل فى استهداف الأطفال، تشير البيانات والإحصاءات من منظمات حماية الطفل العالمية (مثل اليونيسف ومنظمة World Vision) إلى ما يلى:

• بيئة المخاطرة: أظهرت دراسة أجرتها جامعة نيو هامبشاير (ضمن سلسلة دراسات الاعتداء على الأطفال) أن الأطفال الذين يقضون وقتاً أطول فى رعاية غير أسرية (خارج نطاق الأسرة المباشرة) مع وجود تعدد كبير فى مقدمى الرعاية غير المعروفين جيداً للأسرة، هم أكثر عرضة للإيذاء بمختلف أشكاله، بما فى ذلك الجنسي، بنسبة تصل إلى ضعف التعرض مقارنة بأقرانهم فى رعاية أسرية مباشرة أو فى بيئات صغيرة وثابتة ومشرفة عليها.

وللحديث بقية..

 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة