كيف تقيم خريطة التغييرات لقطاع الطاقة المصرى فى 2026 مقارنة بعام 2013؟ وهل يمكننا وصفها بالثورة الحقيقية فى مجال الطاقة؟
إذا قارنا وضع قطاع الطاقة فى عام 2013 بما تم تحقيقه فى 2026 فإننا نتحدث بالفعل عن تحول استراتيجى شامل يمكن وصفه بأنه أحد أكبر مشروعات إعادة بناء البنية الأساسية فى تاريخ مصر الحديث، ففى 2013 كانت مصر تواجه عجزًا فى قدرات التوليد وانقطاعات متكررة للكهرباء ونقصًا فى الاستثمارات، وهذه الصورة المظلمة تغيرت بشكل جذرى إلى الصورة الحالية، فاليوم تمتلك الدولة المصرية واحدة من أكبر قدرات إنتاج الكهرباء فى المنطقة، مع احتياطى آمن يسمح بتلبية الطلب المحلي، وفى الوقت ذاته يدعم خطط التنمية الصناعية والعمرانية المستهدفة، فالنجاح الذى حققته منظومة الكهرباء المصرية لم يكن مجرد إنشاء محطات كهرباء جديدة، بل هى نتاج رؤية سياسية واضحة تم ترجمتها فى استراتيجية محددة وطبقت فى سياسات تطبيقية تبنت مفهومًا عالميًا جديدًا هو تحقيق أمن الطاقة؛ باعتباره إحدى ركائز الأمن القومى والتنمية الاقتصادية.
وما أبرز السياسات التى تم تنفيذها فى قطاع الطاقة بعد 30 يونيو كانت سببًا فى هذا التغيير على مستوى التخطيط والتنفيذ وحوكمة القطاع؟
التخطيط المسبق الجاد والتنفيذ الدقيق والرؤية المستقبلية كان ركيزة التحول فى منظومة الكهرباء، وكما ذكرت كان يسبقهما رؤية سياسية واضحة واستراتيجية محددة طبقت فى سياسات شملت جميع أطراف منظومة الكهرباء، فى مقدمتها كان التوسع السريع فى القدرات الكهربائية المتولدة كمرحلة أولى من أجل سد العجز فى القدرات الكهربائية، تبعها تحديث شبكات النقل والتوزيع.
ولتأتى المرحلة الأهم وهى تنويع مصادر الطاقة وتحقيق مزيج يقلل من الاعتماد على الوقود الأحفورى، ولهذا جاء التوسع فى مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة والطاقة النظيفة، وهو ما تطلب إصلاحًا تشريعيًا لمنظومة الاستثمار فى قطاع الكهرباء، حتى يتم تعزيز مشاركة القطاع الخاص وتوسعها، وصولًا لتبنى التحول الرقمى والشبكات الذكية حتى إطلاق برامج كفاءة الطاقة وترشيد الاستهلاك.
وهذه السياسات حولت قطاع الطاقة المصرى من قطاع يواجه أزمات متكررة إلى قطاع قادر على التخطيط طويل المدى، وقطاع قادر على الربط بين استراتيجيات الطاقة وأهداف التنمية الاقتصادية على مستوى النمو والتوظيف والتصدير، كما فى مشروعات محطات سيمنس العملاقة الثلاث، ومجمع بنبان للطاقة الشمسية ومحطة الضبعة النووية، ومشروعات الربط الكهربائى الإقليمى، ومشروعات الهيدروجين الأخضر، وتوسيعات موانئ تصدير الغاز الطبيعى المسال، والمناطق الصناعية الجديدة المرتبطة بالبنية التحتية للطاقة، فهذه المشروعات لن تُنشأ لإنتاج الكهرباء فقط؛ بل لتوفير قاعدة تنموية للصناعة والتصدير وجذب الاستثمار.
كيف أسهمت مشروعات إنتاج الطاقة العملاقة كمحطات سيمنس ومجمع بنبان الشمسى ومحطة الضبعة فى تعزيز أمن الطاقة المصرى، وهل الكلفة الاقتصادية لتلك المشروعات كانت فى محلها؟
محطات «سيمنس» نجحت فى إضافة قدرات ضخمة وعالية الكفاءة لشبكة الكهرباء الكلية، حتى إنها أسهمت فى القضاء على أزمة انقطاع الكهرباء فور تشغيلها، أما مجمع بنبان للطاقة الشمسية فوضع مصر على خريطة الطاقة الشمسية العالمية، وفى الوقت ذاته أثبتت قدرة الدولة المصرية على جذب استثمارات دولية كبيرة، وبالنسبة لمحطة الضبعة النووية فهى تمثل استثمارًا استراتيجيًا طويل الأجل يضيف مصدرًا نظيفًا مستقرًا للطاقة الكهربائية منخفض الانبعاثات الكربونية ويعزز تنوع مزيج الطاقة، ورغم ضخامة التكلفة الاستثمارية لهذه المشروعات، فإن العائد الاقتصادى والأمنى والتنموى يبرر هذه الاستثمارات على المدى الطويل.
إلى أى مدى نجحت استثمارات شبكات النقل والتوزيع والتحول إلى الشبكات الذكية والمراكز الذكية فارقًا فى الكفاءة التشغيلية وخدمة المستهلك؟
حظيت شبكات النقل والتوزيع باهتمام كبير فى قطاع الكهرباء، فتم تحديثها وصيانتها بشكل دورى، وتبع هذا إنشاء مراكز تحكم متطورة، وتوسع فى العدادات الذكية مسبقة الدفع، وهو ما انعكس على تحسين جودة الخدمة وتقليل زمن الأعطال، وفى الوقت ذاته رفع كفاءة التشغيل، وتحسين إدارة الأحمال وقت الذروة، والأهم تقليل الفقد فى القدرات الكهربائية، ولا تزال هناك استمرارية فى استكمال التحول الرقمى الكامل للشبكة الكهربائية.
«الربط الكهربائى» كان على أولوية إجراءات التطوير فى قطاع الكهرباء سواء عربيًا أو إفريقيًا أو أوروبيًا، كيف يمكننا تقييم الربط الكهربائى المصرى على مستوى الربحية الاستراتيجية والمخاطر الجيوسياسية؟
«الربط الكهربائي» أصبح إحدى أدوات القوة الاقتصادية والجيوسياسية الحديثة، فمصر اليوم ترتبط كهربائيًا مع دول عربية وإفريقية وتعمل على الربط مع أوروبا، والربط الكهربائى يمنحنا مزايا عديدة، فى مقدمتها تصدير الكهرباء، وتحسين استقرار الشبكات الكهربائية، وزيادة الاعتمادية، وتعظيم الاستفادة من الطاقات المتجددة، كما أن التوسع فى الربط الكهربائى بين القارات الثلاث يرسخ مكانة مصر كمحور إقليمى لتبادل الطاقة.
توسيع مشاركات القطاع الخاص والمستثمرين الأجانب أحدثت نقلة نوعية في مسيرة تطوير فى قطاع الطاقة وتحديدًا مشروعات الطاقات المتجددة، هل آليات الشراكة المستحدثة والتشريعات نجحت فى تحفيز الاستثمار بكفاءة؟
بلا شك كان للإصلاحات التشريعية المنظمة للاستثمار فى مجال الكهرباء أثر كبير، فشهدت السنوات الماضية تطورًا كبيرًا فى البيئة التشريعية والتنظيمية لقطاع الكهرباء، بما شجع شركات محلية وعالمية على الاستثمار فى الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والبنية التحتية، وأتمنى أن تشهد المرحلة المقبلة تشريعات لشركات خدمات الطاقة بما يشجعها على الاستثمار فى مصر، فالتوسع فى دور القطاع الخاص ليس خيارًا فقط، بل ضرورة لتسريع وتيرة الاستثمار الخاص ونقل التكنولوجيا فى مجال الطاقة.
كيف تقيم دور كل من السندات الخضراء وعقود شراء طويلة الأمد وضمانات الصادرات أو ما يُعرف بالتمويل الأخضر فى تمويل مشروعات الطاقة المتجددة بمصر؟
الواقع أثبت أن السندات الخضراء وعقود شراء الطاقة طويلة الأجل وضمانات التصدير لعبت دورًا مهمًا فى تخفيض أخطار الاستثمار وجذب التمويل الدولي، ومع التوسع العالمى فى تمويل المناخ، تمتلك مصر فرصة كبيرة لزيادة الاعتماد على هذه الأدوات خلال السنوات المقبلة.
رغم التوسع فى مشروعات الطاقة الشمسية والرياح إلا أن هناك تحديات متعلقة بتوطين صناعتها، كيف يمكننا توطين صناعة مكونات هذه الطاقات وتقليل فاتورة استيرادها؟
يجب أن تركز المرحلة القادمة على التصنيع المحلى وليس فقط تنفيذ المشروعات، على أن تكون الأولوية للألواح الشمسية الضوئية والألواح الشمسية الحرارية المزدوجة، ويتم الانتقال بعدها إلى الهياكل المعدنية واستحداث وتحفيز تصميمات جمالية، وفى مجال التكنولوجيا يتم البدء بالمغيرات الذكية (INVERTERS) والصناعات الإلكترونية المرتبطة بها، على أن تكون هناك أنظمة وطنية متطورة لربط الشبكات غير المركزية بالشبكة القومية، وتقنيات وطنية للتحكم فى أحمال الذروة ورصد الفقد غير الفنى والتعامل معه بذكاء، وبطاريات التخزين، مكونات توربينات الرياح، وتكون البداية بتحديث المواصفات المصرية، ووضع المعايير الصارمة الخاصة بالكفاءة؛ حتى لا تتحول منظومة الطاقة الشمسية والرياح والصناعات والاستثمارات المرتبطة بها الى هدر لاقتصاد الدولة، على أن يلزم ربط الحوافز الاستثمارية بنسب المكون المحلي، ونقل التكنولوجيا طبقا لمعايير كفاءة الاستهلاك.
هل ترى الطاقة النووية ركيزة أساسية فى مزيج الطاقة المصرى، أم أنها ستبقى جزءا تكميليًا للطاقة المتجددة؟
الطاقة النووية ليست منافسًا للطاقة المتجددة، بل شريك لها، فالطاقات المتجددة بطبيعتها متغيرة، بينما توفر الطاقة النووية إنتاجًا مستقرًا على مدار الساعة، لذلك فإن مستقبل الطاقة فى مصر يعتمد على مزيج متوازن يجمع بين الغاز والطاقة النووية والطاقة المتجددة وأنظمة التخزين.
تستهدف مصر 5.8 مليون طن من الهيدروجين الأخضر فى 2040، ما الفرص المتاحة للدولة المصرية لاقتطاع حصة مجزية من السوق العالمى، وهل نمتلك القدرات الصناعية والبنية التحتية المطلوبة لتكون مصر موقعًا تسويقيًا قويًا للهيدروجين حتى 2035؟
تمتلك مصر مزايا تنافسية استثنائية لاقتطاع جزء من سوق الهيدروجين الأخضر عالميًا، فالموقع الجغرافى المصرى فريد ومميز، وتمتلك مصر موارد شمسية ورياح ممتازة، وبنية تحتية للطاقة، وموانئ استراتيجية وقناة السويس للتصدير، وبالتالى إذا نجحت الدولة فى توطين الصناعات المرتبطة بالهيدروجين الأخضر، يمكن لمصر أن تصبح من أهم مراكز الإنتاج والتصدير عالميًا بحلول 2035.
امتلاك مراكز بيانات رقمية فى حاجة للطاقة، هل مصر قادرة على توفير الطاقة اللازمة لمراكز البيانات؟
القدرات الحالية للشبكة تسمح بوجود مراكز بيانات، لكن المطلوب هو توفير كهرباء مستقرة وعالية الاعتمادية فضلاً عن الاعتماد المتزايد على مصادر الطاقة النظيفة، حتى يتم التوسع فى إنشاء مراكز البيانات، وهذا يفتح مجالًا واعدًا لتحويل مصر إلى مركز إقليمى للخدمات الرقمية ومراكز البيانات.
