لم يكن الإعلان عن الاتفاق الأمريكي الإيراني هو العنصر الوحيد الذي استحوذ على اهتمام الأوساط السياسية والدبلوماسية حول العالم، بل برز سؤال آخر لا يقل أهمية: لماذا اختيرت العاصمة السويسرية "جنيف" تحديدا لاحتضان مراسم التوقيع الرسمية؟.
ففي الوقت الذي احتضنت فيه العاصمة الباكستانية إسلام آباد المفاوضات والاتصالات المكثفة التي أفضت إلى التفاهمات الأولية بين واشنطن وطهران، تقرر أن تستضيف جنيف مراسم التوقيع الرسمية والاجتماعات التنفيذية اللاحقة، في خطوة تحمل أبعادا سياسية ودبلوماسية تتجاوز الجانب البروتوكولي، وتعكس رسائل متعددة موجهة إلى المجتمع الدولي وإلى الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بهذا الملف.
اليوم، أعلنت الحكومة السويسرية أن الترتيبات ما زالت جارية لعقد اجتماعات أولية بين الولايات المتحدة وإيران غدا في منتجع بورجنستوك الجبلي الشهير، بمشاركة الوسطاء الرئيسيين الذين لعبوا دورا محوريا في تقريب وجهات النظر بين الجانبين.
وأوضحت السلطات السويسرية أن الخطة الحالية تتضمن لقاءات أولية بين الوفدين الأمريكي والإيراني إلى جانب ممثلين عن باكستان وقطر وعدد من الأطراف المعنية، بهدف مناقشة آليات تنفيذ مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها مؤخرا، فيما لم يتم الإعلان حتى الآن عن جدول الأعمال التفصيلي أو مستوى التمثيل المتوقع في تلك الاجتماعات.
ويأتي هذا الإعلان بعد ساعات من تأكيد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف دخول الاتفاق حيز التنفيذ بشكل فوري عقب توقيع مذكرة التفاهم من جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، مع الإبقاء على مراسم التوقيع الرسمية المقررة في سويسرا.
وبحسب ما تم الإعلان عنه، تنص مذكرة التفاهم على وقف فوري للعمليات العسكرية وإنهاء الحصار البحري المفروض على إيران، إلى جانب تعليق العقوبات الأمريكية المرتبطة ببيع النفط الإيراني، على أن يتم التفاوض خلال فترة زمنية تمتد إلى ستين يوما للوصول إلى اتفاق نهائي وشامل يعالج مختلف الملفات العالقة بين البلدين.
كما تتضمن التفاهمات الانتقال إلى مرحلة من الحوار السياسي والفني بهدف وضع إطار دائم للعلاقات بين الجانبين، بما يضمن عدم العودة إلى دائرة التصعيد التي هيمنت على المشهد خلال السنوات الماضية.
ومنذ عقود طويلة، ارتبط اسم جنيف بمفهوم الحياد والدبلوماسية الدولية. فالمدينة السويسرية لا تمثل فقط أحد أهم المراكز السياسية في أوروبا، بل تعد مقرا لعدد كبير من المؤسسات الدولية والمنظمات الأممية والبعثات الدبلوماسية.
هذا الإرث التاريخي جعل من جنيف مكانا مفضلا لاستضافة المؤتمرات الدولية والمفاوضات المعقدة التي تجمع أطرافا متنازعة أو متخاصمة، وهو ما يمنح أي اتفاق يتم توقيعه على أرضها بعدا دوليا يتجاوز الإطار الثنائي التقليدي.
ويرى سياسيون أن اختيار جنيف يعكس رغبة مشتركة لدى الأطراف المعنية في إضفاء طابع دولي على الاتفاق وإظهاره باعتباره خطوة تحظى بدعم وقبول أوسع من مجرد توافق سياسي مؤقت بين واشنطن وطهران.
ويحمل اختيار جنيف أيضا رسالة سياسية واضحة مفادها أن الاتفاق لا يتم على أرض أحد الطرفين ولا في عاصمة محسوبة على أي محور إقليمي أو دولي.
فالولايات المتحدة وإيران تدركان حساسية اختيار مكان التوقيع، خاصة في ظل التوازنات المعقدة التي تحكم منطقة الشرق الأوسط، ولذلك جاء اللجوء إلى سويسرا باعتبارها دولة تتمتع بسمعة دولية راسخة في الحياد وعدم الانحياز.
خبراء العلاقات الدولية يرون أن التوقيع في بيئة محايدة يساهم في تعزيز الثقة بين الأطراف ويقلل من احتمالات استغلال الحدث سياسيا من قبل أي طرف، كما يمنح الاتفاق فرصة أكبر للحصول على قبول دولي وإقليمي.
أما بالنسبة لطهران، لا تمثل جنيف مجرد مدينة محايدة، بل ترتبط بمحطات مفصلية في تاريخ المفاوضات النووية الإيرانية.
فقد شهدت المدينة خلال العقدين الماضيين عددا من جولات التفاوض بين إيران والقوى الدولية، وأسهمت في التوصل إلى تفاهمات مهمة مهدت للاتفاق النووي الموقع عام 2015.
ولهذا ينظر كثير من المراقبين إلى العودة مجددا إلى جنيف باعتبارها إشارة رمزية إلى تفضيل الحلول السياسية والدبلوماسية على خيارات المواجهة العسكرية، ورسالة تؤكد استعداد إيران للانخراط في مسار تفاوضي طويل الأمد إذا توفرت الضمانات اللازمة.
من الجانب الأمريكي، يبدو أن الاعتبارات العملية واللوجستية لعبت دورا مهما في اختيار جنيف.
فالمدينة تقع في قلب أوروبا وتتمتع ببنية تحتية متطورة وخبرة كبيرة في تنظيم اللقاءات الدولية الحساسة، كما أنها توفر مستوى مرتفعا من الإجراءات الأمنية والخدمات اللوجستية اللازمة لاستضافة وفود رفيعة المستوى.
إضافة إلى ذلك، فإن تزامن المفاوضات مع فعاليات واجتماعات دولية أخرى في القارة الأوروبية يجعل من جنيف خيارا مناسبا من الناحية التنظيمية ويقلل من التعقيدات المرتبطة بحركة الوفود الرسمية.
ومنذ قطع العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران عام 1980، لعبت سويسرا دورا محوريا في الحفاظ على قنوات الاتصال غير المباشرة بين البلدين.
وعلى مدى عقود، اضطلعت برن بمهمة تمثيل المصالح الأمريكية في إيران، وساهمت في نقل الرسائل وتسهيل الاتصالات خلال العديد من الأزمات السياسية والأمنية.
ولهذا فإن استضافة جنيف لمراسم التوقيع لا تعد حدثا منفصلا، بل امتدادا لدور سويسري طويل في إدارة الملفات الحساسة بين الطرفين.
ورغم انتقال مراسم التوقيع إلى سويسرا، فإن ذلك لا يقلل من أهمية الدور الباكستاني في إنجاز الاتفاق.
فالتقارير المتداولة تشير إلى أن إسلام آباد كانت الساحة الرئيسية للمفاوضات والوساطة خلال الأسابيع الماضية، وأنها لعبت دورا محوريا في تقريب المواقف بين واشنطن وطهران.
وبالتالي يمكن القول إن إسلام آباد ستبقى مرتبطة تاريخيا بمرحلة التفاوض وصياغة التفاهمات، بينما تؤدي جنيف دور المنصة الدولية التي تمنح الاتفاق بعده الرمزي والسياسي الأوسع.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى اختيار جنيف باعتباره قرارا بروتوكوليا فحسب، بل هو اختيار يحمل أبعادا سياسية ودبلوماسية عميقة، إذ إن المدينة تجسد مفاهيم الحياد والحوار والتوافق الدولي، وتوفر بيئة مناسبة لإطلاق مرحلة جديدة من العلاقات بين واشنطن وطهران.
وبين إسلام آباد التي احتضنت المفاوضات الأساسية، وجنيف التي ستحتضن التوقيع والمباحثات التنفيذية، ينتقل الملف الأمريكي الإيراني من مرحلة الوساطة واحتواء التصعيد إلى مرحلة اختبار الإرادة السياسية والقدرة على تحويل التفاهمات الأولية إلى اتفاق دائم قد يعيد رسم ملامح التوازنات في المنطقة خلال السنوات المقبلة.