على ضفاف نهر ريو جراندي، الذي يشكل الحدود الطبيعية بين المكسيك والولايات المتحدة، تقع مدينة سيوداد خواريز المكسيكية، المواجهة مباشرة لمدينة إل باسو بولاية تكساس.
وبفضل موقعها الاستراتيجي على أحد أكثر المعابر الحدودية نشاطًا في العالم، تحولت المدينة إلى مركز رئيسي لتصنيع مكونات الذكاء الاصطناعي، مستقطبةً كبرى شركات التكنولوجيا التي تسعى إلى دعم سلاسل الإمداد الأمريكية وتوسيع وجودها بالقرب من السوق الأمريكية.
وتلقي صحيفة "فاينانشيال تايمز" الضوء على تطورات هذه المدينة المكسيكية التي باتت مركزًا رئيسيًا للنمو الصناعي والتكنولوجي في المكسيك، ولا سيما بعد أن وسعت شركات أجنبية، خاصة من تايوان، وفي مقدمتها "بيجاترون"، منشآتها ومرافقها هناك، لتتحول عملياتها، التي كانت تركز سابقًا على الإلكترونيات البسيطة، إلى خطوط إنتاج متطورة لخوادم (سيرفرات) الذكاء الاصطناعي.
وقد أتاحت الميزة الجغرافية الاستراتيجية لمدينة سيوداد خواريز، المتاخمة لولاية تكساس، إمكانية تسليم الإمدادات في الوقت المناسب إلى مختلف أنحاء أمريكا الشمالية، ما يشجع على استقطاب المزيد من الاستثمارات.
وخلال السنوات الأخيرة، وبفضل انتعاش التصنيع التكنولوجي في سيوداد خواريز، برزت المكسيك لاعبًا محوريًا في طفرة الذكاء الاصطناعي، حيث زودت الولايات المتحدة بنحو 40% من وارداتها من خوادم الكمبيوتر الضرورية لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في عام 2023.
وتلفت "فاينانشيال تايمز" إلى أن صادرات قطاع تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في المكسيك تفوقت على الصادرات التقليدية، مثل قطاع السيارات؛ لتصبح المكسيك ثاني أكبر مورد لخوادم مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي إلى الولايات المتحدة، بمبيعات بلغت 46.9 مليار دولار.
وقد ساهم هذا الارتفاع في صادرات الخوادم في إنعاش الاقتصاد المكسيكي المتعثر، ودفع إجمالي الصادرات إلى مستويات قياسية، إذ شكلت الخوادم ما يقرب من 20% من إجمالي الصادرات السلعية، البالغة 317 مليار دولار، خلال الفترة من يناير إلى مايو، أي أكثر من ضعف الرقم المسجل في العام السابق.
وأفادت الصحيفة بأن استثمارات المصنّعين، التي تجاوزت 1.6 مليار دولار في المصانع المكسيكية منذ عام 2020، مثلت عاملًا حيويًا في هذه الطفرة.
كما يعزز القرب الجغرافي من كبرى شركات التكنولوجيا الأمريكية، وإمكانية الوصول إلى الأسواق دون رسوم جمركية، هذا التعاون.
ويشدد خبراء، من بينهم جيسي روجرز من مؤسسة "موديز أناليتكس"، على الدور المحوري للمكسيك في اقتصاد الذكاء الاصطناعي الناشئ؛ الأمر الذي يخلق اعتمادًا اقتصاديًا جديدًا على إنتاج الخوادم، فيما تقع مدينة سيوداد خواريز، بموقعها الاستراتيجي، في قلب هذا التطور.
وتتوقف الصحيفة عند بعض التحديات التي تواجه هذه الصناعة في المكسيك، مشيرة إلى أن نمو الاقتصاد المكسيكي بلغ 0.6% فقط خلال العام السابق، مقارنة بمتوسط 1.6% قبل جائحة "كوفيد-19".
ويؤكد الخبراء أنه لولا طفرة الصادرات الأخيرة، لكانت المكسيك على الأرجح تعيش حالة من الركود، كما ساهمت القرارات السياسية، مثل التعديلات التي أدخلتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على "اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا" (USMCA)، إلى جانب بعض الإصلاحات الداخلية التي قادتها الرئيسة كلوديا شينباوم، في عرقلة عدد من الاستثمارات المحتملة.