أزمات الطاقة العالمية كان لها عظيم التأثير على قطاع الطاقة المصرى، الأزمة الأولى فى حرب روسيا وأوكرانيا، والثانية فى حرب إيران، ما أهم الدروس المستفادة من الأزمتين، وتحديدًا فى مرونة سلاسل الإمداد وأمن الطاقة؟
أثبتت الأزمات الدولية أن أمن الطاقة لا يتحقق فقط بامتلاك الوقود أو المحطات الكهربائية، بل يتحقق بتنويع مصادر الطاقة، وتنويع مصادر الوقود، وزيادة الاحتياطيات الاستراتيجية، وتطوير التصنيع المحلي، ورفع كفاءة الاستهلاك، ومرونة سلاسل الإمداد، على أن يكون هناك خطط وبرامج مدروسة مسبقا للتعامل مع الأزمات وليس نتيجة لرد الفعل، وتعاقب أزمات الطاقة العالمية جعلت من هذه الدروس جزءًا من السياسات المصرية المتبعة والمطبقة حاليًا.
«أمن الطاقة» لم يعد ترفًا بل عمود فقرى لتقدم الدول، هل تسير الدولة المصرية نحو تحقيق أمن الطاقة؟ هل هناك مؤشر يعكس ذلك؟
أمن الطاقة يقاس بقدرة الدولة على توفير الطاقة بصورة مستقرة وآمنة وبأسعار مقبولة مع تنويع المصادر، ووفقًا لهذا المفهوم مصر حققت تقدمًا كبيرًا فى مجال الأمن الطاقى، لكن الحفاظ على هذا الإنجاز يتطلب أمورا عدة منها استمرار الاستثمار فى الشبكات والتخزين وكفاءة استهلاك الطاقة والشبكات الذكية.
أين ستكون مصر على خريطة الطاقة العالمية فى 2035؟
إذا استمرت وتيرة التطوير الحالية، أتوقع أن تصبح مصر مركزًا إقليميًا لتجارة الطاقة، ومحورًا للربط الكهربائي، ومركزًا للهيدروجين الأخضر، ومنصة لتصدير الكهرباء والطاقة النظيفة، ومركزًا إقليميًا للصناعات المرتبطة بالطاقة وكفاءة الاستهلاك بحلول 2035.
تأسس مقر للمنتدى غاز شرق المتوسط بمصر فى 2020، كيف يعزز المنتدى من مكانة مصر كمركز للطاقة فى شرق المتوسط؟
استضافة مصر لمقر المنتدى غاز شرق المتوسط عزز مكانتها الدبلوماسية والاقتصادية، وأصبح المنتدى منصة للتعاون الإقليمى فى مجالات الغاز الطبيعي، والبنية التحتية، والتجارة، وأمن الطاقة، وهو ركيزة أساسية ومهمة فى استراتيجية مصر للتحول إلى مركز إقليمى للطاقة.
كيف يمكنك تقييم التجربة المصرية فى مجال الطاقة خلال العقد الماضى؟
التجربة المصرية تمثل نموذجًا ناجحًا للتحول السريع من مرحلة نقص الطاقة إلى مرحلة الفائض والتخطيط الاستراتيجي، وهى تجربة تستحق الدراسة، خاصة فى كيفية الجمع بين الإرادة السياسية والاستثمار والتخطيط طويل المدى.
ما أبرز التحديات التى تواجه ملف الطاقة المصرى فى المستقبل؟
هناك أربعة تحديات رئيسية علينا التصدى لها هى خفض الفاقد غير الفنى (السرقات) والفاقد الفنى فى شبكات التوزيع والنقل، والإسراع فى توطين الصناعات المرتبطة بالطاقة وكفاءة الاستهلاك وتشجيع الاستثمار فيها، والتوسع فى أنظمة تخزين الكهرباء وأنظمة الشبكات غير المركزية، وتعزيز برامج كفاءة الطاقة وترشيد الاستهلاك وسرعة التحول الى الأنظمة الرقمية، لكن ما يدعو للتفاؤل هو امتلاك مصر بنية تحتية قوية، وكوادر بشرية مؤهلة، ورؤية استراتيجية واضحة، وموقعاً جغرافياً استثنائياً يجعلها مؤهلة للعب دور محورى فى أسواق الطاقة الإقليمية والدولية خلال العقود المقبلة.