ويحسب للدولة المصرية بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى منذ 2014 أنها نجحت فى تحقيق المعادلة الصعبة، وهى خوض غمار الحرب ضد الإرهاب على مدى 10 سنوات، بالتوازى المحكم مع مواصلة معركة التنمية الشاملة، وبلغة المنطق لم يكن فى مقدور أحد أن يلوم الدولة فى حالة تركيزها على استئصال جذور التنظيمات المتطرفة، التى خرجت من عباءة جماعة الإخوان الإرهابية، والتصدى لمؤامراتها اللعينة ومخططاتها الخبيثة لإسقاط الوطن، والزج به فى سكة الفوضى، سواء بالعمليات الإرهابية الجبانة أو بضرب وحدة الصف الوطنى إلى جانب محاولات لا حصر لها لتكبيل الاقتصاد القومى وشل حركته، بداية من مؤامرة الدولرة وحجب تحويلات المصريين بالخارج من المنبع، وصولا إلى استهداف الاستقرار والأمن فى البلاد لمنع قدوم أي استثمارات جديدة، ولكن بحكمة القيادة التى تتحلى بالاتزان والقدرة على تقدير الموقف الصحيح، والحسم فى المواجهة مع الشعب الواعى، نجحت الجمهورية الجديدة فى اجتياز واحدة من أصعب مراحلها التاريخية، وهزمت الإرهاب وحققت التنمية الشاملة.
وعلينا ألا ننسى ـ لأن آفة حاراتنا النسيان كما قال أديب نوبل نجيب محفوظ- أن ملحمة التنمية المصرية لم تكن أمامها الطرق ممهدة، ولا مفروشة بالورد، بل واجهت مطبات عدة، وتجاوزت أزمات شتى، فالدولة اتخذت مسار البناء من أول الخط، فالمؤسسات كانت مرهقة بعد أحداث يناير 2011 ثم ترهلت ووهنت مع عام حكم المرشد، والاقتصاد القومى كاد يعلن إفلاسه بعدما خسر أكثر من 450 مليار دولار، ما أدى لانفلات سعر صرف الدولار مقابل الجنيه، وما تبعه من تداعيات تنوء بحملها الجبال، لكن بالاصطفاف الوطنى، وعزيمة التنمية القوية لدى مؤسسات الدولة فى كل الملفات مع المتابعة الرئاسية، أفلت اقتصادنا من الانهيار، وتحدى الحصار من أهل الشر وحلفائهم فى الداخل والخارج، وأصبح قادرا بعد سياسات الإصلاح الاقتصادى على امتصاص الأزمات الواحدة تلو الأخرى من جائحة كورونا ثم الحرب الأوكرانية، وحرب غزة وحتى حرب إيران التى لا يعلم نهايتها وتبعاتها إلا الله، رغم أن العديد من الدول الكبيرة ضربت «لخمة» فى مختلف هذه الأزمات، بينما الاقتصاد المصرى ظل صامدًا ومرنًا فى مواجهة كل المعضلات، صحيح هناك ضغوط معيشية، وصعوبات فى المطالب اليومية بفعل استيراد الغلاء، وتأثير الحروب فى المنطقة، لكن بفضل الله، الدولة المصرية بمؤسساتها الوطنية قادرة على ترويض جميع العقبات، والوفاء بكل الالتزامات.