ولفتوا إلى أن ظهور خوادم الذكاء الاصطناعي يمثل نقلة نوعية في قطاع الصادرات المكسيكية، إذ يتيح تحقيق عوائد مالية أعلى بكثير لكل شحنة مقارنة بالمنتجات التقليدية، مثل السيارات، بما يشير إلى دخول اقتصاد البلاد مرحلة تحول جديدة.
ويرى وكيل وزارة الاقتصاد في ولاية تشيهواهوا الحدودية فرناندو ألبا، أن خوادم الذكاء الاصطناعي تُحدث تحولًا كبيرًا في المشهد الاقتصادي للمكسيك، ولا سيما في سيوداد خواريز.
وأشار إلى أن تصدير خوادم الذكاء الاصطناعي عالية القيمة يسهم في تحقيق إيرادات أكبر لكل حمولة شاحنة.. موضحًا أن حمولة شاحنة واحدة من الخوادم تعادل قيمة ألف سيارة.
ورغم النمو الواعد للصادرات، لم يواكب خلق فرص العمل المحلية هذا النمو، إذ توفر المصانع المؤتمتة بالكامل عددًا أقل بكثير من الوظائف مقارنة بقطاعات التصنيع التقليدية، مثل تصنيع قطع غيار السيارات، وقد بلغ التوظيف في قطاع التصنيع ذروته في سيوداد خواريز عام 2023.
ويرى كون لين يانج المدير التنفيذي لقسم المكسيك في شركة "بيجاترون" التايوانية لتصنيع الإلكترونيات، أن الهيكل الحالي لوظائف التصنيع شهد تحولًا جذريًا خلال العقدين الماضيين، حيث انخفضت نسبة المشرفين إلى العمال من 10 - 20 إلى ما يقارب 1-2.5، إلا أنه يشير إلى أن القدرات التصنيعية المحلية للمكونات المستخدمة في خوادم الذكاء الاصطناعي لا تزال محدودة.
ويؤيد ألبا هذا الرأي، مؤكدًا أنه في حين يمكن للمكسيك أن تستهدف رفع نسبة المكون المحلي في تصنيع الخوادم إلى ما بين 3 و7%، فإن هذه النسبة تظل متواضعة مقارنة بنسبة 39% في صناعة السيارات.
كما أقر المسؤول المكسيكي بأن بلاده تفتقر إلى الخبرة الهندسية والبنية التحتية اللازمة لإنتاج الرقائق المتطورة، ولا سيما فيما يتعلق بتوافر موارد الطاقة والمياه.
وأضاف أن صناعة السيارات تتميز بتوزيع أوسع للقيمة المضافة على المستوى الوطني، على عكس قطاع خوادم الذكاء الاصطناعي، وهو ما يفرض تحديات إضافية أمام توطين الإنتاج.
ورغم إطلاق حكومة شينباوم "خطة المكسيك" الرامية إلى تعزيز التصنيع المحلي في الصناعات الرئيسية، فإن المبادرة لم تلق إقبالًا كبيرًا؛ بسبب محدودية التمويل والحوافز المقدمة للشركات.
كما تلقي المخاوف بشأن مستقبل "اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا" بظلالها على هذه الصناعة.
وتشير "فاينانشيال تايمز" إلى أن ازدهار تصنيع خوادم الذكاء الاصطناعي يسهم في تغيير الديناميكيات الاقتصادية الإقليمية داخل المكسيك، حيث برزت ولاية خاليسكو مصدرًا رئيسيًا للتصدير، فيما تنشئ شركة "فوكسكون" مصنعًا ضخمًا للخوادم بالقرب من عاصمة الولاية، غوادالاخارا، مستفيدة من رقائق "إنفيديا" المتطورة.
ويؤكد ألبا، في ختام التقرير، أنه رغم نمو صادرات خوادم الذكاء الاصطناعي، فإن القطاع لا يزال غير كافٍ لإحداث تأثير شامل في النمو الاقتصادي للمكسيك، إذ لا تزال مناطق وقطاعات واسعة من البلاد بعيدة عن الاستفادة من هذه الطفرة.
ولفت إلى الحاجة الماسة إلى جذب مزيد من الاستثمارات، معربًا عن أسفه لندرة الفرص المتاحة، ومحذرًا من أن المكسيك قد تفقد مكانتها في التقنيات الناشئة إذا لم يتوافر الدعم الكافي لتنشيط هذه القطاعات.