نجاح التجربة المصرية فى التنمية الشاملة ليس مجرد وجهات نظر محلية ولا شهادات داخلية، بل هى حقيقة تؤكدها مساعٍ متواصلة من تكتلات كبرى لعقد شراكات استراتجية مع القاهرة، ونذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر، الاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية، إلى جانب تقارير المنظمات الأممية والمؤسسات الدولية، وهذه ليس وليدة الفترة الأخيرة، بل تم توثيقها منذ عدة سنوات، ومنها دراسة للبنك الدولى فى 2021 أكد فيها فخره بالشراكة مع مصر فى رحلتها لإعادة البناء بشكل أفضل وتحقيق النمو الاقتصادى، الذى يقف أمام اختبار الزمن، ويفيد جميع المصريين، وأن إصلاحات الاقتصاد الكلى فى مصر، فى السنوات الأخيرة، ساعدت فى استقرار الاقتصاد، بما سمح للبلاد بمواجهة ظروف وباء كورونا، بقدر من الاستقرار الاقتصادى خففت تداعياته، ثم تتابعت تلك الشهادات من مؤسسات عالمية مختلفة، خصوصًا مع تتابع الحروب فى الشرق الأوسط بالتوازى مع الحرب الأوكرانية، وما ترتب على هذه الأزمات من قطع فى سلاسل الإمداد، وتوقف حركة التجارة والطيران والسياحة والاسثمار، ولولا نجاحات تجربة التنمية الشاملة من الزراعة إلى الصناعة وغيرهما من القطاعات التنموية خلال السنوات الماضية لتعرض اقتصادنا الوطنى لهزات عنيفة لا قبل لنا بها، خاصة أن مصر محاطة بالمناطق المشتعلة من الجبهات كافة.
وهنا لابد من التوقف أمام بعد نظر القيادة المصرية التى شحذت همم المصريين جميعًا شعبًا وحكومةً ومؤسسات وطنية، وحشدت كل الجهود، وجيشت جميع الطاقات فى معركة التنمية والتعمير، ولم تقع فى فخ الصراعات المدمرة، ولم تسقط فى دائرة النزاعات المهلكة، بل إنها لم تشغل بالها بمخططات بعض القوى الإقليمية والعالمية فى توظيف الحروب لتحقيق بعض المكاسب الضيقة، ولم تفكر فى اللجوء إلى لغة القوة لجنى بعض الفوائد الزائلة، بل حرصت على مواصلة مسيرة التنمية لبناء دولة تمتلك القدرة الشاملة على المستويات كافة سياسا واقتصاديا وعسكريا، وكان لها ما أرادت، فالقرار المصرى مستقل مهما كانت الضغوط، والسيادة الوطنية محفوظة مهما كانت المشاق، وخطوط القاهرة الحمراء لا يمكن لأحد تجاوزها، بينما بعض الدول فى المنطقة وخارجها أخطأت الحسابات، وأساءت التقديرات، فدخلت فى دوامة الحروب، وعرّضت أمنها القومى للمخاطر الجمة، وجعلت مقدرات شعبها فى مهب الريح، ولا تعرف كيف أو متى تخرج من المأزق، مع العلم أن كل الأطراف المتحاربة خاسرة لا محالة من العتاد والمعدات إلى الأرواح والمصابين، ناهيك عن تضرر مختلف العالم بهذه الحروب التى لا تبقى ولا تذر، وفى مقدمتها البلدان المجاورة بلا ناقة أو جمل لها فى هذه المعارك الكارثية.
والتجربة التنموية المصرية أصبحت أيقونة تطالب باستيرادها العديد من الدول الصديقة، لأن المشروعات القومية تبهر قادة العالم عند زيارة القاهرة، فقد جعلت قدرات مصر «شكل تانى» من المدن الذكية، وفى مقدمتها العاصمة الجديدة بمعالمها العصرية وبنيتها المتكاملة، ومرافقها المتطورة، مرورا بالمشروع القومى للطرق، متعدد المسارات ومتنوع الوسائل، والموانئ العملاقة، والمشروعات الزراعية مثل الدلتا الجديدة وأخواتها فى سيناء والعوينات والوادى الجديد، ولم يعد يخلو قطاع واحد من عشرات، بل مئات المشروعات التنموية الجبارة التى تتكامل فيها قدرات الدولة مع إمكانات القطاع الخاص لتحسين مستوى معيشة المصريين.
والدولة المصرية كعادتها دائما تمد يد العون والمساندة للدول الشقيقة والصديقة، ولم تبخل بنقل خبراتها فى التنمية الشاملة إلى أى دولة تطلبها، بل إن الرئيس السيسى اعتمد دبلوماسية التنمية فى تقوية علاقات القاهرة مع مختلف العواصم، وتعزيز الروابط بين الشعب المصرى وباقى الشعوب، وعلى رأسها بلدان القارة السمراء، وهذا يفسر نجاح الشراكة المصرية - التنزانية فى مشروع سد جوليوس نيريرى بتحالف شركات مصرية «المقاولون العرب والسويدى إلكتريك» لتوليد الطاقة فى تنزانيا ومواجهة الفيضانات، وتنظيم الرى، وهو دليل واضح على الرغبة الأكيدة لدى مصر فى دفع التنمية فى إفريقيا، وأن تعاون دول حوض النيل من خلال التنمية المشتركة يحقق المكاسب للجميع بعيدا عن الانسياق وراء بعض المتآمرين على أمن واستقرار القارة السمراء بزرع الفتن وتغذية الصراعات.
وتجسد الزيارة الأخيرة للرئيس السيسى إلى تنزانيا مع افتتاح هذا السد الذى بنى بأيدٍ وخبرات مصرية نموذجاً راسخاً لدبلوماسية التنمية التى تتقنها الجمهورية الجديدة فى علاقاتها مع العديد من الدول، وهنا أتوقف أمام بعض رسائل الرئيس السيسى عقب انتهاء جلسة المباحثات الموسعة مع د. سامية صلوحو حسن رئيسة تنزانيا، ومنها هذه العبارة الحاسمة «لقد أكدت فى حديثى مع فخامة الرئيسة «د. سامية صلوحو حسن» تطلعنا لتوظيف النجاح الكبير الذى حققته الشركات المصرية فى تشييد مشروع سد «جوليوس نيريرى» العظيم فى إتاحة مزيد من المشروعات التنموية التنزانية أمام شركاتنا الوطنية والاستفادة من الأصول المتعددة التى تتواجد فى هذه المرحلة على الأراضى التنزانية ومن الخبرات الكبيرة التى تراكمت لديها فى تعزيز قدراتنا على العمل المشترك، وتحقيق مزيد من الإنجازات، وصولًا إلى الارتقاء بحجم علاقاتنا إلى المستوى المأمول».
وحتى تتحول هذه الإرادة المصرية فى تنمية تنزانيا إلى واقع ملموس وجه الرئيس السيسى بتكثيف نقل الخبرات المصرية، وتوفير الدعم الفني، وزيادة برامج التأهيل والتدريب، التى تهدف إلى بناء وتطوير قدرات الكوادر الوطنية فى تنزانيا الشقيقة فى مختلف القطاعات والمجالات؛ وذلك لإطلاق كل الطاقات الكامنة والواعدة فى علاقة البلدين، إلى جانب التباحث بشأن فرص البدء فى مشروع استصلاح زراعى فى الأراضى التنزانية، بهدف تحقيق الأمن الغذائى للبلدين، وتلبية الاحتياجات الوطنية من المحاصيل الأساسية والاستراتيجية، مع العمل على توسيع رقعة هذا المشروع، على مراحل متلاحقة، والانتقال به إلى مرحلة التصدير، وجدد الرئيس استعداد القاهرة للانخراط فى مشروع توسعة ميناء دار السلام وتطويره، مع ضرورة وضع مخطط تطوير الميناء، ضمن تصور أوسع لمخطط المحاور اللوجستية الإقليمية، وربطه بدول جوار تنزانيا، مع مقترح استحداث خط ملاحى للربط البحرى بين ميناءى «سفاجا» و«دار السلام»، وإنشاء ممر متعدد الوسائط، يربط بين «القاهرة» و«دار السلام»، وذلك عن طريق إقامة عدد من المشروعات التنموية المشتركة.
ومن المؤكد أنه فى حال تكرار تجربة التنمية الشاملة المصرية فى دول إفريقية أخرى ستكون هذه انطلاقة لعموم القارة، لأن التنمية عدوى، والنجاح متاح للجميع بشرط الأخذ بالأسباب، والاستفادة من تجارب الآخرين، والقاهرة مستعدة بإرادة صلبة لتصدير تجربتها الناجحة، سواء داخل القارة أو خارجها من خلال دبلوماسية التنمية النافعة للجميع.
حمى الله مصر وشعبها وقيادتها
ومؤسساتها الوطنية من كل سوء